الاقتصاد نيوز - بغداد
تشهد العلاقات التجارية بين العراق والصين مرحلة من التذبذب الحاد، تعكس هشاشة سلاسل الإمداد المرتبطة بالمنطقة، واعتماد الاقتصاد العراقي بشكل كبير على الاستيرادات الخارجية، في وقت تتداخل فيه العوامل الجيوسياسية مع القرارات الاقتصادية، لتعيد تشكيل خريطة التجارة بين البلدين.
فقد أفاد رئيس مؤسسة "عراق المستقبل" للدراسات والاستشارات الاقتصادية، الخبير الاقتصادي منار العبيدي، بأن الصادرات الصينية إلى العراق سجلت تراجعاً حاداً خلال شهر نيسان الماضي، حيث انخفضت إلى نحو 285 مليون دولار مقارنة بـ1.7 مليار دولار في الشهر ذاته من عام 2025، وهو ما يعكس تراجعاً مفاجئاً في وتيرة التوريد من أكبر شريك تجاري لبغداد في قطاع الاستيراد السلعي.
ويأتي هذا التراجع بعد سنوات من النمو المتسارع في حجم التبادل التجاري، إذ تُظهر بيانات هيئة الجمارك الصينية أن إجمالي الصادرات الصينية إلى العراق تجاوز 17 مليار دولار في عام 2025، مقارنة بنحو 10 مليارات دولار في عام 2020، ما يعني أن حجم التجارة بين البلدين ارتفع بنسبة تقارب 57% خلال خمس سنوات، في مؤشر على تنامي الاعتماد العراقي على السلع الصينية في قطاعات متعددة تشمل المواد الاستهلاكية، والمعدات، ومواد البناء، والإلكترونيات.
ويُقدَّر إجمالي التبادل التجاري بين العراق والصين – وفق تقديرات اقتصادية متقاطعة – بنحو 50 إلى 55 مليار دولار سنوياً، إذا ما أُدرجت عمليات إعادة التصدير عبر دول وسيطة مثل الإمارات، وهو ما يجعل الصين الشريك التجاري الأول للعراق بلا منازع، خاصة في جانب الاستيرادات غير النفطية.
وفي وقت سابق، أعلنت وزارة الخارجية العراقية عن ارتفاع حجم التبادل التجاري بين العراق والصين إلى نحو 54 مليار دولار، حيث تعد بكين السوق الأكبر للنفط العراقي.
لكن هذا المسار التصاعدي تعرض خلال الفترة الأخيرة إلى ضغوط كبيرة نتيجة اضطرابات في مسارات النقل البحري، أبرزها تداعيات التوترات الإقليمية المرتبطة بالممرات البحرية في الخليج، وعلى رأسها مضيق هرمز، الذي يمثل شرياناً حيوياً لحركة التجارة والطاقة في المنطقة.
ويُعد مضيق هرمز أحد أهم نقاط العبور البحرية عالمياً، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والواردات السلعية لدول الخليج والعراق على حد سواء، وأي اضطراب فيه يؤدي مباشرة إلى ارتفاع كلف التأمين والشحن، وإعادة توجيه السفن نحو مسارات أطول وأكثر كلفة.
وفي الحالة العراقية، انعكس ذلك على اضطراب وصول البضائع القادمة من شرق آسيا، حيث أصبحت الشركات تعتمد بشكل متزايد على موانئ بديلة مثل جبل علي في الإمارات، ثم إعادة الشحن عبر موانئ أخرى مثل خورفكان ومرسين، وهو ما أدى إلى زيادة زمن وكلفة التوريد بشكل ملحوظ.
وفي هذا السياق، أكد الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي، أن من بين أسباب تراجع الصادرات الصينية إلى العراق توقف الخط التجاري المباشر بين العراق والصين بسبب إغلاق مضيق هرمز، ما دفع إلى اعتماد خطوط غير مباشرة للاستيراد عبر الإمارات و، إضافة إلى موانئ الكويت.
وقال المرسومي، إن العراق ومنذ تطبيق نظام "الاسيكودا"، شهد تراجعاً في معدل التبادل التجاري مع العالم الخارجي، ولا سيما في ما يتعلق بالاستيرادات البحرية.
وأشار إلى أن معظم الاستيرادات باتت تتم عبر المنافذ الشمالية خاصة منفذ إبراهيم الخليل للسلع التركية، ومنفذ ربيعة الذي يُستخدم حالياً كنقطة عبور للسلع التركية إلى العراق عبر الأراضي السورية، فضلاً عن تدفق السلع الإيرانية.
وبيّن أن التراجع يُعزى إلى أن معظم السلع الإماراتية التي تدخل إلى العراق هي في الأساس سلع صينية، مؤكداً أنه "في حال إعادة فتح مضيق هرمز، فإن قدرة العراق على الاستيراد ستزداد، وستعود الخطوط المباشرة بين العراق والصين، بما يسهم في استعادة النشاط التجاري بينهما.
وأشار إلى أن "الصين ما تزال المصدر الأول للعراق والشريك التجاري الأول له، بحجم تبادل تجاري يبلغ نحو 55 مليار دولار سنوياً".
إلى جانب ذلك، يشكل العامل اللوجستي والمالي أحد أبرز التحديات، إذ أدت تقلبات أسعار الشحن البحري، وارتفاع أقساط التأمين نتيجة المخاطر الجيوسياسية، إلى تقليل شهية الاستيراد لدى التجار العراقيين، خصوصاً مع اعتماد جزء كبير منهم على نظام التمويل بالدولار والتحويلات الخارجية، التي أصبحت أكثر تقييداً مع الإجراءات المصرفية الجديدة المتعلقة بالتحويل المسبق والفواتير الرسمية.
وفي موازاة ذلك، يبرز عامل المخزون التجاري كأحد أسباب التراجع، حيث تشير تقديرات السوق إلى أن العديد من التجار يمتلكون مخزونات تكفي لفترات تتراوح بين ستة أشهر وسنة، ما أدى إلى تقليص عمليات الاستيراد الجديدة، في ظل حالة ترقب مرتبطة بتقلبات السوق الإقليمية وسعر الصرف والطلب المحلي.
من جهته، أكد الخبير المالي والمصرفي مصطفى حنتوش أن التراجع الأخير لا يمكن عزله عن مجموعة أوسع من العوامل، أبرزها الاضطرابات في طرق الشحن بعد أزمة مضيق هرمز، والتي دفعت الشركات إلى التحول نحو مسارات أطول وأكثر كلفة عبر موانئ مثل مرسين وخورفكان، بدلاً من المسار التقليدي عبر جبل علي.
وأشار إلى أن هذا التحول في سلاسل الإمداد أدى إلى ارتفاع واضح في كلف النقل والتأمين، ما انعكس على شهية الاستيراد لدى التجار العراقيين، الذين بات كثير منهم يعتمد على مخزونات سابقة تكفي لفترات تمتد من ستة أشهر إلى سنة، الأمر الذي قلل الحاجة إلى استيراد فوري باستثناء السلع ذات الطلب المرتفع أو القريبة من النفاد.
وأضاف أن حالة الترقب في السوق العراقية، المرتبطة بالمخاوف من تداعيات التوترات الإقليمية وانعكاساتها على أسعار النفط والقدرة الشرائية، ساهمت في تقليص حجم الإنفاق الاستهلاكي، وهو ما انعكس بدوره على الطلب في الأسواق المحلية.
كما بيّن أن الإجراءات الجديدة المتعلقة بالتحويلات المالية بالدولار، ومتطلبات التصريح المسبق والفواتير الرسمية والرسوم الكمركية، أسهمت في زيادة كلفة وتعقيد عمليات الاستيراد، مقارنة بالفترات السابقة التي كانت فيها الإجراءات أكثر مرونة.
ولفت إلى أن هذه العوامل مجتمعة دفعت باتجاه حالة من تقنين الاستيراد وانتظار استقرار الأوضاع، في وقت يعاني فيه السوق من ضعف الطلب حتى على بعض السلع الأساسية، ما عمّق من أثر التراجع في الواردات.
ودعا حنتوش إلى تبني سياسة اقتصادية أكثر توازناً تقوم على تقليل الاعتماد على الاستيراد وتعزيز الإنتاج المحلي، عبر دعم الصناعة الوطنية وإنشاء مدن صناعية وتوفير البنى التحتية اللازمة، إضافة إلى إطلاق قروض ميسرة للقطاع الصناعي، مؤكداً أن معالجة أزمة الاعتماد المفرط على الخارج تمثل أحد المفاتيح الأساسية لمعالجة اختلالات سوق العمل والنمو الاقتصادي في العراق.
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام