التقاعد والضمان الاجتماعي توضح آلية احتساب زيادة رواتب العمال المتقاعدين   الإقتصاد نيوز   الوزن الأمثل للذهب في الاحتياطيات الأجنبية: قراءة في معادلة الأمان والعائد   الإقتصاد نيوز   المالية: نمو متسارع في حركة التبادل التجاري عبر مركز جمرك الوليد الحدودي   الإقتصاد نيوز   الأمم المتحدة: نحو 7 ملايين متضرر جراء زلزالي فنزويلا   الإقتصاد نيوز   واشنطن توافق على توسيع استخدام "ميثوس 5" من "أنثروبيك"   الإقتصاد نيوز   التجارة: استلام أكثر من 4 ملايين طن حنطة واستمرار التسويق بالمحافظات الشمالية   الإقتصاد نيوز   طهران: مباحثات مرتقبة مع سلطنة عُمان حول إدارة مضيق هرمز   الإقتصاد نيوز   "أبل" تطلب موافقة واشنطن لشراء رقائق من شركة صينية بالقائمة السوداء   الإقتصاد نيوز   الزراعة: تكليف لجنة مختصة لإعداد قانون يدعم استدامة البيئة والاقتصاد الأخضر   الإقتصاد نيوز   الاتحاد الأوروبي يرد على تهديدات ترامب بشأن الضرائب الرقمية ويؤكد حقه السيادي   الإقتصاد نيوز  
الوزن الأمثل للذهب في الاحتياطيات الأجنبية: قراءة في معادلة الأمان والعائد

 

 

تثار بين الحين والآخر دعوات إلى زيادة حصة الذهب ضمن الاحتياطيات الأجنبية للبنوك المركزية، ولا سيما في فترات الاضطرابات الجيوسياسية وارتفاع معدلات التضخم وتقلبات أسواق العملات. وغالباً ما تستند هذه الدعوات إلى المكانة التاريخية للذهب باعتباره ملاذاً آمناً وأصلاً سيادياً يحتفظ بقيمته في أوقات عدم اليقين.

إلا أن إدارة الاحتياطيات الأجنبية لا يمكن ان تبنى فقط على المفاضلة بين "أصل جيد" و"أصل سيئ"، وإنما على تحديد الوظيفة الاقتصادية والنقدية لكل أصل داخل المحفظة الاحتياطية. فالاحتياطيات الأجنبية ليست محفظة استثمارية هدفها تعظيم الأرباح، كما أنها ليست مخزناً للثروة بمعناه التقليدي، وإنما هي أداة من أدوات السياسة النقدية تهدف إلى المحافظة على الاستقرار النقدي، وتعزيز الثقة بالعملة الوطنية، وتوفير السيولة الخارجية اللازمة للتدخل في سوق الصرف والوفاء بالالتزامات الدولية.

ولهذا السبب، فإن إدارة الاحتياطيات تقوم على ثلاثة مبادئ متدرجة في الأولوية هي: السلامة (Safety)، والسيولة (Liquidity)، ثم العائد (Return)، وليس العكس. ويترتب على ذلك أن تقييم مكونات الاحتياطيات ينبغي أن يتم وفق مساهمة كل أصل في تحقيق هذه الأهداف مجتمعة، وليس وفق معيار العائد المالي فقط.

في هذا الإطار، يؤدي الذهب وظيفة تختلف جذرياً عن وظيفة السندات الحكومية أو الودائع أو الأوراق المالية. فالذهب يمثل أصلاً سيادياً خالياً من مخاطر الطرف المقابل (No Counterparty Risk)، إذ لا يعتمد على الجدارة الائتمانية لأي حكومة أو مؤسسة مالية، ولا يرتبط باحتمالات التعثر أو الإفلاس أو إعادة الهيكلة. كما أنه يوفر درجة عالية من الحماية في حالات اضطراب النظام النقدي الدولي، وتصاعد المخاطر الجيوسياسية، وفقدان الثقة بالعملات الاحتياطية. غير أن هذه المزايا يقابلها ثمن اقتصادي واضح. فالذهب لا يولد تدفقات نقدية دورية، ولا يحقق عائداً جارياً، وإنما يقتصر مردوده على العائد الرأسمالي الناتج عن تغير قيمته السوقية. ومن ثم فإن مساهمته في تنمية الاحتياطيات الأجنبية تعتمد بالكامل على اتجاهات أسعار الذهب، التي تتسم بدرجة مرتفعة من التقلب وعدم اليقين.

في المقابل، تحقق أدوات الدين السيادية والودائع لدى المؤسسات المالية الدولية نوعين من العائد؛ عائداً جارياً يتمثل بالفوائد أو العوائد الدورية، وعائداً رأسمالياً يتحقق من تغير أسعارها السوقية، فضلاً عن تمتعها بدرجة عالية من السيولة وسهولة إعادة التوظيف وإدارة آجال الاستحقاق. ولهذا تشكل هذه الأدوات المصدر الرئيس للدخل المتولد عن الاحتياطيات الأجنبية في معظم البنوك المركزية.

ومن هنا، فإن المفاضلة بين الذهب والسندات ليست مفاضلة بين أصلين استثماريين متنافسين، وإنما بين وظيفتين مختلفتين داخل الاحتياطيات الأجنبية. فالذهب يؤدي وظيفة التحوط من المخاطر النظامية والسيادية، بينما تؤدي السندات والودائع وظيفة توليد الدخل والمحافظة على السيولة التشغيلية. ولذلك فإن إحلال أحدهما محل الآخر يخل بالتوازن الوظيفي للمحفظة الاحتياطية.

لقد أظهرت التطورات الدولية خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما تصاعد استخدام العقوبات المالية وتجميد بعض الاحتياطيات السيادية، أن مفهوم "الأصل الآمن" لم يعد يقتصر على انخفاض المخاطر الائتمانية، بل أصبح يشمل أيضاً الاستقلال عن المخاطر السياسية والقانونية. وهذا التطور أعاد الاعتبار إلى الذهب بوصفه أصلاً سيادياً يوفر درجة من الحماية لا تستطيع الأدوات المالية التقليدية توفيرها.

ومع ذلك، فإن هذا لا يبرر زيادة الوزن النسبي للذهب إلى مستويات تؤثر سلباً في كفاءة الاحتياطيات الأجنبية. فارتفاع نسبة الذهب يؤدي إلى زيادة حساسية القيمة السوقية للاحتياطيات تجاه تقلبات سوق الذهب، ويخفض متوسط العائد الجاري، ويقلل من مرونة إدارة السيولة، خصوصاً في الاقتصادات التي تعتمد على الاحتياطيات الأجنبية في تمويل التدخلات اليومية في سوق الصرف.

وعليه، فإن القرار الأمثل لا يتمثل في تعظيم حصة الذهب أو تقليصها بصورة مطلقة، وإنما في تحديد الوزن الاستراتيجي الأمثل الذي يحقق التوازن بين وظائف الاحتياطيات المختلفة، استناداً إلى نماذج إدارة المحافظ الاستثمارية، واختبارات الضغط، وتحليل السيناريوهات، وهيكل المخاطر الذي يواجهه كل بنك مركزي.

لذا، تكتسب هذه المسألة أهمية مضاعفة في السياسة النقدية للبنك المركزي، نظراً لارتباط الاستقرار النقدي باستقرار الإيرادات النفطية، واعتماد البنك على الاحتياطيات الأجنبية في دعم استقرار سعر الصرف وتعزيز الثقة بالدينار. ومن ثم، فإن سياسة إدارة الاحتياطيات ينبغي أن تنطلق من منظور استراتيجي طويل الأجل، يوازن بين متطلبات السيولة، والعائد، والتحوط، بعيداً عن الاستجابة قصيرة الأجل لتقلبات أسعار الذهب أو موجات التفاؤل والتشاؤم في الأسواق العالمية.

صفوة القول، إن الذهب لا ينبغي النظر إليه بوصفه أصلاً يهدف إلى تعظيم العائد، كما لا ينبغي التعامل مع السندات بوصفها بديلاً عن الذهب. فلكل منهما وظيفة مختلفة داخل الاحتياطيات الأجنبية. وتكمن كفاءة إدارة الاحتياطيات في القدرة على تحقيق التوازن بين الأمان والسيولة والعائد، بحيث يؤدي كل أصل دوره ضمن إطار متكامل لإدارة المخاطر. فالذهب، في جوهره، ليس أداة لتحقيق الربحية، وإنما أداة لتأمين القدرة على المحافظة على الاستقرار المالي والنقدي للدولة.


ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام


مشاهدات 57
أضيف 2026/06/27 - 9:16 PM