
د. هيثم حميد مطلك المنصور/ خبير اقتصادي
حذر بنك JPMorgan في تقرير نشرته وكالة Reuters هذا الاسبوع، من أن استمرار إغلاق مضيق هرمز سيفرض ضغوطًا كبيرة على صادرات النفط القادمة من العراق والكويت، وقد يدفع البلدين إلى خفض إنتاجهما خلال فترة قصيرة. ويأتي هذا التحذير في ظل الأهمية الاستراتيجية للمضيق الذي يربط الخليج بخليج عُمان وبحر العرب، ويمر عبره نحو 20% من تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال عالميًا، ما يجعله أحد أهم الشرايين الحيوية للطاقة في الاقتصاد الدولي.
وبحسب تقديرات البنك المذكور، فإن استمرار الإغلاق قد يؤدي إلى توقف جزء كبير من الإمدادات النفطية من البلدين خلال أيام قليلة، إذ يمتلك العراق مخزونًا تصديريًا يكفي لنحو ثلاثة أيام فقط بينما تمتلك الكويت قدرة أكبر نسبيًا على الاستمرار تصل إلى نحو أربعة عشر يومًا بفضل سعات التخزين المتاحة لديها. ومع تعطل حركة الناقلات في هذا الممر الحيوي قبل أن يضطر العراق إلى تقليص صادراته عبر المضيق. ومع استمرار تعطل حركة الناقلات في هذا الممر الحيوي، قد يتراجع المعروض النفطي في الأسواق العالمية بنحو 3.3 مليون برميل يوميًا بحلول اليوم الثامن من اندلاع الصراع في الشرق الأوسط، وهو ما قد يرتفع إلى نحو 3.8 مليون برميل يوميًا بحلول اليوم الخامس عشر، قبل أن يصل إلى قرابة 4.7 مليون برميل يوميًا بحلول اليوم الثامن عشر في حال استمرار الإغلاق.
وتزداد خطورة هذا السيناريو على العراق بالنظر إلى الطبيعة الريعية لاقتصاده واعتماده الكبير على عائدات النفط. اذ يصدر العراق في الظروف الطبيعية ما يقارب 3.3 إلى 3.5 مليون برميل يوميًا من موانئ الجنوب عبر الخليج، وتشكل هذه الصادرات نحو 85–90% من إجمالي إيرادات الدولة وقرابة 60% من الناتج المحلي الإجمالي بصورة مباشرة وغير مباشرة. وبافتراض ان متوسط سعر النفط عند 80 دولارًا للبرميل، فإن إيقاف تصدير نحو 3.3 مليون برميل يوميًا يعني خسارة تقارب 264 مليون دولار يوميًا، أي ما يعادل نحو 1.85 مليار دولار أسبوعيًا، وقد تتجاوز الخسائر 8 مليارات دولار شهريًا في حال استمرار التعطل.
وتنعكس هذه الخسائر سريعًا على المالية العامة في العراق، إذ يبلغ حجم الموازنة السنوية نحو 150 تريليون دينار عراقي (نحو 115 مليار دولار)، يعتمد تمويل أكثر من 90 تريليون دينار منها على الإيرادات النفطية. وبالتالي فإن توقف الصادرات لفترة تتراوح بين أسبوعين إلى شهر قد يؤدي إلى فجوة مالية كبيرة تتجاوز 6 إلى 10 مليارات دولار، ما يضع ضغوطًا مباشرة على قدرة الحكومة في تمويل انفاق الرواتب على 7 ملايين موظف ومتقاعد ومستفيد من الرعاية الاجتماعية، إضافة إلى تمويل مشاريع البنية التحتية والإنفاق الاستثماري.
كما أن تراجع الإيرادات النفطية بهذا الحجم قد ينعكس على احتياطيات العراق من العملة الأجنبية لدى البنك المركزي العراقي، والتي تقدر بنحو 110–115 مليار دولار، إذ قد تضطر الحكومة إلى السحب منها لتغطية النفقات الجارية والحفاظ على استقرار سعر صرف الدينار. ومع استمرار الأزمة، قد يتعرض الميزان التجاري العراقي، الذي يعتمد بنسبة تتجاوز 95% من صادراته على النفط الخام، إلى اختلال حاد، الأمر الذي ينعكس بدوره على مستويات السيولة في الاقتصاد المحلي وعلى قدرة الدولة في تمويل الاستيرادات الغذائية والسلعية. وبذلك فإن اغلاق حركة الملاحة عبر مضيق هرمز قد يتحول من مجرد أزمة في أسواق الطاقة العالمية، إلى صدمة مالية مباشرة للاقتصاد العراقي، نظرًا لاعتماده الهيكلي الكبير على صادرات النفط التي تمر في معظمها عبر هذا الممر البحري الاستراتيجي.
لذا نقترح عدة خطوات ضرورية للمعالجة و للتخفيف من وقع صدمة الاغلاق وكما يأتي :
اولاً: الخطوات السياسية للتخفيف من مخاطر الصدمة تقوم أساسًا على الدبلوماسية المتوازنة، والسعي الى خفض التوترات الإقليمية، وتعزيز دور العراق كفاعل توافقي في المنطقة، بما يحمي مصالحه الاقتصادية ويقلل من تعرضه لارتدادات الصراعات الجيوسياسية .
ثانياً: الخطوات الاقتصادية ، فمن جانب " فني اقتصادي" فمن أهم البدائل في اطار المعالجة الاستراتيجية :
1ـ اتباع سياسات تصدير نفطي مرنة عبر تنويع منافذ تصدير النفط وتقليل الاعتماد على الخليج. فالعراق يمتلك منفذًا بديلًا عبر خط أنابيب كركوك–جيهان الذي ينقل النفط إلى ميناء جيهان التركي على البحر المتوسط، وهو ما يتطلب العمل على تسريع إعادة تشغيله ورفع طاقته التصديرية إلى أكثر من 1 مليون برميل يوميًا، بما يوفر منفذًا استراتيجيًا بعيدًا عن المخاطر الجيوسياسية في الخليج. كما يمكن العمل على إعادة إحياء مشروع خط أنبوب البصرة–العقبة الذي يربط العراق بالبحر الأحمر عبر الأردن، بطاقة تصميمية قد تصل إلى 1 مليون برميل يوميًا، ما يمنح العراق منفذًا إضافيًا خارج نطاق المضائق الحساسة.
2ـ سياسة تخزينية مرنة تستهدف توسيع قدرات التخزين النفطي داخل العراق وخارجه. فزيادة السعات التخزينية إلى ما بين 20 و30 مليون برميل على الأقل في الموانئ الجنوبية أو في مراكز تخزين خارجية، يمنح العراق مرونة زمنية أطول للاستمرار في الإنتاج حتى في حال تعطل التصدير مؤقتًا، بدل الاضطرار إلى خفض الإنتاج خلال أيام قليلة.
3ـ اعتماد سياسات مالية احترازية تقلل من الاعتماد الكلي على النفط في تمويل الموازنة، عبر زيادة الإيرادات غير النفطية، خصوصًا الضرائب والرسوم الجمركية وتنشيط القطاعات الإنتاجية مثل الزراعة والصناعة التحويلية. فرفع مساهمة الإيرادات غير النفطية من نحو 10% حاليًا إلى 25% من الإيرادات العامة خلال السنوات القادمة سيقلل من هشاشة الاقتصاد أمام صدمات النفط.
4ـ من المعالجات المالية الاستراتيجية إنشاء صندوق استقرار أو صندوق سيادي للطوارئ تُحوَّل إليه نسبة من عائدات النفط في فترات ارتفاع الأسعار. فوجود صندوق بحجم يتراوح بين 50 و100 مليار دولار يمكن أن يوفر غطاءً ماليًا يسمح للحكومة بتمويل الرواتب والنفقات الأساسية لعدة أشهر في حال حدوث صدمة تصديرية مفاجئة.
5ـ يمكن للعراق العمل ضمن إطار التنسيق مع OPEC والدول المنتجة الكبرى لتخفيف التقلبات في السوق العالمية، والسعي إلى ترتيبات لوجستية مؤقتة في حالات الطوارئ، مثل استخدام خطوط أنابيب أو مرافق تصدير لدى دول أخرى في المنطقة.
وأخيرًا، فإن المعالجة الاجدى تتمثل في تنويع الصادرات على المدى الطويل، بحيث لا يبقى النفط المصدر شبه الوحيد للإيرادات. فزيادة مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي إلى أكثر من 50% خلال العقد المقبل ستجعل الاقتصاد أقل عرضة للصدمات الجيوسياسية.
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام