عوائد السندات الأميركية و تداعيات سياسات التشديد على توازن الاقتصاد العالمي والدول الريعية   الإقتصاد نيوز   تجارة العراق والصين على حافة الاضطراب.. هرمز يعيد رسم خرائط الإمداد   الإقتصاد نيوز   "طيران ناس" تطلق رحلات مباشرة بين الرياض وميلانو   الإقتصاد نيوز   محافظ أربيل: تجاوزنا أزمة شح المياه ونضمن تأمينها في الصيف   الإقتصاد نيوز   رئيس الوزراء يوجه وزارة الكهرباء باستنفار العمل لزيادة ساعات التجهيز وتقليل انقطاع التيار   الإقتصاد نيوز   الزيدي يكشف عن ذمته المالية ويسلمها إلى رئيس هيئة النزاهة   الإقتصاد نيوز   الزراعة: إقرار خطة الاستزراع الصيفية وتحديد مساحات الشلب والذرة والخضر في العراق   الإقتصاد نيوز   العراق يتصدر مستوردي الشاي السريلانكي رغم تراجع الصادرات في آذار   الإقتصاد نيوز   لجنة النفط النيابية: إقرار قانون النفط والغاز أولويتنا   الإقتصاد نيوز   تفاصيل جديدة عن تدخل العراق لتأمين عبور ناقلة نفط عبر مضيق هرمز   الإقتصاد نيوز  
عوائد السندات الأميركية و تداعيات سياسات التشديد على توازن الاقتصاد العالمي والدول الريعية

الاقتصاد نيوز - بغداد

 

لم تعد السندات الاميركية مجرد أداة دين سيادي تخص الحكومة الأميركية، بل أصبحت القلب المالي للنظام النقدي العالمي بأكمله. فحجم سوق السندات الأميركية تجاوز في عام 2026 نحو 35 تريليون دولار، وهو الأكبر بين اسواق الدين السيادي في العالم وأكثرها سيولة وتأثيرًا. لذلك فإن أي ارتفاع في عوائد سنداته لا ينعكس على الاقتصاد الأميركي وحده، بل يمتد أثره إلى أسعار العملات، وتدفقات رؤوس الأموال، وأسواق النفط، والاقتصادات الريعية، وحتى إلى قدرة الدول النامية على تمويل عجزها.
ولفهم هذه الظاهرة، يجب إدراك أن الدولار الأميركي ما يزال يمثل نحو 58% من الاحتياطيات النقدية العالمية وفق بيانات صندوق النقد الدولي، كما أن أكثر من 80% من التجارة العالمية تسعر أو تسوى بالدولار بشكل مباشر أو غير مباشر. وهذا يعني أن الولايات المتحدة لا تصدر مجرد عملة وطنية، بل تصدر" المال العالمي" نفسه. وسندات الخزانة الأميركية هي الوعاء الذي يستوعب فوائض هذا المال العالمي. خلال الفترة الممتدة بين 2008 و2021، عاش الاقتصاد العالمي أطول مرحلة من الفائدة المنخفضة في التاريخ الحديث. فقد خفض البنك الفيدرالي  أسعار الفائدة إلى ما يقارب الصفر، وأطلق برامج "التيسير الكمي" التي ضخت أكثر من 8 تريليونات دولار في الأسواق المالية بعد الأزمة المالية العالمية ثم بعد جائحة كورونا. هذه السياسات أدت إلى تضخم السيولة العالمية، ودفعت المستثمرين نحو الأصول عالية المخاطر والأسواق الناشئة.
لكن مع انفجار التضخم الأميركي إلى مستويات تجاوزت 9% في عام 2022، بدأ الفيدرالي الأميركي بأكبر دورة تشديد نقدي منذ أربعة عقود. فقد ارتفع سعر الفائدة الأساسي من 0.25% تقريبًا إلى أكثر من 5.25% خلال فترة قصيرة نسبيًا، ما أدى إلى ارتفاع عوائد السندات الأميركية طويلة الأجل بصورة حادة. ووصل العائد على سندات الخزانة لأجل 10 سنوات في بعض الفترات إلى ما بين 4.5% و5%، وهي مستويات لم يشهدها السوق منذ ما قبل الأزمة المالية العالمية. فقد يبدو الفرق بين عائد 1% وعائد 5% محدودًا ظاهريًا، لكنه في الحقيقة يعيد توازن الاقتصاد العالمي بالكامل. فعندما تمنح السندات الأميركية للمستثمر عائدًا يقارب 5% مع درجة أمان عالية وسيولة ضخمة، تصبح أكثر جذبًا لرؤوس الأموال العالمية مقارنة بالاستثمار في الأسواق الناشئة أو الاقتصادات الهشة. ولهذا بدأت موجات ضخمة من الأموال بالعودة نحو الولايات المتحدة، ما أدى إلى صعود مؤشر الدولار الأميركي إلى أعلى مستوياته خلال عقدين تقريبًا.
هذا الارتفاع في الدولار خلق ضغوطًا هائلة على العملات العالمية. فالين الياباني خسر أكثر من 30% من قيمته خلال بعض مراحل التشديد النقدي، كما تعرضت عملات الأسواق الناشئة لانخفاضات حادة بسبب هروب رؤوس الأموال وارتفاع تكلفة التمويل بالدولار. وفي الاقتصادات النامية، ارتفعت كلفة خدمة الديون الخارجية بصورة خطيرة، لأن معظم هذه الديون مقومة بالدولار. وفق تقديرات البنك الدولي ، فقد انفقت الدول النامية في السنوات الأخيرة مئات المليارات الإضافية لخدمة ديونها نتيجة ارتفاع أسعار الفائدة الأميركية وقوة الدولار. بعض الدول الإفريقية واللاتينية وصلت إلى مستويات خطيرة من التعثر المالي، بينما اضطرت حكومات عديدة إلى خفض الإنفاق أو رفع الضرائب أو اللجوء إلى برامج تقشف قاسية.
أما العلاقة بين عوائد السندات والنفط فتعد من أكثر العلاقات تعقيدًا داخل الاقتصاد العالمي. النفط يسعر بالدولار، ولذلك فإن قوة الدولار الناتجة عن ارتفاع العوائد تجعل شراء النفط أكثر تكلفة للدول الأخرى، ما يضغط على الطلب العالمي. كما أن ارتفاع الفائدة يؤدي إلى تباطؤ النشاط الاقتصادي والصناعي، وبالتالي انخفاض استهلاك الطاقة.
فعلى سبيل المثال، كل تباطؤ بمقدار 1% في النمو العالمي قد يؤدي إلى انخفاض ملحوظ في الطلب على النفط بمئات آلاف البراميل يوميًا. ولهذا غالبًا ما تتعرض أسعار النفط لضغوط عندما ترتفع عوائد السندات الأميركية. لكن الصورة ليست ميكانيكية بالكامل، لأن العوامل الجيوسياسية وتخفيضات الإنتاج التي تقودها OPEC قد تعوض جزءًا من هذا الانخفاض أو تدفع الأسعار للصعود مؤقتًا. في المقابل، تستفيد الولايات المتحدة بصورة مزدوجة من هذه المعادلة. فمن جهة تجذب الرساميل العالمية عبر السندات والدولار، ومن جهة أخرى أصبحت بعد طفرة النفط الصخري أحد أكبر منتجي الطاقة في العالم. أي أن النظام المالي الأميركي بات يربط بين قوة الدولار وقوة الطاقة في آن واحد. لكن التأثير الأخطر يظهر في الدول الريعية، خصوصًا النفطية منها. فهذه الاقتصادات تعتمد بصورة كبيرة على الإيرادات النفطية لتمويل الموازنات والإنفاق العام. وفي حالة العراق مثلًا، تشكل الإيرادات النفطية أكثر من 90% من إيرادات الدولة، بينما يعتمد الاقتصاد المحلي بصورة واسعة على الاستيراد والدولار والإنفاق الحكومي. هذا يعني أن أي انخفاض في أسعار النفط أو أي تشدد عالمي في السيولة يتحول سريعًا إلى ضغط على الموازنة والاستقرار النقدي. كما أن ارتفاع الفائدة الأميركية يزيد من صعوبة الاقتراض الخارجي وتمويل المشاريع التنموية، ويقلل شهية المستثمرين للاستثمار في البيئات ذات المخاطر المرتفعة.
الأخطر من ذلك أن الاقتصادات الريعية غالبًا ما تكون أقل قدرة على امتصاص الصدمات، لأنها لا تمتلك قاعدة إنتاجية متنوعة. فهي تعتمد على تدفق الريع الخارجي بدل خلق قيمة مضافة داخلية. ولهذا فإن أي اهتزاز في أسعار النفط أو النظام المالي العالمي ينعكس مباشرة على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي فيها. وفي العمق، فإن ما يحدث اليوم ليس مجرد دورة اقتصادية عابرة، بل تحول بنيوي في طبيعة الرأسمالية العالمية. العالم ينتقل تدريجيًا من مرحلة السيولة المفتوحة والديون الرخيصة إلى مرحلة الانضباط النقدي وارتفاع كلفة المال. وهذا التحول يعيد رسم موازين القوة الاقتصادية عالميًا. فالولايات المتحدة، رغم ديونها الضخمة التي تجاوزت 36 تريليون دولار، ما تزال قادرة على تمويل نفسها لأن العالم يحتاج الدولار والسندات الأميركية. وهنا تكمن المفارقة التاريخية: كلما زادت الاضطرابات العالمية، زاد الطلب على الأصول الأميركية بدل الهروب منها. في المقابل، تحاول قوى دولية مثل الصين وروسيا  الدفع نحو تقليل الاعتماد على الدولار عبر الذهب واليوان والتسويات الثنائية، لكن هذه المحاولات ما تزال محدودة مقارنة بعمق النظام المالي الأميركي وهيمنته.
إن ارتفاع عوائد السندات الأميركية يمثل اليوم إعادة تسعير شاملة للزمن المالي العالمي. فالعالم يدخل عصرًا جديدًا تكون فيه السيولة أقل، والديون أغلى، ورأس المال أكثر انتقائية، والدول الريعية أضعف اقتصاديا . ولذلك فإن التحدي الحقيقي أمام الاقتصادات النفطية لم يعد متعلقًا فقط بإدارة عائدات النفط، بل بإعادة بناء نموذجها الاقتصادي نفسه على أسس إنتاجية قادرة على الصمود في عالم يتغير بسرعة تحت ضغط المال والفائدة والدولار.


ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام


مشاهدات 15
أضيف 2026/05/21 - 5:07 PM