
منذ عام 2003 وحتى الاستعداد لإقرار موازنة 2027، شهد العراق تحولات مالية كبيرة، ارتفعت خلالها تقديرات الإنفاق العام من نحو 9.1 تريليونات دينار إلى أكثر من 211 تريليون دينار، في مسار يعكس التوسع الكبير في الالتزامات الحكومية والإنفاق التشغيلي والاستثماري، لكنه يطرح في المقابل تساؤلات جوهرية بشأن قدرة الاقتصاد الوطني على تحويل هذه الأموال إلى تنمية مستدامة، ومدى انعكاس الموازنات المتعاقبة على الخدمات والبنية التحتية وفرص العمل.
ومع ارتفاع الإيرادات النفطية، تسارع نمو الموازنات لتصل إلى نحو 86.6 تريليون دينار عام 2008، قبل أن تتراجع إلى 69.2 تريليوناً في 2009، في انعكاس واضح لتأثر المالية العامة بتقلبات أسواق النفط والأزمة المالية العالمية.
وعادت الموازنات إلى الارتفاع خلال الأعوام التالية، إذ بلغت نحو 84.7 تريليون دينار في 2010، و96.7 تريليوناً في 2011، ثم قفزت إلى 117.1 تريليون دينار عام 2012، وصولاً إلى 138.4 تريليوناً في 2013.
وتعكس هذه الأرقام اتساع القدرة المالية للدولة خلال عقد واحد، إلا أن النمو الكبير في التخصيصات لا يكفي وحده للحكم على مستوى الإنجاز، خصوصاً أن حجم الأموال المرصودة لا يعادل بالضرورة المبالغ المصروفة فعلياً أو المشاريع المنجزة.
وفي عام 2015، تراجعت الموازنة إلى نحو 119.6 تريليون دينار، ثم انخفضت إلى 105.9 تريليونات في 2016، قبل أن تسجل نحو 107.1 تريليونات دينار بعد تعديل موازنة 2017.
أما عام 2018، فشهد إقرار قانون الموازنة الاتحادية رقم 9 لسنة 2018، رغم عدم وجود مبلغ محدد له في الجدول المرفق، فيما بلغت موازنة 2019 نحو 133.1 تريليون دينار.
وتكررت أزمة غياب الموازنة في عام 2020، الذي شهد تداعيات جائحة كورونا وانهيار أسعار النفط، قبل إقرار موازنة 2021 بنحو 130 تريليون دينار. ثم عاد العراق في 2022 إلى العمل من دون موازنة اتحادية سنوية مستقلة، وسط الانسداد السياسي وتأخر تشكيل الحكومة.
وتكشف هذه المرحلة أن الأزمة لم تكن مرتبطة بحجم الموارد فقط، بل شملت أيضاً انتظام التشريع المالي واستقرار التخطيط الحكومي، إذ يؤدي غياب الموازنة إلى تقييد إطلاق المشاريع الجديدة وإرباك الخطط الاستثمارية.
وبلغت التخصيصات المخططة لعام 2023 نحو 198.9 تريليون دينار، مع اعتماد إطار مالي يمتد إلى عامي 2024 و2025، وتضمن تقديرات تقارب 211.8 تريليون دينار وفق البيانات المرفقة، مع خضوع الجداول السنوية للتعديلات والإجراءات القانونية.
لكن هذه الأرقام تمثل تقديرات وتخصيصات مالية، ولا يجوز التعامل معها على أنها إنفاق فعلي تحقق بالكامل خلال السنوات الثلاث.
ورغم أن الموازنة الثلاثية هدفت إلى توفير استقرار أكبر للتخطيط، فإن تنفيذها واجه تحديات مرتبطة بإقرار الجداول وتوافر التمويل، إذ أشار البنك المركزي العراقي إلى أن تأخر الجداول التنفيذية لعام 2024 حتى حزيران أثّر في انطلاق المشاريع الحكومية، مع الاعتماد على قاعدة الصرف الشهري المؤقت.
وبذلك، انتقل العراق من مشكلة تأخر إقرار الموازنات السنوية إلى تحدٍ آخر يتعلق بسرعة تنفيذ الموازنات متعددة السنوات، ومدى قدرة المؤسسات على تحويل التخصيصات الكبيرة إلى نتائج اقتصادية وخدمية ملموسة.
وأوضح المستشار المالي للحكومة مظهر محمد صالح أن آلية الصرف المؤقت تعتمد على تخصيص جزء شهري يعادل 1/12 من النفقات الجارية الفعلية للسنة السابقة، مع استمرار تمويل المشاريع الاستثمارية القائمة ضمن الشروط المحددة.
ويكشف استمرار الإنفاق من دون موازنة جديدة عن مفارقة في إدارة المالية العامة، إذ تتمكن الدولة من تأمين الرواتب والنفقات الأساسية، بينما تظل قدرتها على إطلاق مشاريع استثمارية جديدة مرتبطة باستكمال الإجراءات التشريعية والمالية.
وفي 24 تشرين الأول 2026، وجّه الزيدي بتثبيت المتعاقدين والأجراء على الملاك الدائم، إلى جانب استحداث 120 ألف درجة وظيفية جديدة بصفة عقد، على أن توزع بين المحافظات وفق النسب السكانية، مع اعتماد منصة إلكترونية خاصة بالتقديم. وأوضح الناطق باسم الحكومة أن توجيهات التثبيت تشمل أكثر من 500 ألف متعاقد وأجير.
وفي الوقت الذي لم تُقر فيه الموازنة بعد، أوردت تقديرات أولية غير نهائية تشير إلى نفقات محتملة تبلغ نحو 217.239 تريليون دينار، وإيرادات تقدر بنحو 174.234 تريليون دينار، وعجز متوقع يقارب 43 تريليون دينار. وهذه الأرقام لا تمثل موازنة نافذة أو مصادقاً عليها، بل تقديرات قابلة للتغيير خلال مراحل إعداد المشروع وإقراره.
فارتفاع الموازنة من 9.1 تريليونات دينار عام 2003 إلى 198.9 تريليون دينار في 2023 يمثل زيادة بنحو 22 ضعفاً بالقيمة الاسمية، غير أن هذه المقارنة لا تحتسب التضخم أو تغير قيمة الدينار أو توسع عدد السكان والمؤسسات الحكومية.
كما أن تضخم الإنفاق التشغيلي، خصوصاً الرواتب والتقاعد والرعاية الاجتماعية، يفرض التزامات متكررة على الخزينة، في حين تتطلب مشاريع البنية التحتية والاستثمار موارد مستقرة لا تتأثر بصورة حادة بتقلبات أسعار النفط.
ويظل الاعتماد الكبير على الإيرادات النفطية أحد أبرز مواطن الهشاشة في الموازنات العراقية، إذ يؤدي تراجع أسعار الخام أو اضطراب الصادرات إلى تقليص الموارد المتاحة لتمويل الإنفاق العام.
وعليه، فإن تقييم حصيلة الموازنات المتعاقبة يتطلب مراجعة الحسابات الختامية، ومقارنة التخصيصات بمعدلات الصرف والإنجاز الفعلي، قبل إصدار أي حكم بشأن كفاءة الإنفاق أو حجم الأموال المهدرة.
وبين موازنة 2003 المحدودة وتقديرات موازنة 2027 التي تتجاوز 200 تريليون دينار، يقف العراق أمام سؤال اقتصادي محوري: هل تنجح الحكومة في تحويل النمو الكبير للإنفاق العام إلى اقتصاد أكثر إنتاجية وخدمات مستدامة وفرص عمل حقيقية، أم تبقى الموازنات المتضخمة رهينة الالتزامات التشغيلية وتقلبات الإيرادات النفطية؟
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام