القواعد المؤسسية متطلب حقيقي لإدارة الاقتصاد العراقي نحو الاستقرار والنمو المستدام

الاقتصاد نيوز - بغداد

مع تولي رئيس الوزراء الجديد المكلف بتشكيل الحكومة العراقية الجديدة متمنين له التوفيق والسداد، فان السياسة الاقتصادية في هذه المرحلة اشد ما تكون بحاجة الى القواعد التي ترسم علاقة الدولة بالاقتصاد. وكما قال ( دوغلاس نورث) : ما تحتاجه الأسواق ليس المزيد من القرارات، بل المزيد من القواعد. فبهذه الرؤية التي تضع المؤسسات والقواعد في قلب العملية الاقتصادية، يمكن قراءة التحدي الحقيقي الذي تواجهه الحكومة الجديدة. فالمشكلة لم تعد في نقص الموارد أو غياب الأدوات، بل في غياب الإطار القاعدي الذي يضبط العلاقة بين الدولة والاقتصاد، ويمنحها الاستقرار والاستدامة. في اقتصادٍ شديد الارتباط بتقلبات سوق الطاقة العالمية ، حيث تفرض توازنات منظمة (أوبك وتحالف أوبك+ ) إيقاعها على حركة الأسعار صعودًا وهبوطًا، يغدو بناء القواعد الاقتصادية الصلبة خيارًا استراتيجيًا لا يمكن الاستغناء عنه، بل شرطًا أساسيًا للاستقرار. فحين تتبدل عوائد النفط بسرعة تبعًا للعرض والطلب الجيوسياسي، لا تعود السياسات الآنية كافية لإدارة الاقتصاد، بل تبرز الحاجة إلى أطر مؤسسية وقواعد مالية ونقدية قادرة على امتصاص الصدمات وتوجيه الفوائض نحو الاستثمار المنتج بدل الاستهلاك الريعي.

تُظهر التجارب الاقتصادية المقارنة أن الاقتصاد الذي يدار بمنطق القرارات الظرفية والتدخلات المتكررة يبقى أكثر ضعفا وقدرة أمام التقلبات، حتى وإن تمتع بوفرة في الموارد. فغياب الإطار القاعدي يجعل السياسة الاقتصادية أسيرة ردود الفعل قصيرة الأجل، ويضعف قدرتها على التنبؤ والتخطيط. في المقابل، فإن الاقتصاد الذي يبنى على قواعد واضحة ومؤسسات راسخة يمتلك قدرة أكبر على امتصاص الصدمات الخارجية، وتحويل التقلبات إلى مسارات أقل حدّة، بما يتيح استدامة النمو وتعزيز الثقة الاستثمارية. ومن هذا المنطق، فإن الانتقال من اقتصاد تحكمه الاستجابات الآنية إلى اقتصاد تحكمه القواعد ليس مجرد تغيير او تعديل  تقني في السياسات، انما هو "التحول الجوهري المطلوب" لإعادة بناء الاستقرار الاقتصادي على أسس أكثر صلابة وفاعلية.
 
إن بناء مرتكزات اقتصادية حاكمة ذات طابع مؤسسي لم يعد خيارًا قابلا للتأجيل ، بل هو ضرورة تفرضها طبيعة الاختلال البنيوي التي يعاني منها الاقتصاد العراقي. فاستمرار إدارة الاقتصاد عبر سياسات آنية واستجابات ظرفية أثبت محدوديته في تحقيق الاستقرار، وأبقى المالية العامة رهينة لتقلبات الإيرادات النفطية. وعليه، فإن الحكومة الجديدة مطالبة بالانتقال من منطق المعالجة قصيرة الأجل إلى تأسيس قواعد اقتصادية ملزمة ومنضبطة تضبط إيقاع العلاقة بين الدولة والاقتصاد، وتؤسس لمسار أكثر استدامة وشفافية في إدارة الموارد.
 
ولا يقتصر دور هذه المرتكزات على تحقيق الانضباط المالي فحسب، بل يمتد ليشمل إعادة توجيه الموارد نحو الاستثمار المنتج، وتقليص هيمنة الإنفاق التشغيلي، ورفع كفاءة تخصيص الموارد العامة. كما أنها تشكّل الإطار الذي يمكن من خلاله تحفيز القطاع الخاص، وبناء بيئة اقتصادية قابلة للتنبؤ، وهو ما يمثل شرطًا جوهريًا لجذب الاستثمارات وتحقيق النمو المستدام. وفي هذا السياق، فإن نجاح أي برنامج إصلاحي يبقى مرهونًا بمدى الالتزام بهذه الضوابط المؤسسية الصارمة بوصفها قواعد حاكمة لا تخضع للاجتهادات الظرفية أو الضغوط السياسية، بل تنطلق من رؤية اقتصادية واضحة تستهدف تفكيك الحلقة الريعية، والانتقال نحو اقتصاد أكثر تنوعًا واستقرارًا وقدرة على النمو الذاتي.
تعد قاعدة الانضباط المالي حجر الأساس في بناء القواعد الاقتصادية الصلبة، إذ لا يمكن تحقيق استقرار اقتصادي مستدام ما دامت الموازنة العامة رهينة لتقلبات أسعار النفط أو خاضعة لضغوط الإنفاق الجاري غير المنتج. فحين تُدار المالية العامة بمنطق الاستجابة الآنية للموارد النفطية، يصبح الاقتصاد أكثر عرضة للدورات الحادة بين التوسع والانكماش.
 
وعليه، فإن تبني سياسة مالية حذرة يقوم على تقديرات واقعية ومتحفظة للإيرادات النفطية يمثل خطوة محورية نحو تقليل المخاطر. كما أن توجيه الفوائض نحو الاستثمار المنتج أو الادخار السيادي يعزز قدرة الدولة على امتصاص الصدمات المستقبلية، بدل استهلاكها في دورات إنفاق قصيرة الأجل. وفي السياق ذاته، فإن وضع قواعد واضحة وملزمة للإنفاق العام يحدّ من التوسع غير الكفوء، ويعيد ترتيب الأولويات باتجاه القطاعات التنموية الحقيقية، مثل البنية التحتية ورأس المال البشري والتنويع الاقتصادي. وبذلك يتحول الانضباط المالي من مجرد أداة محاسبية إلى إطار حاكم لإعادة توجيه مسار الاقتصاد نحو الاستدامة
 
وفي موازاة ذلك، تبرز أهمية استقلالية السياسة النقدية بوصفها ركيزة مكملة للانضباط المالي، إذ تمكن المؤسسات النقدية من إدارة السيولة وسعر الصرف وفق اعتبارات استقرار الاقتصاد الكلي، وليس وفق ضغوط آنية أو أهداف قصيرة الأجل. فكلما اتسع نطاق التدخلات غير المنسقة بين السياستين المالية والنقدية، كلما ازداد احتمال نشوء اختلالات هيكلية في السيولة، وتذبذبات في سعر الصرف، وتراجع في فعالية أدوات الاستقرار الاقتصادي.
 
في المقابل، فإن تعزيز الفصل المؤسسي بين السلطات النقدية والمالية يخلق وضوحًا في الأدوار وتحديدًا أدق للأهداف، بحيث تركز السياسة النقدية على استقرار الأسعار وإدارة السيولة، بينما تتجه السياسة المالية نحو تخصيص الموارد وتحقيق الأولويات التنموية. هذا الفصل لا يعني الانعزال، بقدر ما يعني التنسيق المنضبط القائم على قواعد واضحة، بما يضمن فاعلية الأدوات الاقتصادية ويحد من تضارب السياسات، وهو ما يشكل شرطًا أساسيا لاستقرار الاقتصاد الكلي على المدى المتوسط والطويل.
 
أما على مستوى الاقتصاد الحقيقي، فإن بناء بيئة أعمال تقوم على سيادة القانون واستقرار التشريعات يشكل قاعدة صلبة  لتحفيز القطاع الخاص
وتعزيز دوره في النشاط الاقتصادي. فعندما تكون حقوق الملكية محمية بشكل فعال، والإجراءات الإدارية مبسطة وواضحة، ستتراجع مستويات عدم اليقين، وسيزداد الميل نحو الاستثمار طويل الأجل بدل السلوك الريعي. في مثل هذه البيئة، لن يكون التدخل الحكومي المستمر ضرورة دائمة، لأن السوق ستعمل ضمن إطار مؤسسي مستقر يحدد القواعد ويضبط السلوك الاقتصادي. وعندها يتحول دور الدولة من التدخل المباشر إلى التنظيم والتمكين، بما يسمح بقدر أكبر من الكفاءة في تخصيص الموارد، ويعزز قدرة الاقتصاد على النمو الذاتي والتكيف الداخلي مع المتغيرات.
 
وهنا لا يمكن إغفال أن تنويع مصادر الدخل يمثل أحد الأعمدة الجوهرية لبناء القواعد الاقتصادية الصلبة، إذ إن الاعتماد المفرط على مورد واحد مهما بلغت أهميته يبقي الاقتصاد عرضةً لمخاطر دورية مرتبطة بتقلبات الأسواق الخارجية والصدمات الجيوسياسية. فاقتصاد يعتمد على مورد ريعي وحيد يظل في حالة انكشاف بنيوي، حيث تنتقل تقلبات الأسعار العالمية مباشرة إلى المالية العامة والنشاط الاقتصادي المحلي. ومن ثم، فإن بلوغ التنويع الاقتصادي لا يمكن أن يكون نتيجة سياسات قصيرة الأجل، بل يتطلب بناء رؤية استراتيجية طويلة المدى تستهدف تطوير القطاعات الإنتاجية الحقيقية، مثل الصناعة والزراعة والخدمات القابلة للتصدير، إلى جانب دعم الابتكار وريادة الأعمال. هذا المسار يحد تدريجياً من حساسية الاقتصاد تجاه تقلبات الخارج، ويعيد تشكيل بنية النمو على أسس أكثر توازنًا واستدامة، بحيث يصبح الاقتصاد أقل اعتمادًا على الريع وأكثر اعتمادًا على الإنتاجية.
 
وفي ظل بيئة إقليمية ودولية تتسم بالاضطراب وتعدد مصادر عدم اليقين، تصبح إدارة المخاطر عنصرًا جوهريًا داخل منظومة القواعد الاقتصادية الصلبة، لا مجرد إجراء تكميلي. فحساسية ممرات الطاقة العالمية، وعلى رأسها مضيق هرمز، تجعل الاقتصاد شديد الارتباط بأي تطورات جيوسياسية أو أمنية، بحيث يمكن لأي اضطراب محدود في هذه النقاط الحرجة أن ينعكس بسرعة على أسعار النفط، وبالتالي على الإيرادات العامة والاستقرار المالي. ومن هنا، تبرز أهمية تبني نهج اقتصادي احترازي يقوم على بناء احتياطيات مالية ونقدية كافية خلال فترات الوفرة، بما يتيح امتصاص الصدمات في فترات الانكماش.
 
 لذا يعد بناء استراتيجيات تصديرية مرنة تقوم على تنويع أماكن تصدير النفط أحد القواعد  الصلبة لتعزيز مرونة الاقتصاد وتقليل تعرضه للمخاطر الجيوسياسية والتجارية. فبدلاً من الاعتماد على عدد محدود من الأسواق، يتيح هذا التنويع توزيع الصادرات على عدة وجهات إقليمية ودولية، بما يقلل من أثر أي اضطراب سياسي أو عقوبات أو تغير في الطلب في سوق معين على مجمل الإيرادات النفطية. كما يسهم هذا النهج في تعزيز القدرة التفاوضية للدولة المصدّرة، إذ إن تعدد البدائل السوقية يمنحها هامشًا أكبر في تسعير النفط واختيار شروط التصدير، بدل الارتهان لمشتري واحد أو سوق مهيمن. وإلى جانب ذلك، فإن توسيع شبكة التصدير يفتح المجال أمام الاستفادة من تحولات الطلب العالمي، سواء في آسيا أو أوروبا أو الأسواق الناشئة. وبذلك يصبح تنويع بوابات التصدير جزءًا من استراتيجية أوسع لإدارة المخاطر، تهدف إلى تقليل الانكشاف على الصدمات الخارجية، وتعزيز استقرار الإيرادات النفطية، بما ينسجم مع هدف بناء قواعد اقتصادية أكثر صلابة واستدامة.
 
 يجب اعتماد سياسات مالية ونقدية استباقية، تأخذ بعين الاعتبار المخاطر المحتملة بدل الاستجابة لها بعد وقوعها، سيعزز مناعة الاقتصاد ويقلل من حدّة التقلبات. وبهذا المعنى، تتحول إدارة المخاطر إلى إطار حاكم يضمن استمرارية الاستقرار في بيئة عالمية غير مستقرة بطبيعتها.
 
لذا، فإن "القواعد الاقتصادية الصلبة" تمثل الإطار الكلي الذي يعيد ضبط العلاقة بين الدولة والاقتصاد على أسس أكثر توازنًا واستدامة، بحيث تنتقل هذه العلاقة من منطق الإدارة الآنية والانفعال مع المتغيرات، إلى منطق الإدارة المؤسسية القائمة على القواعد والضوابط المستقرة. فالدولة في هذا التصور لا تتدخل بشكل مباشر ومفتوح في كل دورة اقتصادية، بل تعمل ضمن حدود واضحة تحددها مؤسسات وقواعد مسبقة، بما يضمن اتساق السياسات وتقليل التناقضات بينها.
 
ومن هنا، فإن الحكومة الجديدة، إذا ما أرادت إحداث تحول اقتصادي حقيقي، فهي ليست أمام خيار تقني أو تفضيل سياسي، بل أمام ضرورة بنيوية تتمثل في جعل هذه القواعد أساسًا حاكمًا لكل السياسات الاقتصادية والمالية والنقدية . فالتجارب الدولية تشير بوضوح إلى أن الاقتصادات لا تُبنى على القرارات المؤقتة أو المعالجات المرحلية، بل على الثبات المؤسسي والالتزام طويل الأمد بقواعد مستقرة توجه السلوك الاقتصادي وتمنح الفاعلين درجة أعلى من اليقين والثقة.
 

مشاهدات 280
أضيف 2026/05/01 - 11:05 AM