
خلال السنوات الأخيرة شهد العراق توسعاً ملحوظاً في الاهتمام بريادة الأعمال. فقد انتشرت الحاضنات والمسرعات والبرامج التدريبية والمسابقات الريادية، وبدأت مفاهيم مثل الشركات الناشئة والاستثمار الجريء وجولات التمويل تدخل إلى قاموس الشباب والجامعات والمؤسسات الداعمة للتنمية الاقتصادية.
ولا شك أن هذا التحول كان إيجابياً ومهماً. فإحدى أكبر المشكلات التي واجهها الاقتصاد العراقي لعقود طويلة كانت ترسيخ ثقافة الاعتماد على الوظيفة العامة بوصفها المسار المهني الأكثر أماناً واستقراراً. أما اليوم، فقد أصبح عدد متزايد من الشباب يفكر في تأسيس مشروعه الخاص، وبناء شركة، وخلق فرص عمل بدلاً من انتظارها.
وبحكم عملي واحتكاكي المستمر برواد الأعمال والمشاريع والبرامج التنموية خلال السنوات الماضية، بدأت أطرح على نفسي سؤالاً مهماً:
هل نتعامل مع جميع المشاريع وكأنها شركات ناشئة؟
فمع اتساع الاهتمام بريادة الأعمال، بدأ يتشكل انطباع ضمني لدى البعض بأن الشركة الناشئة أصبحت النموذج الأمثل، وربما الوحيد، للنجاح الاقتصادي. وكأن تأسيس مشروع لا يكتمل إلا إذا كان قابلاً لجذب المستثمرين، أو مؤهلاً لدخول مسرعة أعمال، أو مصمماً لتحقيق نمو متسارع خلال فترة قصيرة.
هذه الفكرة تبدو جذابة، لكنها لا تعكس الواقع الاقتصادي كما هو.
ففي جميع الاقتصادات الناجحة، لا تشكل الشركات الناشئة سوى جزء محدود من المشهد الاقتصادي. أما الكتلة الأكبر من النشاط الاقتصادي والتشغيل والإنتاج فتأتي من المشاريع الصغيرة والمتوسطة. هذه المشاريع هي التي تدير المصانع، وتقدم الخدمات، وتبني سلاسل التوريد، وتخلق الوظائف المستقرة، وتوفر جزءاً كبيراً من الناتج المحلي.
وبينما تحظى الشركات الناشئة غالباً بالاهتمام الإعلامي والاستثماري بسبب قصص النمو السريع التي تمثلها، فإن المشاريع الصغيرة والمتوسطة هي التي تؤدي الوظيفة اليومية المستمرة للاقتصاد.
من هنا يصبح من الضروري التمييز بين هذين النموذجين بدلاً من التعامل معهما باعتبارهما شيئاً واحداً.
فالشركة الناشئة ليست مشروعاً صغيراً في بداياته، بل هي نموذج مختلف في جوهره. إنها شركة تبحث عن نمو استثنائي في سوق كبيرة، وتعمل غالباً ضمن مستوى مرتفع من عدم اليقين، وتعتمد على استثمارات تقبل مخاطر عالية مقابل إمكانية تحقيق عوائد كبيرة في المستقبل.
أما المشروع الصغير أو المتوسط فيسعى عادة إلى بناء نشاط مستقر ومربح ضمن سوق واضحة نسبياً، مع التركيز على النمو التدريجي والاستدامة التشغيلية.
لكل من النموذجين دوره، ولكل منهما احتياجاته وأدواته ومعاييره الخاصة.
لكن المشكلة تظهر عندما نحاول فرض منطق أحدهما على الآخر.
فعندما يُطلب من مشروع صناعي أو خدمي محلي أن يتصرف كشركة ناشئة، فإننا ندفعه أحياناً نحو أولويات لا تناسب واقعه. وفي المقابل، عندما تُقيَّم شركة ناشئة بالمعايير التقليدية نفسها التي تُقيَّم بها الشركات المستقرة، فإننا نحرمها من المساحة التي تحتاجها للنمو والتجريب.
إن الاقتصاد العراقي اليوم لا يعاني من نقص في الأفكار بقدر ما يعاني من نقص في الشركات القادرة على الاستمرار.
وهنا تظهر مفارقة جديدة فرضها انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي. ففي السابق كانت الفكرة الجيدة تمثل مورداً نادراً نسبياً، أما اليوم فقد أصبحت الأفكار وخطط الأعمال والعروض التقديمية متاحة للجميع تقريباً.
لذلك لم تعد الفكرة وحدها هي التحدي.
التحدي الحقيقي أصبح في فهم السوق، ومعرفة احتياجاته، والقدرة على التنفيذ، وبناء فريق عمل، والوصول إلى الزبائن، والاستمرار في المنافسة.
ولهذا فإن الانتقال المطلوب اليوم ليس من الوظيفة إلى ريادة الأعمال فقط، بل من ثقافة الفكرة إلى ثقافة التنفيذ، ومن ثقافة العرض التقديمي إلى ثقافة بناء الشركات.
كما أن هذا التمييز يجب أن ينعكس على سياسات التمويل والدعم. فالمشاريع الصغيرة والمتوسطة تحتاج إلى أدوات تمويل مختلفة عن تلك التي تحتاجها الشركات الناشئة. الأولى تحتاج إلى القروض والتسهيلات والضمانات والحلول المصرفية التي تساعدها على النمو والاستقرار، بينما تحتاج الثانية إلى مستثمرين ملائكيين وصناديق رأس مال جريء تقبل احتمالات الفشل المرتفعة بوصفها جزءاً طبيعياً من العملية الاستثمارية.
إن الخلط بين هذين المسارين لا يؤدي إلى دعم أي منهما، بل إلى إرباكهما معاً.
لذلك فإن النقاش الذي يحتاجه العراق اليوم لا يتعلق بعدد الشركات الناشئة التي يمكن تأسيسها، بل بكيفية بناء منظومة اقتصادية متوازنة تتيح لكل نوع من المشاريع أن ينمو ضمن البيئة التي تناسبه، فالعراق بحاجة إلى شركات ناشئة قادرة على الابتكار والمنافسة وفتح أسواق جديدة.
لكنه بحاجة بالقدر نفسه، وربما أكثر، إلى آلاف المشاريع الصغيرة والمتوسطة القادرة على الإنتاج والتشغيل وتحريك الاقتصاد الحقيقي.
وفي نهاية المطاف، لا تُقاس قوة الاقتصادات بعدد الأفكار التي يتم عرضها، ولا بعدد الشركات التي يتم إطلاقها، بل بعدد الشركات التي تبقى وتنمو وتخلق قيمة حقيقية للمجتمع.
العراق لا يحتاج إلى أن يتحول جميع رواد الأعمال فيه إلى مؤسسي شركات ناشئة.
كما لا يحتاج إلى التقليل من أهمية الشركات الناشئة.
ما يحتاجه هو منظومة تفهم الفرق بين الاثنين، وتمنح كل مشروع الأدوات التي تناسبه.
فنجاح الاقتصاد لا يتحقق عندما نحاول أن نجعل الجميع يطيرون، بل عندما نساعد كل مشروع على الوصول بالطريقة التي تناسبه
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام