
تتجه الحكومة العراقية نحو إحداث تحول جوهري في إدارة المال العام من خلال اعتماد موازنة البرامج والأداء، في خطوة تعد من أبرز مسارات الإصلاح المالي والإداري، وتهدف إلى ربط الإنفاق الحكومي بالنتائج الفعلية ومؤشرات الإنجاز، بدلاً من الاقتصار على تخصيص الأموال ومتابعة صرفها وفق الأبواب التقليدية المعتمدة منذ عقود.
ويأتي هذا التوجه في وقت تواجه فيه المالية العامة تحديات متزايدة تتعلق بضرورة رفع كفاءة الإنفاق، وتعظيم الإيرادات غير النفطية، وضمان توجيه الموارد نحو المشاريع والخدمات ذات الأولوية، بما يحقق أثراً تنموياً واقتصادياً ملموساً.
وفي هذا السياق، أكد وزير المالية فالح الساري أن التحول نحو موازنة البرامج والأداء يمثل أولوية أساسية في المرحلة المقبلة، مشيراً إلى أن الوزارة تمضي في تنفيذ مسار إصلاحي يستند إلى أولويات واضحة، في مقدمتها أتمتة الأنظمة المالية والضريبية والجمركية.
وأوضح الساري أن هذه الإجراءات تمثل ركائز أساسية لتبسيط الإجراءات وتعزيز الإيرادات غير النفطية والحد من الهدر المالي وتعزيز الرقابة، بما يسهم في بناء إدارة مالية أكثر كفاءة وشفافية.
وشدد على أن موازنة البرامج والأداء تمثل خطوة استراتيجية تربط الإنفاق الحكومي بالأهداف والنتائج، وتسهم في توجيه الموارد نحو المشاريع والخدمات ذات الأثر المباشر على حياة المواطنين، لاسيما في ظل التحديات المالية الراهنة والمتغيرات المرتبطة بأسواق الطاقة والإيرادات العامة.
ويعد هذا التوجه تحولاً في فلسفة إعداد الموازنات العامة، إذ تختلف موازنة البرامج والأداء عن الموازنات التقليدية المعروفة بـ"موازنات البنود"، التي تركز على حجم ما تنفقه الوزارات والجهات الحكومية على الرواتب والمستلزمات والمشاريع، فيما تركز الموازنة الجديدة على النتائج المتحققة والعوائد المتوقعة من الإنفاق العام.
وفي هذا الإطار، أوضح مستشار رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية والمالية، مظهر محمد صالح، أن الحكومة تتجه إلى اعتماد موازنة البرامج والأداء بوصفها أحد أبرز مسارات الإصلاح المالي والإداري، بهدف رفع كفاءة الإنفاق العام وربطه بالأهداف والنتائج المتحققة على أرض الواقع.
وقال صالح لـ"الاقتصاد نيوز" إن هذا النوع من الموازنات يقوم على تخصيص الموارد المالية وفق برامج وأهداف محددة ومؤشرات أداء قابلة للقياس، بما يتيح تقييم كفاءة الإنفاق الحكومي ومدى مساهمته في تحقيق الأهداف التنموية والخدمية، فضلاً عن تعزيز الشفافية والمساءلة من خلال قياس مستويات الإنجاز ومتابعة تنفيذ الخطط الحكومية.
وأضاف أن تحديد المشاريع والبرامج التي تحصل على التمويل سيتم وفق أولويات الحكومة وخططها الاستراتيجية وجدوى المشاريع وقدرتها على تحقيق نتائج ملموسة تنعكس على الخدمات والتنمية الاقتصادية، مع اعتماد مؤشرات أداء واضحة لمتابعة التنفيذ وقياس نسب الإنجاز بشكل دوري.
وأشار صالح إلى أن اعتماد موازنة البرامج والأداء يمثل انتقالاً تدريجياً من مفهوم "الإنفاق من أجل الصرف" إلى مفهوم "الإنفاق من أجل النتائج"، إذ يفترض أن يرتبط استمرار التمويل أو إطلاق الدفعات المالية بمعدلات الإنجاز الفعلية ومخرجات المشاريع، بدلاً من الاكتفاء بالتخصيصات السنوية الثابتة.
وبيّن أن تطبيق هذا النظام في العراق لن يكون فورياً، بل سيتم بصورة تدريجية نظراً لحاجته إلى بناء قدرات فنية متخصصة والاستفادة من خبرات دولية بالتعاون مع البنك الدولي وهيئات الأمم المتحدة المختصة، لافتاً إلى أن آليات التخصيص المالي السنوي المعمول بها حالياً ستستمر خلال المرحلة الانتقالية بالتوازي مع إدخال أدوات حديثة لقياس الأداء ومتابعة التنفيذ وربط التمويل بمؤشرات الإنجاز.
ويرى مختصون أن نجاح التجربة لا يرتبط بتغيير شكل الموازنة فحسب، بل بقدرة المؤسسات الحكومية على بناء أنظمة رقابية وإدارية قادرة على متابعة التنفيذ وقياس النتائج بصورة دقيقة، فضلاً عن توافر قواعد بيانات حديثة وأنظمة رقمية متطورة تدعم عملية اتخاذ القرار.
وفي هذا الشأن، قال الخبير المالي مصطفى أكرم حنتوش إن اعتماد موازنة البرامج والأداء يعد تحولاً ضرورياً بعد عقود من العمل بموازنة البنود التي شهدت تخصيص وإنفاق مبالغ ضخمة على مشاريع لم يكتمل الكثير منها.
وأوضح أن جوهر الموازنة الجديدة يتمثل في ربط الإنفاق الحكومي بأهداف محددة ونتائج قابلة للقياس، عبر التركيز على عدد محدود من المشاريع والقطاعات ذات الأولوية وضمان استكمالها ضمن فترات زمنية واضحة، ما يسهم في تقليل الهدر المالي ورفع كفاءة استخدام الموارد العامة.
وأضاف حنتوش أن هذا النهج يمكن أن يوفر قاعدة أكثر فاعلية لتنفيذ المشاريع الاستراتيجية الكبرى، خصوصاً في قطاعات البنية التحتية والطاقة والنقل، مثل مشاريع الكهرباء وميناء الفاو الكبير وطريق التنمية، بما يعزز فرص النمو الاقتصادي ويدعم جهود تنويع مصادر الدخل الوطني.
وبينما تؤكد الحكومة أن موازنة البرامج والأداء تمثل خياراً استراتيجياً لإصلاح إدارة المال العام، فإن نجاح هذا التحول سيظل مرهوناً بقدرة المؤسسات على الانتقال من ثقافة الإنفاق التقليدي إلى ثقافة إدارة النتائج، وربط التمويل بمستوى الإنجاز الحقيقي، بما يضمن توجيه الموارد العامة نحو تحقيق التنمية وتحسين الخدمات وتعزيز كفاءة الدولة في إدارة مواردها المالية خلال السنوات المقبلة.
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام