المليون قطعة أرض.. اختبار الحكومة الأصعب لإنهاء أزمة السكن واستعادة ثقة العراقيين

 

تعود أزمة السكن في العراق إلى واجهة المشهد مجدداً مع إعلان الحكومة مبادرة "المليون قطعة أرض سكنية"، في محاولة لمعالجة ملف ظل يؤرق ملايين المواطنين لعقود، وسط ارتفاع أسعار العقارات، وتوسع العشوائيات، وتراجع قدرة شرائح واسعة من العراقيين على امتلاك منزل ملائم.

وتأتي المبادرة في وقت تشير فيه التقديرات الرسمية إلى أن البلاد تواجه فجوة سكنية كبيرة تتراوح بين أكثر من مليوني وحدة سكنية، فيما تزداد الحاجة سنوياً بفعل النمو السكاني المتسارع، والهجرة من الريف إلى المدن، وتراجع قدرة المواطنين ذوي الدخل المحدود على دخول سوق العقارات الذي شهد ارتفاعات كبيرة خلال السنوات الماضية.

وتصف الحكومة المشروع بأنه "مشروع وطني واستراتيجي"، مؤكدة أن الهدف لا يقتصر على توزيع قطع الأراضي، وإنما الانتقال إلى نموذج جديد يقوم على توفير أراضٍ مخدومة بالبنى التحتية، وإشراك القطاع الخاص والمطورين العقاريين في إيصال الخدمات الأساسية، لتجنب أخطاء التجارب السابقة التي انتهت في كثير من الأحيان إلى توزيع أراضٍ بقيت دون طرق أو شبكات ماء وكهرباء.

مبادرة مختلفة أم إعادة إنتاج للتجارب السابقة؟

وأقر مجلس الوزراء العراقي مبادرة المليون قطعة أرض سكنية باعتبارها مشروعاً وطنياً لتوفير الأراضي السكنية في المحافظات كافة باستثناء إقليم كردستان، مع تشكيل لجنة عليا برئاسة رئيس مجلس الوزراء وعضوية عدد من الوزراء ورؤساء الهيئات والجهات المعنية، تتولى وضع السياسة العامة للمشروع، وإقرار خطط التنفيذ والجداول الزمنية.

ووفقاً لبيان الحكومة، فإن عمل اللجنة سيركز على تحديد ضوابط الاستحقاق وإنشاء قاعدة بيانات للمواطنين المشمولين، وحصر الأراضي الصالحة للتخصيص، وإعداد نموذج اقتصادي وتمويلي، إضافة إلى تحديد الأطر القانونية اللازمة لضمان تنفيذ المبادرة.

ويقول رئيس الوزراء علي الزيدي إن المشروع يمثل جزءاً من رؤية حكومية لمعالجة أزمة السكن، مؤكداً أن توزيع الأراضي بين المحافظات سيعتمد على معايير عدد السكان ونسب الفقر، بهدف تحقيق العدالة في توزيع الفرص وعدم اقتصار الاستفادة على مناطق محددة.

كما دعا الزيدي رجال الأعمال والشركات إلى المشاركة في المشروع، مشيراً إلى أن الحكومة تعمل على توفير مصادر تمويل ودعم للمبادرة من خلال تخصيص نسب من الإيرادات المالية المتحصلة من بعض الموارد، ومنها المنافذ الحدودية وأجور استهلاك الكهرباء، بما يساعد على توفير الخدمات المطلوبة للمناطق السكنية الجديدة.

وزارة الإعمار: الانتقال إلى نموذج الأراضي المخدومة

وزارة الإعمار والإسكان والبلديات العامة أكدت أن المرحلة الأولى من المبادرة بدأت من خلال تشكيل لجنة مشتركة مع الجهات ذات العلاقة، مهمتها حصر الأراضي الصالحة للتخصيص في بغداد والمحافظات، ومعالجة المشاكل القانونية والتقاطعات التي تعيق استثمارها.

وأوضح المتحدث الرسمي باسم الوزارة نبيل الصفار أن الحكومة تتجه إلى استغلال المساحات المتاحة بعد معالجة التجاوزات عليها، لتكون جاهزة للتخصيص، مبيناً أن القرار الحكومي بإيقاف تخصيص بعض الأراضي لأغراض الاستثمار ساهم في توفير رصيد مناسب من القطع السكنية التي يمكن إدخالها ضمن المبادرة.

وأشار الصفار إلى أن التجربة الجديدة تختلف عن السابق، إذ لن تعتمد على توزيع أراضٍ غير مخدومة، بل على إشراك المطورين العقاريين والقطاع الخاص في إيصال الخدمات الأساسية قبل استفادة المواطنين منها.

وبيّن أن مديرية البلديات العامة بدأت بعقد اجتماعات مع المحافظات لوضع الضوابط الخاصة بالمشروع، مع التركيز على عامل الوقت وتسريع الإجراءات، لافتاً إلى أن المرحلة المقبلة ستتضمن تحديد معايير المستحقين بالتعاون مع دائرة الإسكان، لضمان وصول المشروع إلى الفئات الأكثر حاجة، خصوصاً من لا يمتلكون أرضاً أو وحدة سكنية.

ويعد هذا التحول في طريقة التعامل مع ملف الأراضي محاولة لمعالجة واحدة من أبرز الانتقادات التي واجهت المشاريع السابقة، إذ تحولت مساحات واسعة من الأراضي الموزعة سابقاً إلى مواقع غير مستثمرة بسبب بعدها عن مراكز المدن وافتقارها إلى الخدمات الأساسية.


ولا تكمن مشكلة السكن في العراق فقط بغياب الأراضي المتاحة، بل ترتبط بمنظومة معقدة من العوامل الاقتصادية والديموغرافية والخدمية. فحتى مع توفر مساحات واسعة من الأراضي، فإن تحويلها إلى مناطق سكنية قادرة على استيعاب المواطنين يحتاج إلى تخطيط طويل الأمد، وتمويل مستدام، وشبكات خدمات متكاملة تشمل الطرق والكهرباء والماء والمدارس والمراكز الصحية.

وتكشف الأرقام الرسمية حجم التحدي، إذ تشير وزارة الإعمار والإسكان والبلديات العامة إلى أن العجز السكني في العراق يتراوح بين 2.3 و2.4 مليون وحدة سكنية، فيما ترى تقديرات أخرى أن الفجوة قد تكون أكبر من ذلك نتيجة تراكم الطلب خلال السنوات الماضية، وارتفاع معدلات الزواج والنمو السكاني، فضلاً عن تضرر العديد من المناطق جراء الأزمات الأمنية والاقتصادية التي مرت بها البلاد.

وضمن السياسة الوطنية للإسكان للأعوام 2025-2030، تسعى الحكومة إلى تقليص جزء كبير من هذا العجز عبر مجموعة من المسارات، من بينها إنشاء المدن السكنية الجديدة، وتفعيل دور المطور العقاري، وتحسين آليات التمويل، وتوفير الأراضي المنظمة، بدلاً من الاعتماد على الحلول الجزئية أو المؤقتة.

وتؤكد وزارة الإعمار أن رؤية الحكومة الجديدة تقوم على عدم تكرار تجربة توزيع الأراضي غير المخدومة، مبيناً أن المرحلة المقبلة تعتمد على إنشاء مجتمعات سكنية متكاملة، وليس مجرد منح قطع سكنية منفصلة.

وفي ظل إطلاق المبادرة الجديدة، يؤكد عدد من أعضاء مجلس النواب أن معالجة أزمة السكن تحتاج إلى تجاوز مرحلة الإعلان السياسي والانتقال إلى التنفيذ الفعلي.

ويقول النائب عدي الزاملي لـ"الاقتصاد نيوز" إن أزمة السكن تشمل جميع المحافظات العراقية، وإن البرلمان يدعم أي جهد حكومي يهدف إلى تخفيف معاناة المواطنين، لكنه يشدد في الوقت نفسه على أن منح قطعة أرض لا يمثل حلاً كاملاً ما لم ترافقه خدمات أساسية وبنى تحتية متكاملة.

ويؤكد الزاملي ضرورة التخطيط المسبق لإنشاء المدارس والمراكز الصحية والطرق والخدمات قبل توزيع الأراضي، مبيناً أن مجلس النواب سيكون له دور رقابي في متابعة ما ينجز على أرض الواقع.

من جهته، يرى عضو لجنة الخدمات النيابية محمد خليل أن جميع الحكومات السابقة أعلنت مشاريع لمعالجة أزمة السكن، إلا أن معظم الوعود لم تتحول إلى حلول نهائية، مشيراً إلى أن العراق يحتاج إلى ملايين الوحدات السكنية لسد العجز المتراكم.

ويحذر خليل خلال حديثه لـ"الاقتصاد نيوز" من أن استمرار الأزمة دون حلول عملية سيبقي المواطنين تحت ضغط ارتفاع الإيجارات وأسعار العقارات، داعياً إلى توسيع برامج القروض الإسكانية وتسهيل حصول المواطنين عليها كجزء من المعالجة.

الخبراء يحذرون: السكن يحتاج إلى منظومة اقتصادية متكاملة

ويشير المتخصص بالشأن الاقتصادي دريد العنزي إلى أن الاستثمار العقاري وحده لا يمثل حلاً كافياً لأزمة السكن، موضحاً أن جزءاً كبيراً من المشاريع الاستثمارية الحالية يستهدف أصحاب الدخول المرتفعة، بينما تبقى الشرائح محدودة الدخل هي الأكثر حاجة إلى حلول حكومية مباشرة.

ويؤكد العنزي أن العراق يواجه تحدياً سكانياً كبيراً، إذ إن الزيادة السنوية في عدد السكان تتطلب إنشاء أعداد كبيرة من الوحدات السكنية بشكل مستمر، وليس الاكتفاء بمشاريع مرحلية.

ويضيف أن الحل يتطلب برنامجاً وطنياً تشترك فيه عدة وزارات، من خلال توفير قروض إسكانية ميسرة للمواطنين، ودعم شركات البناء المحلية، وربط مشاريع السكن بتحريك القطاعات الصناعية المرتبطة بالبناء، مثل الإسمنت والطابوق والحديد والزجاج والأخشاب، بما يخلق فرص عمل ويحول أزمة السكن إلى فرصة اقتصادية.

ويطرح العنزي نموذجاً يقوم على منح المواطنين قروضاً تساعدهم في دفع الدفعات الأولى للوحدات السكنية، على أن تتولى شركات عراقية تنفيذ المشاريع، ويسدد المواطن الأقساط بشكل شهري، بما يجعله ينتقل من دفع الإيجار إلى امتلاك منزل.

كما ينتقد استمرار ارتفاع أسعار الوحدات السكنية في بعض المشاريع الاستثمارية، مشيراً إلى أن تقديم الدولة للأراضي والتسهيلات للمستثمرين يجب أن ينعكس بصورة مباشرة على أسعار البيع النهائية، وأن يكون المواطن هو المستفيد الأساسي من هذه الامتيازات.

ويرى أن نجاح السياسة الوطنية للإسكان لا يقاس بعدد المشاريع التي تعلن، بل بقدرتها على تقليص العجز السكني الحقيقي، ومواكبة الزيادة السكانية، وتحقيق توازن بين الجانب الاجتماعي والاقتصادي.


ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام


مشاهدات 25
أضيف 2026/07/07 - 5:07 PM