
بعد أكثر من عام ونصف على إعلان انطلاق المرحلة الأولى من مشروع "غابات بغداد المستدامة"، تتصاعد المخاوف بشأن مستقبل أحد أكبر المشاريع البيئية الموعودة في العاصمة العراقية
مشروع بملايين الأمتار المربعة.. أين وصل التنفيذ؟
تعود بداية المشروع إلى آذار 2024، عندما أعلنت الهيئة الوطنية للاستثمار توقيع إجازة استثمارية لإنشاء "غابات بغداد المستدامة" على أرض معسكر الرشيد السابق، بوصفه مشروعاً يجمع بين المساحات الخضراء والمرافق السياحية والترفيهية والتجارية، بهدف توفير متنفس بيئي جديد للعاصمة والحد من آثار التلوث.
وفي السابع من كانون الأول 2024، أطلق رئيس الوزراء آنذاك محمد شياع السوداني الأعمال التنفيذية للمشروع، قبل أن تعلن أمانة بغداد في الخامس من آذار 2025 المباشرة بالمرحلة الأولى، بما يتضمن إزالة الأنقاض واستبدال التربة وتهيئة الأرض للزراعة.
وبحسب التصورات التي أعلنتها الأمانة، يمتد المشروع على مساحة تبلغ 12 مليون متر مربع، ويستهدف زراعة أكثر من مليون شجرة معمرة، وإنشاء 28 غابة متنوعة الأنشطة، فضلاً عن بحيرة اصطناعية بمساحة 1.5 مليون متر مربع، ومرافق ثقافية وترفيهية ورياضية. وهي أرقام تعكس حجم الطموحات التي رافقت الإعلان عن المشروع، لكنها تبقى أهدافاً تخطيطية لا تعبر بالضرورة عن نسب الإنجاز الفعلية.
وفي تموز 2025، كشفت متابعة حكومية للمشروع عن إزالة نصف مليون طن من النفايات، إلى جانب استمرار أعمال معالجة التربة وتهيئة مواقع التنفيذ، فيما صدرت توجيهات لمعالجة التلوث وإزالة التجاوزات والتعارضات من أرض المشروع. وهو ما يؤكد أن المشروع شهد أعمالاً ميدانية سابقة، لكنه لا يحسم مدى تقدم التنفيذ حتى تشرين الأول 2026.
مرصد العراق الأخضر: مخاوف من ضياع المشروع
ومع استمرار التساؤلات بشأن مصير المشروع، حذّر مرصد العراق الأخضر، الثلاثاء 20 تشرين الأول 2026، من اندثار "غابات بغداد" وتحويل الأرض إلى مشروع استثماري يبتعد عن أهدافه البيئية، مشيراً إلى عدم وجود أعمال ميدانية ظاهرة تدل على استمرار التنفيذ بالمستوى المنتظر.
وأوضح المرصد أن المشروع كان يمثل فرصة لإيجاد رئة خضراء للعاصمة، في ظل اتساع الأنشطة الصناعية وتزايد الانبعاثات الناتجة عن المولدات والسيارات، بالتزامن مع التوسع العمراني وتراجع الغطاء النباتي.
وأشار إلى أن موقع المشروع في معسكر الرشيد يمنحه أهمية بيئية خاصة، إذ يمكن أن يسهم في معالجة تراكم النفايات وتحسين الظروف البيئية في المناطق المحيطة، ولا سيما الزعفرانية، التي تعاني من تلوث الهواء وتأثير العواصف الغبارية والرملية.
وتعكس تحذيرات المرصد مخاوف من فقدان المشروع هويته البيئية لصالح استخدامات استثمارية أخرى، غير أن هذه المخاوف لا تثبت بحد ذاتها صدور قرار رسمي بتغيير طبيعة المشروع أو تخصيص أرضه لأغراض سكنية.
وزارة البيئة: النفايات والتجاوزات وراء التعثر
وفي موقف يسلط الضوء على المعوقات الميدانية، أكدت مدير عام الدائرة الفنية في وزارة البيئة، نجلاء محسن الوائلي، أن مشروع غابات بغداد تعرض للتلكؤ إثر عدم الالتزام بتنظيف موقعه وإزالة المخلفات الصلبة والنفايات، ما انعكس على قدرة الشركة المتعاقد معها على تنفيذ الأعمال المطلوبة.
وأوضحت الوائلي لـ"الاقتصاد نيوز" أن المشروع يحظى بأهمية كبيرة للعاصمة، خصوصاً في ظل الحاجة إلى توسيع الغطاء النباتي والحفاظ على التنوع البيولوجي، مشددة على ضرورة اتخاذ إجراءات أكثر جدية لمعالجة المعوقات التي تواجه تنفيذه.
وفي المقابل، أشارت إلى أن استمرار التجاوزات على الأرض المخصصة للمشروع، وعدم إخراج المتجاوزين الذين تحدثت عن تلقي بعضهم دعماً من جهات أخرى، أسهما في تعطيل الأعمال.
ورجّحت الوائلي حدوث انقطاع في العلاقة بين الشركة التي كان من المؤمل أن تنفذ المشروع وأمانة بغداد، من دون تأكيد صدور قرار رسمي بفسخ التعاقد، وهو ما يفتح تساؤلات بشأن الوضع القانوني للشركة ومدى استمرار التزاماتها تجاه المشروع.
أمانة بغداد تنفي: المشروع استثماري لإنشاء الغابات حصراً
في المقابل، نفت أمانة بغداد صحة التحذيرات المتعلقة باندثار المشروع أو تحويله إلى أغراض أخرى، مؤكدة أن الاستثمار لا يتعارض مع إنشاء الغابات، بل يمثل الإطار الذي سيُنفذ المشروع من خلاله.
وقال المتحدث باسم الأمانة، عدي الجنديل لـ"الاقتصاد نيوز"، إن الأرض سُلّمت إلى أحد المستثمرين لإنشاء غابات بغداد حصراً، وإن المشروع تابع لهيئة الاستثمار، نافياً وجود أي أغراض أخرى لاستخدام الأرض.
وأضاف أن التحذيرات بشأن اندثار المشروع غير صحيحة، لأن الهدف الأساسي منه إنشاء الغابات وليس الإضرار بالمساحات الخضراء.
وتنسجم هذه التأكيدات مع الإجازة الاستثمارية التي أعلنتها الهيئة الوطنية للاستثمار في آذار 2024، لكنها لا تقدم، في التصريحات المتاحة، تفاصيل محدثة عن نسب الإنجاز أو الجدول الزمني أو مصير المعوقات التي تحدثت عنها وزارة البيئة.
وكانت وزارة البيئة قد أعلنت في تموز 2026 إغلاق موقع معسكر الرشيد بالتنسيق مع قيادة عمليات بغداد، ووضع مرابطات أمنية لمنع دخول النفايات وحرقها، مع اتخاذ إجراءات قانونية بحق المخالفين، تمهيداً لاستثمار الموقع في إنشاء غابات مستدامة.
غير أن تطورات لاحقة أثارت تساؤلات بشأن فاعلية تلك الإجراءات، بعدما أعلنت مديرية بيئة بغداد، في الرابع والعشرين من تموز، رصد استمرار عمل محطات تحويل النفايات التابعة لبلدية الكرادة داخل الموقع، إلى جانب وجود سكن عشوائي وممارسات لحرق النفايات، رغم الإجراءات القانونية السابقة.
واللافت أن الجولة البيئية نفسها تضمنت اجتماعاً مع مهندسي الشركة المنفذة لمناقشة المعوقات الفنية والإدارية، وهو ما يشير إلى وجود متابعة رسمية للمشروع في ذلك التاريخ، لكنه لا يؤكد استمرار التعاقد أو تنفيذ الأعمال بالوتيرة المطلوبة حتى الآن.
وفي المقابل، كانت أمانة بغداد قد جددت خلال أيلول 2026 استبعاد إنشاء مجمعات سكنية على أرض معسكر الرشيد، مؤكدة تخصيص الموقع للمساحات الخضراء، في موقف يتفق مع نفيها الأخير بشأن تغيير الغرض من المشروع.
ولا يبدو أن الخلاف يتعلق بوجود الاستثمار في حد ذاته، فالمشروع حصل أساساً على إجازة استثمارية، كما تضمنت تصاميمه المعلنة منذ البداية مرافق سياحية وترفيهية وتجارية إلى جانب الغابات.
لكن الإشكالية الأساسية تكمن في طبيعة الاستثمار وحدوده، ومدى التزام الجهة المنفذة بالمساحات الخضراء التي أُعلن عنها، وضمان عدم تحول المرافق التجارية والخدمية إلى النشاط الغالب على حساب الوظيفة البيئية للمشروع.
وبينما تنتظر بغداد استكمال مشروع وُصف بأنه أحد أكبر مشاريع التشجير الحضري في العراق، يبقى السؤال الأهم: هل تتحول مساحة معسكر الرشيد إلى رئة خضراء حقيقية تخفف أعباء التلوث، أم يستمر المشروع حبيس التصاميم والوعود، وسط تراكم المعوقات وتبادل المسؤوليات؟
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام