
في خطوة تعكس توجهاً حكومياً نحو إعادة النظر في إدارة الثروة النفطية وضمان حقوق الأجيال المقبلة، عاد ملف صندوق الأجيال إلى واجهة المشهد الاقتصادي في العراق، بعد إعلان رئيس الوزراء علي الزيدي تخصيص 1.5 تريليون دينار للصندوق، مع التوجه إلى تعزيز موارده بالأموال المستردة من عمليات مكافحة الفساد، في محاولة لتأسيس احتياطي مالي طويل الأمد يقلل من تأثير الأزمات الاقتصادية وتقلبات أسعار النفط على مستقبل البلاد.
غير أن هذه الخطوة تفتح تساؤلات بشأن قدرة الحكومة على استدامة تمويل الصندوق، وآليات استثمار أمواله، والضمانات القانونية التي تحول دون تحويله إلى مصدر إضافي لتمويل النفقات العامة.
ويأتي هذا التوجه في وقت يواجه فيه الاقتصاد العراقي تحديات مالية متزايدة نتيجة الاعتماد الكبير على الإيرادات النفطية، مقابل ارتفاع النفقات التشغيلية والحاجة المستمرة إلى تمويل الرواتب والخدمات والمشاريع الاستثمارية، ما يجعل الانتقال من سياسة إنفاق العائدات النفطية إلى ادخار جزء منها واستثماره اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على تحقيق التوازن بين متطلبات الحاضر وحقوق المستقبل.
وفي أحدث الإجراءات الحكومية، أعلن المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء، في الرابع من تشرين الأول 2026، إطلاق حزمة تمويلية بقيمة 3.5 تريليون دينار لتنشيط السوق، تضمنت تخصيص 500 مليار دينار إضافية لصندوق الأجيال، بما يرفع رصيده المعلن إلى 1.5 تريليون دينار، إلى جانب تمويل قطاعات الإسكان والصناعة وتسديد مستحقات المقاولين والمزارعين.
وأكد الزيدي، أن الحكومة أسست صندوق الأجيال ورصدت له 1.5 تريليون دينار، مشيراً إلى أن الأموال المستردة من عمليات مكافحة الفساد ستضاف إلى حساب الصندوق، وهو ما يفتح مساراً آخر لتعزيز موارده إلى جانب التخصيصات الحكومية.
وتعود فكرة الصندوق إلى البرنامج الحكومي الذي طرحه الزيدي في أيار الماضي، إذ تضمن محور الإصلاح الاقتصادي والمالي تأسيس صندوق لحفظ حصة الأجيال القادمة من الثروات النفطية والمعدنية، في إطار السعي إلى تحويل جزء من الثروة الطبيعية المحدودة إلى أصول مالية واستثمارية يمكن أن تستفيد منها الأجيال المقبلة.
من الادخار إلى مواجهة الأزمات
ولم تكن فكرة صندوق الأجيال جديدة على المؤسسات العراقية، إذ سبق أن دعا وزير المالية الأسبق علي علاوي عام 2022، إلى استثمار جزء من الوفرة المالية في إنشاء نواة لصندوق سيادي استقراري، بهدف مواجهة الأزمات المالية ومنع تكرار الاضطرابات التي أدت سابقاً إلى تأخير صرف رواتب الموظفين.
وأوضح علاوي حينها أن تشريع قانون خاص بصندوق الأجيال يمثل الخيار الأفضل لضبط الإنفاق وإدارة المدخرات، مشيراً إلى إمكانية إدارة الأموال ضمن وزارة المالية وفق السيولة المتاحة في حال تعذر إقرار التشريع، وهو ما يعكس استمرار النقاش بشأن الإطار المؤسسي المناسب لإدارة الثروة المدخرة.
تحفظات الخبراء.. هل تسمح الظروف المالية باستمرار التمويل؟
وفي مقابل التفاؤل الحكومي، يبرز موقف أكثر حذراً لدى عدد من الخبراء الاقتصاديين، الذين يرون أن نجاح صندوق الأجيال لا يرتبط بحجم المبالغ المخصصة له في مرحلة التأسيس، وإنما بوجود مصادر تمويل مستدامة وقواعد واضحة لإدارة أمواله ومنع استنزافها عند حدوث الأزمات.
وفي هذا الإطار، أكد الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي، أن تأسيس صندوق الأجيال يمثل خطوة مهمة يفتقر إليها العراق مقارنة بدول نفطية أخرى، لكنه يتطلب تخصيص جزء من الإيرادات النفطية لرأس ماله، وهو ما يثير تساؤلات بشأن قدرة الدولة على توفير فوائض مالية في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة.
وتتقاطع هذه التحفظات مع تحذيرات الخبير الاقتصادي منار العبيدي، الذي أشار في تحليل إلى أن العراق حقق إيرادات تقارب 1.5 تريليون دولار خلال المدة من 2006 إلى 2025، إلا أن الجزء الأكبر من الإنفاق اتجه نحو النفقات التشغيلية بدلاً من بناء قاعدة إنتاجية مستدامة، معتبراً أن هذا الاختلال يضعف قدرة الاقتصاد على تحويل العائدات النفطية إلى استثمارات طويلة الأمد.
وتكشف أحدث البيانات المالية حجم التحدي، إذ أظهرت أرقام وزارة المالية تسجيل عجز بلغ 26.329 تريليون دينار حتى نهاية تموز 2026، بعدما تجاوزت النفقات البالغة 65.424 تريليون دينار الإيرادات التي وصلت إلى 39.096 تريليون دينار. وتؤكد هذه الأرقام أن تمويل الصندوق يجري في بيئة مالية ضاغطة تتطلب موازنة دقيقة بين الادخار والإنفاق الحكومي.
الإطار القانوني والرقابة.. ضمانات مطلوبة
وعلى الصعيد التشريعي، أكد المستشار الحكومي عامر العضاض، أن إنشاء صندوق سيادي يتطلب قانوناً يقره مجلس النواب، إلى جانب إعداد دراسات تحدد أهدافه وطبيعة إدارته، محذراً ضمناً من الاكتفاء بطرح الفكرة إعلامياً دون بناء مؤسسات قادرة على تنفيذها.
وتشير دراسة نشرتها مؤسسة دايركت بوليسي في آب 2026 إلى أن الإطار المنصوص عليه في قانون الإدارة المالية لسنة 2019 لا يوفر وحده نظاماً متكاملاً لإدارة صندوق سيادي، إذ تبرز الحاجة إلى تحديد مصادر التمويل وسياسات الاستثمار وشروط السحب والجهات المسؤولة عن الرقابة، فضلاً عن معالجة العلاقة بين موارد الصندوق والخزينة العامة.
وتبرز هنا مسألة أساسية تتعلق بطبيعة الصندوق الذي أعلنت الحكومة تأسيسه، وما إذا كان سيعمل بوصفه صندوقاً ادخارياً مستقلاً للأجيال المقبلة، أم آلية لتمويل المشاريع والمبادرات الاقتصادية. فاختلاف الهدفين ينعكس بصورة مباشرة على سياسة الاستثمار وإمكانية السحب من الأموال، ومدى الحماية التي تتمتع بها أصول الصندوق على المدى الطويل.
تجارب دولية.. الادخار وحده لا يكفي
وفي المقارنة مع التجارب الدولية، يرى باحثون في مركز البيان للدراسات والتخطيط أن الصناديق السيادية تمثل أداة لتحقيق العدالة بين الأجيال، من خلال تحويل الإيرادات الناتجة عن استغلال الموارد الطبيعية إلى أصول قادرة على توليد عوائد مستمرة، بدلاً من استهلاك كامل الثروة خلال الجيل الحالي.
وتستعرض دراسة للمركز، أعدها باحثون من جامعة كربلاء في تشرين الثاني 2024، تجربة الكويت في إنشاء صندوق استثماري سيادي، بوصفها نموذجاً لإدارة جزء من الثروة النفطية بما يحفظ حقوق الأجيال المستقبلية ويقلل تعرض الاقتصاد للصدمات.
كما شدد البنك الدولي، في تقرير سابق عن الاقتصاد العراقي، على أهمية توظيف الوفورات النفطية في تعزيز الاستقرار المالي وحماية الثروة الوطنية، مع التمييز بين صناديق الاستقرار التي تساعد على مواجهة تقلبات الأسعار والصناديق السيادية طويلة الأجل التي تهدف إلى تنمية المدخرات للأجيال المقبلة.
مستقبل الصندوق.. اختبار الاستدامة
ومع إعلان الحكومة تخصيص 1.5 تريليون دينار، وإضافة الأموال المستردة من ملفات الفساد إلى موارده، ينتقل النقاش الاقتصادي إلى طبيعة الاستثمارات التي سيعتمدها الصندوق، وما إذا كان سيخضع لإدارة مستقلة ورقابة مالية دورية، فضلاً عن مدى قدرته على الاحتفاظ بأصوله خلال فترات انخفاض الإيرادات النفطية.
وتزداد أهمية هذه الأسئلة في ظل مشروع موازنة 2027، الذي تضمن، بحسب تقرير لوكالة رويترز في السادس من تشرين الأول، افتراض سعر نفطي يبلغ 58 دولاراً للبرميل، ونفقات متوقعة بنحو 217 تريليون دينار، مقابل عجز يتجاوز 40 تريليون دينار، وهو ما يضع خطط الادخار طويلة الأمد أمام اختبار إضافي يتعلق باستدامة التمويل.
وبين تأكيدات الحكومة وتحفظات الخبراء، تبدو الخطوة الحالية بداية لمسار اقتصادي يحتاج إلى تشريعات واضحة وضمانات مؤسسية وإفصاح منتظم عن حركة الأموال وعوائد الاستثمار، إذ إن نجاح صندوق الأجيال لن يُقاس بحجم المبالغ المعلنة عند تأسيسه فحسب، وإنما بقدرته على تنمية تلك الأموال وحمايتها من تقلبات السياسة المالية.
ويبقى السؤال الأهم: هل يتحول صندوق الأجيال إلى مؤسسة سيادية دائمة تحفظ للعراقيين نصيباً من ثروتهم النفطية، أم يبقى رهيناً للفوائض المالية والقرارات الحكومية المتغيرة؟ فالاختبار الحقيقي لا يكمن في إيداع أول تريليون دينار، بل في ضمان بقائه ونموه لمصلحة أجيال لم تولد بعد.
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام