الكمارك: تطبيق البيان المسبق على الاستيراد دون تحويل خارجي اعتباراً من مطلع تشرين الأول   الإقتصاد نيوز   النفط: تطوير 6 رقع استكشافية واستيراد شحنة جديدة من البنزين بواقع 30 ألف طن   الإقتصاد نيوز   وزير الخرانة الأمريكي: فرق أمريكية تجوب العالم لعزل إيران   الإقتصاد نيوز   المرور: كل سيارة تجوب العراق خاضعة للرصد المروري وتتحمل الغرامات عند المخالفة   الإقتصاد نيوز   تضخم إيران يتراجع بشكل طفيف في سبتمبر.. هل تنحسر الضغوط السعرية؟   الإقتصاد نيوز   العراق يدخل حالة طوارئ بيئية.. ملايين الأمتار المكعبة من الملوثات تهدد دجلة والصحة   الإقتصاد نيوز   الإطاحة بشبكة خطيرة لتزوير السندات وتجريف الأراضي الزراعية في بغداد   الإقتصاد نيوز   ليبيا تستأنف ضخ النفط الخام عبر خط الأنابيب الشرارة-الزاوية   الإقتصاد نيوز   العدل تُؤمّن عقارات الدولة إلكترونياً وتُحاصر التلاعب والتزوير   الإقتصاد نيوز   التخطيط تستعد لإطلاق برنامج "الأشغال العامة في العراق" لتوفير فرص العمل   الإقتصاد نيوز  
العراق يدخل حالة طوارئ بيئية.. ملايين الأمتار المكعبة من الملوثات تهدد دجلة والصحة

الاقتصاد نيوز - بغداد

 

لم يعد التلوث في العراق ملفاً موسمياً يعود إلى الواجهة مع ظهور رائحة الكبريت في سماء بغداد أو نفوق الأسماك في أحد الأنهر، بل انتقل رسمياً إلى مستوى "الطوارئ البيئية"، بعدما أقرت مؤسسات الدولة بأن تراكم مصادر التلوث المائي والهوائي والصناعي بلغ مرحلة تستدعي إجراءات استثنائية، وسط أرقام تتحدث عن ملايين الأمتار المكعبة من المياه الملوثة التي تصل يومياً إلى الأنهار، ومئات المنشآت المخالفة للضوابط البيئية.
 
وفي 24 أيلول 2026، أعلنت وزارة البيئة حالة الطوارئ البيئية في العراق، بالتزامن مع إطلاق منصة وطنية للرصد والاستجابة للبلاغات البيئية، في خطوة قالت إنها تستهدف نقل التعامل مع ملف التلوث من مرحلة تشخيص المشكلة إلى التدخل المباشر لمعالجتها وملاحقة مصادرها. وجاء الإعلان خلال اجتماع موسع ضم وزارتي البيئة والموارد المائية ومحافظة بغداد وأمانة بغداد وعدداً من أعضاء مجلس النواب والجهات الحكومية المعنية.
 
ويكتسب الإعلان ثقله من أنه جاء في اليوم نفسه الذي صوّت فيه مجلس النواب على توصيات لجنة الأمر النيابي رقم 63 لسنة 2026، المشكلة للتحقيق في أسباب تلوث مياه نهر دجلة وتحديد الجهات المتسببة به والإجراءات المطلوبة للحد من آثاره، بحضور وزيري البيئة والموارد المائية. ودعا رئيس مجلس النواب الجهات التنفيذية إلى الإسراع في تنفيذ مشاريع المعالجة وتشكيل فريق حكومي مشترك بين الوزارتين، مع إبداء استعداد البرلمان لدعم الإجراءات المطلوبة تشريعياً.
 
أزمة تجاوزت حدود الرصد
 
وزيرة البيئة سروة عبد الواحد وضعت الإعلان في إطار أكثر خطورة، إذ أكدت أن الواقع البيئي في العراق وصل إلى مرحلة لا تكفي معها المعالجات التقليدية، وأن البلاد بحاجة إلى إجراءات استثنائية وتحرك حكومي عاجل ومتكامل يعتمد على بيانات دقيقة تحدد حجم التلوث ومواقعه ومصادره والجهات المتسببة به، على أن تتجه المعالجة إلى وقف الأسباب والمصادر نفسها بدلاً من الاكتفاء بالتعامل مع نتائج التلوث بعد وقوعها.
 
وأكدت الوزيرة أن وزارة البيئة لا تستطيع بمفردها معالجة الملفات المتراكمة، وأن نجاح حالة الطوارئ يتطلب إمكانات مالية وفنية وتنسيقاً بين الوزارات والمحافظات والمؤسسات الأمنية والخدمية، وهو ما يضع الأزمة عملياً خارج حدود وزارة واحدة ويحولها إلى ملف حكومي مشترك.
 
وفي هذا السياق، جاءت منصة الرصد والاستجابة للبلاغات البيئية لتمنح المواطنين إمكانية الإبلاغ عن مصادر التلوث والمخالفات، مع تحديد مواقعها وتوثيقها وربط البلاغ بالجهة الحكومية المختصة والإجراءات القانونية، بما يفترض أن يقلص الفجوة بين اكتشاف مصدر التلوث وبدء التعامل معه.
 
لكن أخطر ما كشفته التحركات النيابية يتمثل بحجم ما يصل إلى الأنهر من ملوثات. فرئيس لجنة الأمر النيابي رقم 63 يوسف الكلابي قال إن مشكلة التلوث بدأت محدودة قبل أن يؤدي إهمالها وتراكمها إلى أزمة كبيرة تمس صحة العراقيين، مشيراً إلى أن كميات المياه والمواد الملوثة المطروحة تصل، بحسب البيانات التي عرضتها اللجنة، إلى نحو 10 ملايين متر مكعب يومياً على مستوى العراق، بينها كميات ضخمة تصل عبر نهر ديالى إلى دجلة وبغداد. ودعا الكلابي إلى إعلان طوارئ مائية واستنفار الجهد الحكومي والخدمي والأمني والمؤسسات المختلفة لمعالجة مصادر التلوث، ضمن حملة وطنية أطلق عليها اسم "القضاء على الموت البطيء".
 
وتوجد أرقام متفاوتة بحسب نوع البيانات وطريقة احتسابها؛ إذ نقلت تقارير نيابية في وقت سابق أن نحو 6 ملايين متر مكعب من المياه الآسنة تُطرح يومياً بصورة مباشرة في دجلة والفرات، بينما تحدثت لجنة الأمر النيابي لاحقاً عن نحو 10 ملايين متر مكعب من المياه والملوثات والنفايات على مستوى البلاد. وهذا التفاوت لا يغير جوهر الأزمة، لكنه يؤكد الحاجة إلى قاعدة بيانات حكومية موحدة توضح حجم التصريف ومصادره وأنواعه بدقة.
 
والأزمة ليست وليدة الأسابيع الأخيرة. ففي حزيران 2026، كانت اللجنة النيابية قد استضافت وزيري البيئة والموارد المائية وأمانة بغداد ودائرة المجاري، وجرى خلال الاجتماع تشخيص مياه الصرف الصحي بوصفها أحد المصادر الأساسية لتلوث دجلة، مع التأكيد على الحاجة إلى تجميعها ضمن منظومات متكاملة وإنشاء وحدات معالجة تمنع تصريفها مباشرة في الأنهر. كما أشار وزير الموارد المائية حينها إلى أن التلوث كان من بين الأسباب الرئيسية المسؤولة عن حالات نفوق الأسماك.
 
وتزداد خطورة المشكلة كلما انخفضت كميات المياه في دجلة والفرات، لأن تراجع التصاريف يعني عملياً قدرة أقل على تخفيف تراكيز الملوثات، ما يجعل مياه الصرف الصناعي والصحي أكثر تأثيراً في نوعية المياه الواصلة إلى المدن ومحطات الإسالة.
 
الأزمة لا تتوقف عند المياه
 
إعلان "الطوارئ البيئية" جاء أوسع من قضية تلوث الأنهار وحدها، إذ تواجه بغداد منذ مدة مشكلة متكررة في جودة الهواء، تظهر أحياناً على شكل روائح كبريتية وغطاء من الملوثات يحجب صفاء السماء.
 
وتشير وزارة البيئة إلى أن تلوث الهواء يمثل خطراً صحياً وبيئياً رئيسياً، وتتولى تشغيل ومتابعة محطات مراقبة نوعية الهواء في بغداد والمحافظات، فيما تشمل مصادر التلوث المعروفة محطات توليد الكهرباء والمنشآت الصناعية ومعامل الطابوق والأسفلت ومواقع النفايات والحرق غير المنضبط.

وكانت محافظة بغداد قد حددت في اجتماعات سابقة مكب النفايات في معسكر الرشيد وموقع الطمر في النهروان ومعامل الطابوق وحرق النفايات داخل الأحياء السكنية بين أبرز مصادر التلوث، فيما وجّهت الحكومة باتخاذ إجراءات قانونية وتشديد مراقبة المواقع المسببة للانبعاثات.

وبعد يوم واحد من إعلان الطوارئ البيئية، أعلنت وزارة الداخلية اتخاذ إجراءات قانونية وقضائية بحق 440 معملاً للطابوق في بغداد وعدد من المحافظات بعد تسجيل مخالفات بيئية، وأرجعت جانباً من التلوث الناتج عن هذه المنشآت إلى استخدام الوقود الثقيل وتقادم المعامل واعتماد وسائل إنتاج قديمة، فضلاً عن عمل عدد منها من دون استكمال الموافقات البيئية.

هذه الإجراءات تكشف أن إعلان الطوارئ لا يتعلق فقط بقياس نسب التلوث، بل يضع الدولة أمام اختبار تطبيق القانون على المؤسسات الحكومية والمنشآت الخاصة معاً، خصوصاً أن جانباً من التلوث ينتج عن بنية صناعية وخدمية قائمة منذ سنوات، ومن شبكات صرف ومعالجة لا تستوعب الكميات المتزايدة، فضلاً عن استخدام أنواع وقود مرتفعة الانبعاثات.

أما صحياً، فقد دعمت منظمة الصحة العالمية إعلان حالة الطوارئ، مؤكدة أن التلوث في العراق يجب ألا يُنظر إليه كقضية بيئية منفصلة عن الصحة العامة والتنمية. وأوضحت ممثلة المنظمة في العراق أن تلوث الهواء يرتبط بارتفاع مخاطر أمراض الجهاز التنفسي والقلب والأوعية الدموية والسكتات الدماغية وسرطان الرئة، فيما يزيد تلوث المياه من مخاطر الأمراض المنقولة بالمياه، ويمكن للتعرض المستمر لبعض الملوثات الكيميائية والصناعية أن يترك آثاراً صحية طويلة الأمد.

وشددت المنظمة على أن الرصد وحده لا يمثل الحل، إذ يجب ربط بيانات نوعية الهواء والمياه بالمؤشرات الصحية لمعرفة المناطق والفئات الأكثر تعرضاً للخطر، وتحويل القياسات البيئية إلى نظام إنذار مبكر يقود إلى إجراءات وقائية، مع إعطاء أولوية خاصة للأطفال وكبار السن والعاملين في الأماكن المفتوحة والمصابين بالأمراض المزمنة.

وبذلك، لا يبدو إعلان الطوارئ البيئية مجرد إجراء إداري، بل إقراراً رسمياً بأن منظومة التعامل السابقة مع التلوث لم تعد كافية أمام حجم الأزمة. فالاختبار الحقيقي يبدأ بعد الإعلان: هل تستطيع الحكومة إيقاف طرح مياه الصرف غير المعالجة؟ وهل يمكن إلزام المصانع ومحطات الطاقة ومعامل الطابوق والمصافي بالمحددات البيئية؟ وهل ستتحول منصة البلاغات إلى أداة للمحاسبة أم إلى قاعدة لتسجيل الشكاوى فقط؟

كما تواجه الدولة تحدياً مالياً وفنياً كبيراً، لأن معالجة تلوث دجلة والفرات لا تتحقق بحملات مؤقتة، بل تحتاج إلى توسعة شبكات الصرف وإنشاء وتأهيل محطات المعالجة والمراقبة، وضبط المخلفات الصناعية والطبية، ومنع التجاوزات على الأنهر، بالتوازي مع معالجة مصادر تلوث الهواء.

وبين إعلان وزارة البيئة، وتصويت البرلمان، ودخول وزارتي الداخلية والموارد المائية على خط التنفيذ، أصبح الملف للمرة الأولى محاطاً بسلسلة إجراءات متزامنة، لكن نتائجها ستُقاس بمدى انخفاض الملوثات وليس بعدد اللجان والاجتماعات.

فبعد سنوات من التحذيرات، وصل العراق إلى مرحلة أعلن فيها رسمياً أن بيئته تحتاج إلى إجراءات طارئة. وما سيحدد نجاح هذا الإعلان هو القدرة على الانتقال من معرفة مصادر "الموت البطيء" إلى إيقافها فعلياً، قبل أن تتحول أزمة المياه والهواء إلى عبء صحي واقتصادي أكبر يصعب احتواؤه.


ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام


مشاهدات 107
أضيف 2026/09/27 - 11:17 AM