
تضع عودة واشنطن إلى تشديد الخناق الاقتصادي على إيران العراق أمام معادلة معقدة، فالعقوبات هذه المرة لا تستهدف الداخل الإيراني وشبكاته المالية فحسب، بل تحمل تهديداً مباشراً للدول والشركات والمؤسسات التي تواصل التعامل مع طهران، ما يفتح الباب أمام انعكاسات محتملة على التجارة العراقية وسوق الدولار والمصارف، وصولاً إلى ملف الكهرباء الذي ما زال يرتبط جزئياً بالغاز الإيراني.
وفي 24 آب 2026، أطلقت وزارة الخزانة الأميركية حملة جديدة تحت اسم "المنبوذ الاقتصادي"، معلنة توسيع نطاق العقوبات الثانوية، واستهداف نحو 60 فرداً وكياناً وسفينة مرتبطة بإيران، فضلاً عن توسيع القطاعات المعرضة للعقوبات لتشمل التكنولوجيا والذهب والطيران والشحن والأصول الرقمية. وقالت الخزانة إن الدول ستمنح فترات محددة لمعالجة الأنشطة المرتبطة بإيران قبل اتخاذ إجراءات بحقها.
ورغم لهجة واشنطن المتشددة، فإن التفاصيل المتعلقة بالدول أو المؤسسات التي ستواجه عقوبات مباشرة لم تُعلن بالكامل حتى الآن، إذ قالت رويترز إن الإجراءات الجديدة لم تصل بعد إلى أقصى الخيارات الممكنة، لكنها وجهت إنذاراً واضحاً بأن استمرار التعامل الاقتصادي مع إيران قد يعرض الجهات المتعاملة معها لفقدان الوصول إلى النظام المالي القائم على الدولار.
العراق في دائرة الخطر
ويبدو العراق من أكثر الاقتصادات الإقليمية عرضة لتداعيات أي تصعيد مالي بين واشنطن وطهران، نتيجة التداخل الكبير بين اقتصاده والاقتصاد الإيراني من جهة، واعتماده على النظام المالي الأميركي من جهة أخرى.
وبحسب رويترز، تجاوز حجم التجارة بين العراق وإيران 10 مليارات دولار خلال عام 2025، بينما يدفع العراق سنوياً نحو 4 إلى 5 مليارات دولار مقابل الغاز الإيراني المستخدم في إنتاج الكهرباء. وفي المقابل، يمتلك العراق أكثر من 100 مليار دولار من الاحتياطيات الموجودة في الولايات المتحدة، فيما تمر إيرادات النفط العراقية عبر ترتيبات مالية مرتبطة ببنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، وهو ما يمنح واشنطن مساحة واسعة للتأثير في الحركة المالية العراقية.
وتكشف الأرقام الرسمية العراقية حجم الترابط التجاري أيضاً، إذ أظهرت بيانات هيئة الإحصاء أن إيران جاءت ثالث أكبر مصدر للسلع غير النفطية إلى العراق خلال عام 2024، بقيمة بلغت نحو 3.1 مليارات دولار، أو 7.9% من إجمالي الاستيرادات السلعية غير النفطية، وهي أرقام لا تشمل كامل ملف الطاقة والتعاملات الأخرى التي ترفع حجم العلاقة الاقتصادية بين البلدين إلى مستويات أكبر.
ويرى المستشار المالي لرئيس الوزراء مظهر محمد صالح، أن تشديد العقوبات ستكون له انعكاسات على العراق بحكم الجوار الجغرافي وحجم التشابك التجاري والاقتصادي مع إيران.
وقال صالح لـ"الاقتصاد نيوز"، إن السوق العراقية تعتمد على حركة واسعة من المبادلات بين البلدين، ما يجعل أي قيود جديدة عاملاً مؤثراً في حركة التجارة والأسعار.
وبحسب صالح، فإن حجم الضرر لن يتحدد بمجرد إعلان العقوبات، وإنما وفق طبيعتها والقطاعات التي تشملها وآليات تطبيقها وطرق تسديد المدفوعات التجارية، وهو ما يضع بغداد أمام ضرورة حماية تعاملاتها الخارجية من دون تعريض الاقتصاد المحلي إلى صدمة في الإمدادات أو المدفوعات.
المصارف والدولار.. الحلقة الأكثر حساسية
ولا تبدأ المخاطر من نقطة الصفر، فقد اختبر العراق خلال الأعوام الماضية تأثير القيود الأميركية على مصارفه، ففي تموز 2023 مُنع 14 مصرفاً عراقياً من إجراء معاملات بالدولار، ثم مُنعت 8 مصارف إضافية في شباط 2024، قبل فرض قيود على 5 مصارف أخرى في 2025.
هذه الإجراءات ساهمت في دفع جزء من الطلب التجاري غير القادر على المرور بالقنوات الرسمية نحو السوق الموازية، وهو ما يفسر المخاوف من أن يؤدي أي تضييق جديد على التجارة مع إيران إلى زيادة الطلب على الدولار النقدي خارج المنظومة المصرفية.
ويبلغ السعر الرسمي للدولار لدى البنك المركزي العراقي 1310 دنانير، بينما يسجل السوق الموازي في بغداد نحو 154 ألف دينار لكل 100 دولار، أي بفارق يقترب من 18% عن السعر الرسمي.
وفي هذا السياق، يقول الخبير الاقتصادي علي دعدوش إن القيود على التحويلات الخارجية والتدقيق المتزايد في عمل المصارف انعكسا خلال السنوات الماضية على السوق العراقية، ولا سيما التجارة مع إيران التي لا تستطيع دائماً استخدام القنوات المصرفية التقليدية.
ويرى دعدوش لـ"الاقتصاد نيوز" أن حجم التبادل التجاري الكبير يجعل جزءاً من تمويل التجارة مع إيران ينتقل إلى السوق الموازية، ما يزيد الضغط على الدولار ويوسع الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي، محذراً من أن تشديد العقوبات قد يرفع كلفة الاستيراد وينعكس لاحقاً على أسعار السلع للمستهلك العراقي.
ومع ذلك، شهد الملف المصرفي تحركاً لتخفيف العزلة عن بعض المصارف العراقية، إذ أعلن البنك المركزي في تموز الماضي التوصل إلى تفاهم مع وزارة الخزانة الأميركية لإعادة المصارف المؤهلة والمقيدة إلى قنوات المراسلة المصرفية الدولية بعملات غير الدولار، وهي خطوة قد تمنح بغداد مساحة أوسع لتنظيم تجارتها الخارجية بعيداً عن التعاملات النقدية غير الرسمية.
الغاز الإيراني.. نقطة الضعف الأخطر
لكن الجانب الأكثر حساسية يبقى قطاع الكهرباء.
فالعراق اعتمد لسنوات على الغاز الإيراني لتشغيل محطات توليد كبيرة، وتشير تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأميركية إلى أن الغاز المستورد من إيران كان يسهم بأكثر من 30% من توليد الكهرباء العراقية في فترات سابقة.
وظهر حجم هذه الهشاشة بوضوح عند انخفاض الإمدادات، ففي تموز 2025 أعلنت وزارة الكهرباء أن الغاز الإيراني هبط من الكمية المتفق عليها البالغة 55 مليون متر مكعب يومياً إلى نحو 25 مليوناً، ما أدى إلى فقدان نحو 3800 ميغاواط من الشبكة.
وتفاقمت المشكلة بعد اندلاع الحرب الإقليمية الحالية، إذ تعرضت صادرات الغاز الإيرانية لاضطرابات متكررة، فيما قالت رويترز سابقاً إن العراق فقد آلاف الميغاواطات عند توقف الإمدادات، وهو ما يؤكد أن الضغط على ملف الطاقة الإيراني يمكن أن ينتقل سريعاً إلى ساعات تجهيز الكهرباء داخل العراق.
وهنا يحذر مظهر صالح من أن "أي قيود أميركية إضافية تشمل صادرات الغاز الإيراني إلى العراق أو طرق تسديد مستحقاته يمكن أن تفرض ضغوطاً جديدة على المنظومة الكهربائية، ما يجعل تنويع مصادر الغاز ضرورة تتجاوز البعد الاقتصادي إلى الأمن الوطني وأمن الطاقة".
ما البدائل أمام بغداد؟
وتعمل الحكومة منذ فترة على تقليل الاعتماد على مصدر واحد للغاز، ومن أبرز المشاريع المطروحة إنشاء منصة عائمة لاستيراد الغاز المسال، بعقد مع شركة Excelerate Energy الأميركية، بطاقة مخططة تتراوح بين 500 و750 مليون قدم مكعب قياسي يومياً. وكانت وزارة الكهرباء قد أعلنت أن المشروع مصمم لتوفير نافذة مباشرة للعراق لاستيراد الغاز من الأسواق العالمية.
كما يسعى العراق إلى زيادة إنتاج الغاز المحلي واستثمار الغاز المصاحب الذي يُحرق في الحقول النفطية، بالتوازي مع مشاريع كبرى من بينها مشروع تنمية الغاز المتكامل في البصرة مع توتال إنرجيز، إضافة إلى الاستفادة من غاز إقليم كردستان وربطه بمحطات التوليد الاتحادية.
لكن البدائل الخارجية ليست خالية من التعقيدات، فقد كشفت رويترز أن خطة العراق لاستيراد نحو 5 مليارات متر مكعب سنوياً من غاز تركمانستان عبر إيران تعثرت بعد عدم حصول بغداد على موافقة أميركية، بسبب مرور الغاز ضمن آلية مبادلة عبر الأراضي الإيرانية، وهو ما يوضح أن مجرد تغيير مصدر الغاز لا يحل المشكلة إذا بقيت طهران جزءاً من مسار النقل أو التسوية المالية.
استبدال السلع الإيرانية ليس سهلاً
أما تجارياً، فيرى دعدوش أن العراق يستطيع توسيع الاستيراد عبر تركيا والأردن ودول الخليج ومنافذ أخرى، لكنه يشدد على أن الاستبدال السريع للبضائع الإيرانية ليس عملية سهلة.
فالمنتجات الإيرانية بنت حضوراً واسعاً في السوق العراقية خلال سنوات طويلة بسبب قرب المسافة وانخفاض كلفة النقل والأسعار التنافسية، فضلاً عن سهولة التعامل عبر الحدود البرية، وبالتالي فإن الانتقال إلى مناشئ أخرى قد يرفع كلفة بعض السلع على الأقل في المدى القصير.
وهذا يعني أن العقوبات إذا تحولت من مجرد تحذير سياسي إلى قيود واسعة على التجارة والمدفوعات، فقد تعمل عبر ثلاث قنوات متزامنة: تقليص المعروض من بعض السلع، زيادة الطلب على الدولار الموازي، ورفع كلفة الطاقة والاستيراد.