العراق والأردن ومصر يؤكدون المضي بتنفيذ مخرجات "التعاون الثلاثي"   الإقتصاد نيوز   اردوغان يدعو الزيدي لزيارة تركيا في تموز المقبل   الإقتصاد نيوز   انطلاق أعمال الاجتماع التشاوري لوزراء خارجية الدول العربية في الأردن   الإقتصاد نيوز   طهران: لم نتفاوض حول الملف النووي في محادثات سويسرا   الإقتصاد نيوز   الزيدي وتصحيح مسار الدولة: مكافحة الفساد مدخلاً للإصلاح المؤسسي   الإقتصاد نيوز   موازنة 2027 ترسم مسار سياسات الزيدي.. توجه لدعم التنمية وربط التعيينات بالاحتياجات الفعلية   الإقتصاد نيوز   بغداد تعلن استكمال التعاقد مع 138 فائزاً في المنصور ضمن دفعة الـ11 ألف درجة وظيفية   الإقتصاد نيوز   العدل: تدوير المنفذين العدول في بغداد وتقييم شامل لأداء مديريات التنفيذ   الإقتصاد نيوز   واسط تعطل الدوام الرسمي الاربعاء المقبل   الإقتصاد نيوز   البنك المركزي يعلن إنجاز متطلبات إعادة دمج المصارف المقيدة من التعامل بالدولار الأمريكي   الإقتصاد نيوز  
الزيدي وتصحيح مسار الدولة: مكافحة الفساد مدخلاً للإصلاح المؤسسي

يبدو ان مكافحة الفساد في العراق لم تعد مجرد ملفا إداريا أو قضائيا، بل تحولت إلى قضية ترتبط بمستقبل الدولة نفسها وقدرتها على البقاء والفاعلية. فالدولة التي تتآكل مؤسساتها بفعل شبكات المصالح والفساد تفقد تدريجياً قدرتها على تقديم الخدمات، وإدارة الموارد، وصياغة السياسات العامة، لتتحول إلى هيكل إداري يستهلك الثروة أكثر مما ينتجها. 
ومن هذا المنطلق، يمكن فهم التحركات المبكرة للزيدي بوصفها محاولة لتجاوز المعالجة التقليدية للفساد باعتباره مجموعة من المخالفات الفردية، إلى النظر إليه كخلل بنيوي أصاب آليات عمل الدولة.
وقد حملت الإجراءات السريعة التي استهدفت بعض الشخصيات المرتبطة بملفات فساد إداري ومالي دلالات سياسية وإدارية تتجاوز حدودها المباشرة. فهي تعكس سعياً لإعادة الاعتبار لمبدأ المساءلة، وإرسال رسالة مفادها أن مواقع النفوذ لم تعد بمنأى عن الرقابة والمحاسبة. ورغم أن نجاح هذه الخطوات يتوقف على استكمالها بإجراءات قانونية ومؤسسية راسخة، فإنها تمثل بداية مهمة في كسر حالة الجمود التي طالما أحاطت بملفات الفساد الكبرى.
لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في تغيير الأشخاص او محاسبتهم وادانتهم  بقدر ما يكمن في تغيير القواعد التي أنتجت الفساد. فالتجارب الدولية تؤكد أن الفساد ليس سبباً للأزمة فحسب، بل هو أيضاً نتيجة لضعف المؤسسات وغياب الحوكمة الرشيدة وتشوه العلاقة بين السلطة والثروة. ولذلك فإن أي مشروع إصلاحي جاد ينبغي أن ينتقل من ملاحقة النتائج إلى معالجة الأسباب، عبر إصلاح الأنظمة الإدارية والمالية والرقابية التي تسمح بتراكم الفساد وإعادة إنتاجه.
وفي الجانب الاقتصادي، يبدو أن الزيدي يدرك أن الإصلاح لا يمكن أن يقتصر على تحقيق التوازنات المالية أو معالجة العجز في الموازنة، بل يتطلب إعادة بناء البيئة المؤسسية التي يعمل ضمنها الاقتصاد العراقي. فاقتصاد الريع النفطي، وما رافقه من توسع في الإنفاق الحكومي وضعف الإنتاجية واعتماد واسع على الدولة كمصدر للدخل، خلق منظومة من التشوهات جعلت الفساد جزءاً من آليات توزيع الموارد والثروة. ومن هنا فإن مكافحة الفساد تصبح مدخلاً لإصلاح الاقتصاد نفسه من خلال تعزيز الحوكمة المالية، ورفع كفاءة الإنفاق العام، وتحسين إدارة الأصول العامة، وتطوير الإيرادات غير النفطية، وإعادة توجيه الموارد نحو الاستثمار والتنمية.
إن نجاح هذا المسار مرهون بقدرة الحكومة على الانتقال من منطق الحملات الظرفية إلى منطق الإصلاح المؤسسي المستدام. فالدولة لا تُصلح بقرارات آنية مهما كانت أهميتها، وإنما ببناء قواعد جديدة للحكم والإدارة تجعل الشفافية والمساءلة جزءاً من بنية النظام العام. وعندئذ فقط يمكن لمكافحة الفساد أن تتحول من هدف بحد ذاته إلى أداة لتعديل مسار الدولة وإعادة توجيهها نحو الكفاءة والتنمية والاستقرار.

وعليه، فإن الرهان الحقيقي أمام الزيدي لا يتمثل في عدد الملفات التي تفتح أو الأشخاص الذين يحالون إلى التحقيق، بل في قدرته على تحويل مكافحة الفساد إلى مشروع لإعادة بناء الدولة. حينئذ سيقاس نجاحه بمدى ما يتركه من تحسن ملموس في مؤسسات أكثر قوة، وإدارة أكثر كفاءة، واقتصاد أكثر إنتاجية، ودولة أكثر قدرة على خدمة مواطنيها وحماية مواردها.


ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام


مشاهدات 62
أضيف 2026/06/22 - 7:44 PM