
أعلن محافظ البنك المركزي الإيراني مؤخراً أن معدل التضخم النقطي في سبتمبر الجاري بلغ 83.8 في المئة، فيما سجل التضخم الشهري خلال هذا الشهر 3.9 في المئة. وتشير هذه الأرقام إلى أن التضخم النقطي في سبتمبر غيّر مساره بعد 15 شهراً، مسجلاً انخفاضاً قدره 0.6 نقطة مئوية مقارنة بالشهر السابق.
وحسب تقرير لصحيفة “دنياي اقتصاد” الإيرانية، كان المركزي الإيراني قد أعلن مؤخراً أيضاً أن نمو السيولة اتخذ مساراً تراجعياً في أغسطس، ليصل إلى 54.3 في المئة.
وخلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، سجل التضخم الشهري أرقاماً دون 4 في المئة، وهو ما يمثل انخفاضاً مقارنة بمتوسط بلغ 7.5 في المئة خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام الإيراني. وفي ظل هذه الظروف، يبدو أن المتغيرات النقدية ابتعدت إلى حد ما عن حالة الاضطراب، إلا أن استمرار هذا المسار يبقى مرتبطاً بوضع المخاطر السياسية.
وأشار محافظ البنك المركزي إلى أن تسجيل معدل تضخم عند 4 في المئة شهرياً لا يزال رقماً مرتفعاً، لكنه أوضح أنه رغم الضغوط الناجمة عن الحرب والعقوبات والحصار والتوقعات التضخمية الناتجة عنها، فإن إجراءات البنك المركزي للسيطرة على نمو السيولة أدت إلى انخفاض ملحوظ في وتيرة التضخم، التي كانت قد ارتفعت بشكل كبير خلال الأشهر الأولى من العام، مضيفاً أن جهود البنك المركزي تتركز على خفضها بصورة أكبر.
نظرة على تفاصيل التضخم
في تفاصيل تضخم سبتمبر، سجلت مجموعة الاتصالات أعلى زيادة شهرية في الأسعار، إذ بلغ التضخم الشهري لهذه المجموعة 18.6 في المئة، بفارق كبير عن معدل التضخم العام البالغ 3.9 في المئة. وجاءت بعدها مجموعة النقل بتضخم شهري بلغ 7.1 في المئة، ثم الأثاث والأجهزة والخدمات المستخدمة في المنزل بنسبة 6.4 في المئة.
ويبدو أن ارتفاع أسعار البنزين خلال هذا الشهر كان أحد العوامل وراء ارتفاع التضخم الشهري في قطاع النقل. كما سجلت مجموعة الترفيه والأنشطة الثقافية تضخماً بنسبة 6.2 في المئة، والملابس والأحذية 5.6 في المئة، والسلع والخدمات المتنوعة 5.2 في المئة. وتظهر هذه الأرقام أن تراجع التضخم الشهري في سبتمبر لم يحدث بالوتيرة نفسها في جميع مجموعات الاستهلاك، إذ لا تزال بعض القطاعات تواجه ضغوطاً سعرية أكبر.
وفي المجموعات المرتبطة بالنفقات الجارية للأسر الإيرانية، سُجلت أيضاً زيادات ملحوظة في الأسعار. وبلغ التضخم الشهري لمجموعة السكن والمياه والكهرباء والغاز والوقود الأخرى 5.1 في المئة خلال سبتمبر، فيما سجلت المطاعم والفنادق تضخماً بنسبة 4.9 في المئة. وتكتسب هاتان المجموعتان أهمية أكبر نظراً إلى الحصة الكبيرة التي تشغلها تكاليف السكن والخدمات في ميزانية الأسر.
في المقابل، بلغ التضخم الشهري في قطاع الصحة والعلاج 2.4 في المئة، وفي التعليم 1.8 في المئة. وبين مجموعات الاستهلاك، سجلت الأغذية والمشروبات أداءً مختلفاً، إذ بلغ التضخم الشهري فيها 1.7 في المئة. ويقل هذا الرقم عن نصف معدل التضخم الشهري العام، ما يشير إلى أن ضغوط ارتفاع أسعار المواد الغذائية خلال سبتمبر كانت أكثر محدودية مقارنة بالعديد من المجموعات الأخرى. كما سجلت التبغ، بتضخم شهري بلغ 1.3 في المئة، أدنى زيادة في الأسعار بين المجموعات الرئيسية.
عرض وطلب العملات الأجنبية خلال الأشهر الأخيرة
يُعد سعر الصرف أحد أهم المتغيرات التي يمكن أن تغير مسار التضخم. وفي ظل تأثر إيرادات البلاد من العملات الأجنبية بصادرات النفط والقيود الناجمة عن العقوبات، تكتسب كمية العملات الأجنبية المتاحة للاقتصاد أهمية كبيرة.
وبحسب إعلان البنك المركزي الإيراني، تتوفر حتى نهاية العام الموارد اللازمة لتوفير العملات الأجنبية لشراء السلع الأساسية والأدوية. ويمكن أن يسهم ذلك في الحد من شدة الضغوط في القطاعات الحساسة من الاقتصاد. إلا أن مسألة سوق العملات الأجنبية لا تقتصر على توفير السلع الأساسية.
وتحتاج الشركات أيضاً إلى العملات الأجنبية لاستيراد المواد الأولية والمعدات والسلع الوسيطة، وأي زيادة حادة في المخاطر أو قيود على عرض العملات الأجنبية يمكن أن تؤدي إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج، ومن ثم أسعار السلع. ووفقاً لبيانات مركز الإحصاء الإيراني، تراجعت الصادرات في ربيع هذا العام بنسبة 35.7 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، فيما انخفضت الواردات بنسبة 14.8 في المئة.
ويُعد تسجيل التضخم الشهري دون 4 في المئة خلال الأشهر الثلاثة الصيفية، وانخفاض التضخم النقطي في سبتمبر بمقدار 0.6 نقطة مئوية، إلى جانب تراجع نمو السيولة، ثلاثة مؤشرات يمكن أن تعكس تغير اتجاه بعض المتغيرات النقدية والسعرية.
لكن هذه البيانات لا تعني بعد تجاوز أزمة التضخم بشكل نهائي. فالتضخم النقطي البالغ 83.8 في المئة لا يزال يشير إلى ارتفاع حاد للغاية في المستوى العام للأسعار، كما أن النمو الشهري البالغ 3.9 في المئة لا يزال بعيداً عن تحقيق استقرار الأسعار.
ومن جهة أخرى، يشير النمو الاقتصادي السلبي البالغ 10.1 في المئة خلال فصل الربيع إلى أن انخفاض التضخم حدث في وقت يواجه فيه الاقتصاد الإيراني في الوقت نفسه ركوداً عميقاً.
وبالتالي، فإن المسار المستقبلي لا يعتمد فقط على أداء متغير نقدي واحد، بل يرتبط بمجموعة من العوامل. ويمكن أن يسهم الانخفاض المستدام في نمو السيولة، والسيطرة على عجز الموازنة، والحفاظ على فارق محدود بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق، وإدارة توقعات التضخم، والأهم من ذلك خفض المخاطر السياسية، في تعزيز المسار الحالي.
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام