50 ألف عينة في مواجهة الجفاف.. العراق يحصّن "جينات" محاصيله للأجيال المقبلة

في بلد أصبحت فيه المياه أكثر شحاً والمواسم الزراعية أشد تقلباً، لم تعد البذرة مجرد مدخل للإنتاج الزراعي، بل تحولت إلى جزء من معادلة الأمن الغذائي والسيادة الزراعية.

ومن هذه الزاوية، يأتي افتتاح البنك الوطني للمصادر الوراثية النباتية بعد استكمال أعمال تأهيله، ليشكل أحد المشاريع التي تراهن عليها وزارة الزراعة في حماية الأصول الوراثية للمحاصيل العراقية، والحفاظ على أصناف قد تحمل صفات قادرة مستقبلاً على مواجهة الجفاف والملوحة والأمراض والتغيرات المناخية.

المشروع، الذي جرى تأهيله بدعم من الاتحاد الأوروبي وبإشراف فني من منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة "الفاو"، لا تنظر إليه الوزارة باعتباره مخزناً تقليدياً للبذور، وإنما قاعدة وطنية لحفظ التنوع النباتي وربطه بالبحث العلمي واستنباط الأصناف.

ويقول مدير عام دائرة فحص وتصديق البذور، فراس مزاحم حسين، إن افتتاح البنك يمثل "خطوة نوعية تعكس اهتمام العراق بصيانة موارده الوراثية النباتية وحمايتها، وتعزيز مرتكزات الأمن الغذائي والتنمية الزراعية المستدامة".

وقال حسين لـ"الاقتصاد نيوز"، إن أهمية البنك تكمن في كونه منشأة متخصصة في حفظ وصيانة وتوثيق المادة الوراثية، بما يساعد على حماية الأصناف والسلالات النباتية ذات الأهمية الزراعية، والحفاظ على الأصول الوراثية من الاندثار، فضلاً عن توفير قاعدة علمية تدعم برامج البحث والتربية والتحسين الوراثي.

أكثر من مجرد مخزن للبذور

وظيفة البنك لا تتوقف عند تجميد البذور أو الاحتفاظ بها داخل وحدات خزن مبردة.

فكل عينة محفوظة قد تحمل صفة وراثية تحتاج إليها الزراعة العراقية بعد سنوات، مثل تحمل الجفاف أو مقاومة الملوحة أو مواجهة مرض نباتي معين.

وهذا ما يشير إليه مستشار وزير الزراعة مهدي القيسي، الذي يؤكد أن المصادر الوراثية النباتية تمثل "إحدى الركائز الأساسية في الإنتاج النباتي"، وترتبط بصورة مباشرة بالأمن الغذائي والإنتاج الزراعي وحتى الصناعات الغذائية التي تعتمد على المحاصيل.

ويقول القيسي لـ"الاقتصاد نيوز"، إن البنك العراقي يحتفظ بأكثر من 3 آلاف مورد وأصل وراثي نباتي، بعضها أصناف برية موجودة أساساً في البيئة العراقية، وأخرى مزروعة محلياً أو مدخلة وخضعت لعمليات تحسين وراثي.

وبحسب القيسي، فإن الوزارة تعمل على صيانة هذه السلالات وإدامتها بصورة مستمرة لمنع انقراضها أو فقدانها، مع توثيقها وتعريفها وحماية قيمتها العلمية والاقتصادية.

وهنا تصبح البذور الموجودة داخل البنك أقرب إلى "ذاكرة وراثية" للزراعة العراقية، يمكن العودة إليها عند الحاجة إلى صفة معينة قد تكون اختفت من الأصناف المتداولة تجارياً.

50 ألف عينة.. الطاقة الجديدة للبنك

المتحدث باسم وزارة الزراعة قصي الحطاب يؤكد أن المشروع يأتي ضمن "رؤية استراتيجية" تتبناها الوزارة لحماية الثروة الوراثية النباتية واستدامتها للأجيال المقبلة.

ويوضح الحطاب أن إعادة التأهيل شملت تزويد البنك بمختبرات ومرافق متخصصة لحفظ وخزن البذور، مشيراً إلى أن طاقته الاستيعابية أصبحت تتجاوز 50 ألف عينة من البذور مخصصة للحفظ المتوسط والطويل الأمد.

لكن الرقم لا يعني أن البنك يحتوي حالياً على 50 ألف صنف أو مورد وراثي، بل يعبر عن القدرة التخزينية التي باتت متاحة بعد التأهيل، فيما تشير تصريحات مسؤولي الوزارة إلى أن الموجود الفعلي حالياً يتجاوز 3 آلاف مورد وراثي.

وهذا الفارق بين الموجود حالياً والطاقة المتاحة يفتح الباب أمام توسيع عمليات جمع وحفظ الأصناف المحلية والبرية في مختلف المحافظات العراقية.

ويقول الحطاب إن الغاية هي إنشاء قاعدة وطنية قادرة على صون "الأصول الوراثية النباتية والتنوع الحيوي والزراعي الذي يتميز به العراق"، مع الاستفادة منها في برامج استنباط الأصناف ودعم المحاصيل الاستراتيجية.

الجفاف والملوحة.. لماذا يصبح البنك أكثر أهمية؟

أهمية المشروع تزداد مع التحديات التي تواجه الزراعة العراقية خلال السنوات الأخيرة.

شح المياه، ارتفاع درجات الحرارة، الملوحة، تقلص المساحات الزراعية والتقلب الكبير في الأمطار، كلها عوامل تجعل البحث عن أصناف أكثر قدرة على التكيف ضرورة وليس خياراً بحثياً فقط.

وهنا يلفت القيسي إلى أن بعض الموارد الوراثية الموجودة في البنك، سواء كانت للحنطة أو الشعير أو الشلب أو الذرة أو محاصيل الأعلاف، تحمل صفات مختلفة يمكن أن تكون ذات قيمة كبيرة في مواجهة الظروف الجديدة.

ويشير إلى أن بعض هذه الموارد يتميز بـمقاومة الجفاف أو الملوحة أو الأمراض أو التغيرات المناخية، وهو ما يمنحها أهمية اقتصادية وغذائية وبيئية.

ويشرح القيسي أن تغير المناخ أدى بالفعل إلى تعرض بعض النباتات إلى أضرار كبيرة، ولذلك تعمل الكوادر المتخصصة في دائرة فحص وتصديق البذور على صيانة الموارد الوراثية وإدامتها حتى لا تضيع الصفات التي تحملها.

من البذرة المحفوظة إلى صنف في الحقل

القيمة الحقيقية لبنك الجينات تظهر عندما تنتقل المادة الوراثية من رفوف التخزين إلى برامج البحث والاستنباط.

ويقول القيسي إن دوائر البحث الزراعي تعمل على استخدام المصادر الوراثية في استنباط أصناف جديدة، ثم يجري تسجيل الصنف لدى اللجنة الوطنية لتسجيل واعتماد وحماية الأصناف الزراعية بعد التأكد من ثبات صفاته.

وتدخل في هذه العملية صفات مثل الإنتاجية العالية، ومقاومة الجفاف، وتحمل الملوحة، ومقاومة الأمراض، والقدرة على التكيف مع البيئة المحلية.

وبالتالي، فإن البنك يمثل نقطة البداية في سلسلة تبدأ من حفظ الأصل الوراثي، مروراً بالبحث والتحسين والتسجيل، وصولاً إلى إنتاج البذور المعتمدة وتوزيعها على الفلاحين.

ويشير القيسي إلى أن الصنف المسجل يتمتع بحماية قانونية لمدة تصل إلى 10 سنوات، ولا يجوز لأي جهة أو شركة استثماره من دون موافقة الجهة التي قامت باستنباطه وتسجيله، باعتباره ملكية فكرية وعلمية شبيهة ببراءات الاختراع.

البذور الاستراتيجية والأمن الغذائي

الحطاب يربط هو الآخر بين البنك وبين منظومة الأمن الغذائي، مؤكداً أن المشروع جاء لدعم قطاع البذور والمحاصيل الاستراتيجية في البلاد.

ويشير إلى أن وزارة الزراعة تمتلك برامج مرتبطة باستنباط أصناف من الحنطة والشعير والرز وغيرها من المحاصيل، فيما يوفر البنك المادة الوراثية التي يمكن العودة إليها لتطوير هذه الأصناف وتحسينها.

وعند هذه النقطة، لا تعود المسألة متعلقة فقط بحفظ نوع نباتي نادر، وإنما بقدرة العراق على ضمان وجود قاعدة وراثية يمكن استخدامها إذا تغيرت الظروف الزراعية بصورة أكبر خلال السنوات المقبلة.

فإذا أصبحت الملوحة أعلى في مناطق معينة، أو تراجعت كميات المياه، فإن الصنف الذي يحمل صفة وراثية قادرة على تحمل تلك الظروف قد يكون أكثر أهمية من صنف مرتفع الإنتاج لكنه لا يستطيع الصمود في البيئة الجديدة.

العراق وشبكة فحص البذور الدولية

إلى جانب الحفظ الجيني، ترتبط منظومة البذور بعملية فحص واعتماد تسبق وصولها إلى الحقول.

ويقول القيسي إن العراق عضو في الجمعية الدولية لفحص البذور ISTA، وإن مختبرات دائرة فحص وتصديق البذور معتمدة دولياً لإجراء فحوص مرتبطة بجودة البذور.

ويوضح أن هذه المختبرات تستقبل عينات للفحص، وتعمل وفق معايير فنية معتمدة، بما يعزز الثقة في نتائج الفحوص الخاصة بالنقاوة والإنبات ونوعية البذور.

وتشكل هذه المرحلة حلقة مكملة لعمل بنك الجينات؛ فالبنك يحفظ المورد الوراثي، فيما تتولى منظومة الفحص والتصديق ضمان جودة البذور التي ستدخل لاحقاً إلى دورة الإنتاج الزراعي.

خالية من التعديل الوراثي

ومن الجوانب التي يركز عليها القيسي أن المصادر الوراثية التي تعتمد عليها وزارة الزراعة خالية من التعديل الوراثي GMO.

ويقول إن الوزارة تشترط كذلك على الأصناف المدخلة من الشركات والجهات الأجنبية أن تكون غير معدلة وراثياً، مؤكداً أن هذه السياسة ترتبط بما تعتبره الوزارة ضماناً لنوعية وسلامة البذور المستخدمة في البلاد.

كما يشير إلى أن الموارد الوراثية المحلية تحمل صفات إنتاجية واقتصادية مختلفة تساعد الوزارة على اعتماد أصناف تتلاءم مع البيئة العراقية.

70% دعماً للبذور

ولا ينتهي المسار عند استنباط الصنف وتسجيله.

بحسب القيسي، تدعم وزارة الزراعة بذور الرتب العليا المجهزة للفلاحين بنسبة تصل إلى 70%، لتشجيع استخدام البذور المعتمدة داخل الخطة الزراعية.

ويشمل هذا المسار إنتاج البذور والإشراف على زراعتها وفحصها ميدانياً، ثم إصدار شهادات فحص إلكترونية قبل وصولها إلى مراكز الاستلام.

ويرتبط النشاط، بحسب القيسي، بعدة جهات بينها شركة ما بين النهرين العامة للبذور والشركة العراقية لإنتاج البذور ومركز تكنولوجيا البذور التابع لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي.

ليس الحنطة فقط

ورغم التركيز الكبير على الحنطة بوصفها المحصول الاستراتيجي الأول، فإن عمل بنك الجينات لا يقتصر عليها.

ويؤكد القيسي أن المنظومة تشمل الشعير والشلب والذرة وبذور الخضر ومحاصيل الأعلاف وغيرها من الأنواع المرتبطة بالإنتاج النباتي.

وهذا التنوع يمنح البنك دوراً يتجاوز قضية محصول واحد إلى حماية قاعدة أوسع من التنوع الزراعي العراقي.

كما يشير فراس مزاحم إلى أن صيانة هذا التنوع تمثل إحدى الوظائف الأساسية للبنك، نظراً لارتباطه بالبحث العلمي والتحسين الوراثي والحفاظ على الأصول المحلية.


ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام


مشاهدات 37
أضيف 2026/09/21 - 6:52 PM