
من أجل تحقيق هدفه الاقتصادي بدأ شاب طموح بصفحة على فيسبوك لبيع عدد محدود من المنتجات، لم يحتج إلى متجر كبير أو رأس مال مرتفع، وجد زبائن، ارتفع مستوى الطلب، فاستعان بشركة توصيل، ثم احتاج إلى مخزن ووسائل أفضل للدفع وإدارة عمله.
ومع نمو مشروعه، تحركت حوله أعمال أخرى: توصيل، تخزين، تغليف، مدفوعات، تسويق وخدمات رقمية، وهكذا بدأت ملامح التجارة الإلكترونية في العراق تتشكل، من حاجة حقيقية في السوق، ثم توسعت حولها خدمات جديدة قبل أن يكتمل الإطار المنظم لها.
وأصبح هذا السلوك واضحاً، فبحسب دراسة لـIpsos، أجرى نحو واحد من كل 5 عراقيين عملية شراء عبر الإنترنت خلال الأشهر الستة السابقة للدراسة، فيما يستخدم 82% من المتسوقين عبر الإنترنت وسائل التواصل الاجتماعي كقناة رئيسة للتسوق.
التكنولوجيا غيّرت معادلة الدخول إلى السوق، ما كان يحتاج سابقاً إلى محل ورأس مال أكبر، يمكن أن يبدأ اليوم من هاتف، بكلفة أقل وقدرة أوسع على الوصول إلى الزبائن.
لكن المشكلة تبدأ عندما ينجح المشروع ويريد أن يكبر، لأن صاحب المشروع لا يستطيع بمفرده معالجة التحدي، والربط بين المؤسسات، ومتابعة حركة البضائع، والجمارك، والتحويلات والوصول إلى الموردين والأسواق الخارجية.
فالسوق يستطيع أن يبتكر حلولًا لمشكلاته، لكنه لا يستطيع أن يبني وحده البنية العامة التي يحتاج إليها الجميع، لذلك ما نحتاجه هو مسار موحد للتنسيق بين الجهات المعنية، وواجهة رقمية واحدة يتعامل من خلالها التاجر، بينما تتبادل المؤسسات المعلومات وتنجز الإجراءات خلفها. وقد أصبح لهذه السوق وزن اقتصادي، فتشير تقديرات ECDB إلى أن إيرادات التجارة الإلكترونية في العراق بلغت نحو 1.3 مليار دولار في 2025، بنمو سنوي بين 15 % ، مع ذلك أصدر العراق نظاماً لتنظيم التجارة الإلكترونية رقم (4) لسنة 2025، لذلك لم يعد السؤال: هل توجد قواعد تنظم النشاط؟ بل: هل تساعد طريقة تطبيقها السوق على النمو؟.
كما يجب أن يكون التنظيم متناسبًا مع حجم النشاط ومخاطره، فمن يبدأ بعشرات الطلبات لا ينبغي أن يواجه المتطلبات نفسها التي تتحملها منصة كبيرة تدير آلاف المعاملات، الهدف ليس تخفيف الرقابة، بل جعلها أكثر تناسبًا وكفاءة، بحيث تحمي المستهلك والدولة من دون أن تصبح كلفة الامتثال عائقاً أمام نمو المشاريع الصغيرة ودخولها إلى الاقتصاد المنظم. وتؤكد بيانات البنك المركزي العراقي توسع البنية الرقمية، إذ ارتفعت قيمة الدفع الإلكتروني بالتجزئة عبر البطاقات المحلية من 6.163 تريليون دينار في الربع الثالث من 2024 إلى 8.506 تريليون دينار في الربع الثالث من 2025، أي بنحو 38% خلال عام. في المرحلة المقبلة تحتاج التجارة الإلكترونية إلى تنمية سوقها وترتيب حوكمتها، وفتح طريق أمام المشاريع الناجحة للانتقال من النشاط الصغير إلى الشركة، ومن التمويل الذاتي إلى التمويل المؤسسي، ومن السوق المحلية إلى أسواق أوسع.
وبعد ثلاث أو خمس سنوات، لا يكفي أن نقيس عدد التجار المسجلين أو الإجازات الصادرة، الأهم أن نسأل: هل كبرت السوق؟ هل تحولت المشاريع الصغيرة إلى شركات أكبر وخلقت وظائف؟ وهل أصبح الوصول إلى التمويل والخدمات والأسواق أسهل؟
إذا بقي نجاحنا يُقاس بعدد الإجازات والمعاملات بينما السوق لم تكبر والشركات لم تتوسع، فمعنى ذلك أننا نظمنا الورق أكثر مما نظمنا الاقتصاد. إذا استطعنا البناء الحقيقي للتجارة الإلكترونية، فلن تبقى مجرد وسيلة للبيع، بل يمكن أن تصبح مساراً لخلق الشركات والوظائف والدخل، وبوابة حقيقية إلى اقتصاد رقمي عراقي.
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام