
بعد سنوات من الموازنات الضخمة والعجز المزمن وساعات القطع الطويلة، تتجه الحكومة إلى واحدة من أوسع خطط معالجة ملف الكهرباء، بعدما وجّه رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي بتأمين 47 ألف ميغاواط، موزعة بين الاستيراد من دول الجوار وإنشاء قدرات توليد جديدة، في خطوة تضع ملف الطاقة أمام اختبار التنفيذ والكلفة وقدرة شبكات العراق على استيعاب هذه الكميات.
الخطة التي أعلنها الزيدي في 15 آب 2026 لا تعني استيراد 47 ألف ميغاواط بالكامل من الخارج، إذ تتضمن شراء ما لا يقل عن 10 آلاف ميغاواط من دول الجوار، وإضافة 37 ألف ميغاواط بواقع 15 ألفاً من شركة GE الأمريكية، و12 ألفاً من مشاريع الطاقة الشمسية، و10 آلاف ميغاواط من الطاقة الحرارية، فضلاً عن توجيه الوزارة بإجراء صيانة كاملة لـ30 ألف ميغاواط منتجة حالياً. وأكد رئيس الوزراء أن عام 2027 سيكون عام مضاعفة إنتاج الكهرباء وقدرات النقل والتوزيع.
فجوة تصل إلى 40 ألف ميغاواط
وتأتي الخطة في وقت تواجه فيه المنظومة فجوة غير مسبوقة بين الإنتاج والطلب، إذ أبلغ وزير الكهرباء علي سعدي وهيب مجلس النواب في 27 تموز الماضي بأن حاجة العراق تقترب من 60 ألف ميغاواط، في حين تراجع الإنتاج الفعلي حينها إلى نحو 22 ألف ميغاواط بسبب نقص الوقود وخروج عدد من المحطات عن الخدمة، ما يعني عجزاً يقارب 38 ألف ميغاواط.
وكانت لجنة الكهرباء والطاقة النيابية قد قدّرت، في أيار، الطلب المتوقع خلال ذروة صيف 2026 بنحو 60 ألف ميغاواط مقابل إنتاج بلغ في إحدى الفترات قرابة 17 ألفاً، بينما تحدثت الوزارة لاحقاً عن مستويات أعلى، وهو ما يعكس التغير المستمر في القدرة الفعلية المتاحة تبعاً للوقود وأعمال الصيانة وخروج الوحدات التوليدية ودخولها إلى الخدمة.
54 تريليون دينار خلال ثلاث سنوات
وفي قراءة لحجم الأزمة، قال المختص بشؤون الطاقة كوفند شيرواني، إن الأرقام التي ظهرت بعد استضافة وزارة الكهرباء في البرلمان "صدمت العراقيين"، مشيراً إلى أن قطاع الكهرباء استنزف، وفق تقديراته للموازنة الثلاثية للأعوام 2023 و2024 و2025، نحو 54 تريليون دينار.
وأضاف شيرواني لـ"الاقتصاد نيوز" أن "هذا رقم كبير جداً ويؤشر إلى هدر وخلل كبيرين في إدارة قطاع الكهرباء"، لافتاً إلى أن المشكلة لا تتعلق بحجم الأموال فقط، وإنما بتزامن الإنفاق المرتفع مع استمرار اتساع فجوة العرض والطلب.
وفي أرقام أخرى نُقلت عن استضافة وزير الكهرباء أمام البرلمان، تحدث النائب عامر عبد الجبار عن كلفة سنوية أوسع لقطاع الطاقة تصل إلى نحو 49 تريليون دينار، تشمل 8.5 تريليونات للرواتب، و21.9 تريليوناً للوقود، و11.6 تريليوناً لشراء الطاقة من المستثمرين المحليين، و2.8 تريليون للاستيراد من الخارج، إضافة إلى 4.2 تريليونات للصيانة.
ويشير اختلاف الرقمين إلى اختلاف نطاق الاحتساب والفترة التي تغطيها التقديرات، إلا أن كليهما يكشف الحجم المالي الكبير الذي يستهلكه قطاع الكهرباء مقابل استمرار أزمة التجهيز.
10 آلاف ميغاواط من الجوار.. هل الشبكة جاهزة؟
ويرى شيرواني أن التوجه نحو شراء الطاقة من دول الجوار قد يكون حلاً سريعاً لتقليل العجز، لكنه يرتبط بقدرة شبكات الربط على نقل هذه الكميات.
فالوزارة كانت قد أعلنت في أيار الماضي أن مشاريع الربط القائمة أو القريبة من التشغيل مع تركيا والخليج والأردن يمكن أن توفر نحو 1250 ميغاواط فقط، بينها 500 ميغاواط في المرحلة الأولى للربط الخليجي، وهو مستوى بعيد عن هدف الحكومة الجديد البالغ 10 آلاف ميغاواط مستوردة.
وقال شيرواني إن "تركيا والأردن قد لا تمتلكان بمفردهما وفرة تكفي لسد فجوة كبيرة بهذا الحجم، فيما يمكن أن تكون دول الخليج والسعودية تحديداً خياراً أكبر إذا توفرت القدرة الإنتاجية وشبكات الربط الكفوءة".
وأضاف أن شراء الكهرباء من إيران بات أكثر تعقيداً في ظل العقوبات الأمريكية وصعوبات تسوية مستحقات الطاقة والغاز، الأمر الذي يجعل تنويع مصادر الاستيراد وبناء خطوط نقل جديدة أمراً ضرورياً.
كم ستكلف الكهرباء المستوردة؟
وبشأن الكلفة، أوضح شيرواني أن أسعار الكهرباء تختلف باختلاف الدولة المجهزة وطبيعة العقد، لكنه أشار إلى أن بعض العروض الخليجية السابقة كانت، بحسب معلوماته، أقل بكثير من كلفة الطاقة التي كان العراق يحصل عليها من إيران.
وقدّر أن سعر الكيلوواط/ساعة في بعض السيناريوهات قد يدور حول 10 سنتات، ما يجعل استيراد قدرات ضخمة بشكل مستمر يمثل فاتورة بمئات الملايين وصولاً إلى أكثر من مليار دولار شهرياً، بحسب حجم الطاقة المستلمة فعلياً وساعات التجهيز وسعر التعاقد.
ويرى أن هذه الكلفة، رغم ضخامتها، يجب مقارنتها بحجم الأموال التي تُنفق سنوياً على المنظومة الحالية، لكنه شدد على أن الاستيراد "لا يمكن أن يتحول إلى بديل دائم عن بناء القدرة المحلية".
37 ألف ميغاواط داخل الخطة
والشق الأكبر من توجه الزيدي لا يقوم على الاستيراد، بل على 37 ألف ميغاواط من قدرات التوليد الجديدة، بينها 15 ألفاً عبر GE و12 ألفاً من الطاقة الشمسية و10 آلاف من المحطات الحرارية.
وكانت وزارة الكهرباء قد وقعت في واشنطن، في 17 تموز الماضي، اتفاقية مع شركة GE لتنفيذ خطة شاملة للطاقة تشمل إضافة قدرات توليدية، وإنشاء وتوسعة محطات غازية بنظام الدورة المركبة، وتحديث شبكة النقل، إلى جانب مشروع للربط الكهربائي عالي الجهد بين العراق والسعودية وتوفير آليات التمويل للمشاريع.
ويرى شيرواني أن الاستعانة بشركات عالمية لإعادة دراسة المنظومة "خطوة ضرورية"، لأن المشكلة لم تعد محصورة في بناء محطات جديدة، وإنما تمتد إلى التوليد والوقود والنقل والتوزيع والضائعات.
الشمس كحل أسرع
لكن شيرواني يضع الطاقة الشمسية في مقدمة الحلول التي يمكن تنفيذها بشكل أسرع، وهو توجه يتقاطع مع تخصيص الحكومة 12 ألف ميغاواط من خطتها الجديدة لهذا المصدر.
وقال إن العراق يستطيع إنشاء محطات شمسية ضخمة بقدرة 1000 ميغاواط لكل محطة، مقدّراً كلفة المحطة الواحدة بنحو 700 إلى 800 مليون دولار، مع إمكانية إنجازها خلال عام إلى عام ونصف وفق طبيعة المشروع.
وأضاف أن إنشاء أربع أو خمس محطات كبيرة في مناطق مختلفة سيمنح العراق آلاف الميغاواط من دون الحاجة إلى الوقود، فضلاً عن انخفاض كلف التشغيل والصيانة وإمكانية توزيع الإنتاج بالقرب من مراكز الأحمال.
المشكلة ليست في التوليد وحده
ومع ذلك، فإن إضافة عشرات آلاف الميغاواط لن تكون كافية وحدها إذا بقيت شبكات النقل والتوزيع والوقود خارج عملية الإصلاح، وهو ما دفع الحكومة إلى ربط خطة التوليد بمضاعفة قدرات النقل والتوزيع خلال 2027. كما تتضمن اتفاقية GE نفسها تحديث شبكة النقل وإنشاء وتطوير محطات كهربائية ومراكز تحكم متقدمة.
ويقول شيرواني إن قطاع الكهرباء بات بحاجة إلى "الانتقال من التفكير بالحلول إلى الشروع الفعلي بتنفيذها"، ولا سيما أن شركات عالمية، بينها سيمنس، قدمت خلال السنوات الماضية خططاً لمعالجة المنظومة من دون أن تنعكس جميعها على واقع التجهيز بالشكل المطلوب.
وبين عجز يقترب من 40 ألف ميغاواط وتوجيه حكومي لتأمين 47 ألفاً جديدة ومستوردَة، تقف الحكومة أمام تحدٍّ أكبر من مجرد توقيع العقود؛ يتمثل في التمويل والوقود وشبكات النقل وسرعة الإنجاز والقدرة على وقف الهدر.
فإذا تحولت الخطة إلى مشاريع فعلية، يمكن أن تمثل نقطة تحول في ملف استنزف عشرات التريليونات من الدنانير، أما إذا بقيت الأرقام أكبر من قدرة التنفيذ، فسيظل صيف العراق يعيد السؤال نفسه: أين ذهبت أموال الكهرباء؟
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام