
"قراءة في الأثر الصافي على الموازنة في الاقتصاد الريعي"
الدكتور /هيثم حميد مطلك المنصور
يكتسب سعر الصرف في الاقتصاد العراقي أهمية تتجاوز كونه أداة نقدية لتنظيم العلاقة بين العملة المحلية والعملات الأجنبية؛ إذ يمكن أن يؤثر بصورة مباشرة في حجم الإيرادات والنفقات العامة المقوّمة بالعملة المحلية. وتظهر هذه المسألة بوضوح في الاقتصادات التي تعتمد بدرجة كبيرة على تصدير النفط، حيث تحصل الدولة على إيراداتها النفطية بالدولار، بينما تنفق الجزء الأكبر من موازنتها بالدينار.
ومن هنا، وبعد القرار الاخير لمجلس الوزراء بتخفيض قيمة الدينار أمام الدولار الى 1520 دينار للدولار الواحد ، يمكن القول بان هذا التخفيض سيؤدي حسابيًا إلى زيادة الإيرادات النفطية عند تحويلها إلى الدينار. لكن السؤال الاقتصادي الأهم ليس ما إذا كانت الإيرادات النفطية بالدينار سترتفع؛ فهذا أمر حسابي شبه مباشر، وإنما هل تمثل هذه الزيادة إيرادًا حقيقيًا جديدًا، أم أنها مجرد زيادة اسمية في وحدة القياس؟
لنفترض أن الدولة تحصل على مليار دولار من الإيرادات النفطية عند سعر صرف يبلغ 1,320 دينارًا للدولار، فإن قيمة الإيراد بالدينار تساوي:
1 مليار دولار × 1,320 = 1.320 تريليون دينار.
أما عند سعر صرف يبلغ 1,520 دينارًا للدولار، فإن الإيراد نفسه يصبح:
1 مليار دولار × 1,520 = 1.520 تريليون دينار.
أي أن الموازنة تسجل زيادة قدرها 200 مليار دينار. لكن هذه الزيادة لا تعني أن الدولة أصبحت أكثر ثراءً بمقدار 200 مليار دينار بالمعنى الحقيقي. فهي ما زالت تمتلك مليار دولار، ولم يتغير حجم صادراتها النفطية، ولم يزد إنتاجها، ولم تدخل إلى الاقتصاد موارد أجنبية إضافية.
لقد تغيرت فقط قيمة الدولار عند تحويله إلى الدينار. وهنا يمكن التعبير عن الفكرة بالمعادلة البسيطة:
الإيراد النفطي بالدينار = الإيراد النفطي بالدولار × سعر الصرف.
ومن ثم فإن التغير في الإيراد النفطي المقوّم بالدينار الناتج عن تغير سعر الصرف هو:
ΔR = R$ × ΔE
حيث:
ΔR = التغير في الإيرادات النفطية بالدينار.
R$ = الإيرادات النفطية بالدولار.
ΔE = التغير في سعر الصرف.
لكن هذه المعادلة تمثل الأثر الأولي فقط، ولا تمثل الأثر المالي النهائي.
فالاقتصاد لا يبقى ثابتًا بعد تغيير سعر الصرف. إذ تبدأ الأسعار والتكاليف والأجور وخدمة الدين بالتكيف والتعديل بدرجات متفاوتة مع السعر الجديد. ولذلك فإن الإيراد الإضافي الظاهر في الموازنة ينبغي أن يخضع لاختبار الأثر الصافي. الذي يمكن التعبير عنه بصورة مبسطة على النحو الآتي:
الأثر الصافي على الموازنة = الزيادة في الإيرادات النفطية + أي ايرادات أخرى − الزيادة في النفقات − زيادة خدمة الدين − كلفة التعويضات والتحويلات.
وبصيغة أكثر اختصارًا:
ΔB = ΔR − ΔG − ΔD − ΔT
حيث:
ΔB = التغير الصافي في الوضع المالي للموازنة.
ΔR = الزيادة في الإيرادات الناتجة عن تغير سعر الصرف.
ΔG = الزيادة في الإنفاق الحكومي نتيجة ارتفاع تكاليف السلع والخدمات والمشروعات.
ΔD = الزيادة في خدمة الدين نتيجة تغير سعر الصرف أو ارتفاع تكلفة الاقتراض.
ΔT = الزيادة في التحويلات أو التعويضات التي قد تضطر الحكومة إلى تقديمها لمواجهة انخفاض القوة الشرائية.
وهنا تظهر أهمية التمييز بين الايراد المحاسبي والايراد المالي الحقيقي.
لنأخذ مثالًا مبسطًا.
إذا كانت الإيرادات النفطية السنوية 100 مليار دولار، فإنها عند سعر صرف 1,320 دينارًا للدولار تعادل:
132 تريليون دينار. وعند سعر صرف 1,520 دينارًا للدولار تصبح:
152 تريليون دينار. إذن الزيادة الاسمية في الإيرادات النفطية تبلغ: 20 تريليون دينار.
فللوهلة الأولى، قد تبدو هذه الزيادة كبيرة بما يكفي لتخفيف عجز الموازنة. لكن هذا الاستنتاج سيكون ناقصًا إذا لم نحتسب الآثار المقابلة.
ولنفترض، للتوضيح فقط، أن ارتفاع سعر الصرف يؤدي إلى زيادة النفقات الحكومية بمقدار 10 تريليونات دينار نتيجة ارتفاع تكلفة المشتريات والمشروعات والسلع والخدمات ذات المكونات المستوردة، وأن زيادة خدمة الدين والتكاليف الأخرى تبلغ 3 تريليونات دينار، وأن الحكومة تتحمل 2 تريليون دينار إضافية في صورة تعويضات أو تحويلات.
في هذه الحالة: الأثر الصافي = 20 − 10 − 3 − 2
الأثر الصافي = 5 تريليونات دينار فقط.
أي أن الزيادة الظاهرية في الإيرادات النفطية البالغة 20 تريليون دينار لا تعني أن الوضع المالي تحسن بالمقدار نفسه، بل إن الايراد الصافي، في هذا المثال الافتراضي، لا يتجاوز ربع الزيادة الأولية. وهذا المثال لا يهدف إلى تقدير الأثر الفعلي لأي سعر صرف بعينه، وإنما إلى توضيح طريقة التفكير الاقتصادي الصحيحة عند تقييم القرار.
وتزداد أهمية هذه المسألة في العراق بسبب طبيعة الاقتصاد الريعي. فكلما كانت الدولة أكثر اعتمادًا على الواردات، كان انتقال تغير سعر الصرف إلى الأسعار المحلية أكثر أهمية. وكلما ارتفعت حصة النفقات المرتبطة بالسلع والخدمات المستوردة، ارتفع احتمال أن تستعيد النفقات جزءًا من المكسب الذي ظهر في جانب الإيرادات.
كما أن أثر سعر الصرف لا يقتصر على الموازنة الحالية، وإنما يمكن أن يمتد إلى السنوات اللاحقة. فالدين الخارجي المقوم بالدولار يمثل مثالًا واضحًا. فإذا كانت الدولة مدينة بمبلغ 10 مليارات دولار، فإن قيمته عند سعر صرف 1,320 دينارًا للدولار تبلغ:
13.2 تريليون دينار. وعند سعر صرف 1,520 دينارًا للدولار تصبح:
15.2 تريليون دينار.
أي أن القيمة المقومة بالدينار ارتفعت بمقدار: 2 تريليون دينار.
مرة أخرى، لم تقترض الدولة دولارًا إضافيًا، ولم يزد أصل الدين بالدولار، لكن العبء المقوم بالدينار ارتفع بسبب تغير سعر الصرف. وهذا يعني أن جزءًا من العائد الذي يظهر في الإيرادات النفطية يمكن أن يقابله ارتفاع في الالتزامات المقومة بالعملة المحلية.
أما الدين المحلي، فإن الصورة تختلف. اذ بتغير سعر الصرف لن يرفع القيمة الاسمية للدين المحلي المقوم بالدينار بصورة مباشرة، لكنه قد يؤدي إلى ارتفاع التضخم وتوقعات التضخم، الأمر الذي يمكن أن يرفع تكلفة الاقتراض الجديد ويؤثر في أسعار الفائدة والعائد المطلوب على أدوات الدين الحكومية.
ومن هنا، فإن تحليل أثر سعر الصرف ينبغي الا يكون تحليلًا ساكنًا يقوم على مقارنة رقمين في الموازنة، بل تحليلًا ديناميكيًا يأخذ في الاعتبار رد فعل الأسعار والنفقات والدين والقطاع الخاص.
ويمكن تلخيص ذلك في ثلاث مراحل.
في المرحلة الأولى، يحدث الأثر الحسابي المباشر: كل دولار نفطي يساوي عددًا أكبر من الدنانير.
وفي المرحلة الثانية، يبدأ الأثر الاقتصادي: ترتفع تكلفة السلع المستوردة ومدخلات الإنتاج والمشروعات الحكومية، وتنتقل آثار تغير سعر الصرف إلى الأسعار المحلية.
وفي المرحلة الثالثة، يظهر الأثر المالي الصافي: يتحدد مقدار ما بقي فعليًا من المكسب الأولي بعد خصم الزيادة في النفقات وخدمة الدين والتحويلات والتكاليف الأخرى.
وهنا يمكن صياغة السؤال المركزي للسياسة المالية بصورة أكثر دقة:
ليس كم ارتفعت الإيرادات النفطية بالدينار بعد تغير سعر الصرف، وإنما كم ارتفعت القدرة الحقيقية للموازنة على تمويل الإنفاق دون توليد أعباء اقتصادية ومالية إضافية؟
ان هذا التمييز مهم جدًا؛ لأن الموازنة العامة ليست مجرد جدول حسابي، بل انعكاس لقدرة الدولة على الحصول على الموارد الحقيقية واستخدامها. فإذا ارتفع الإيراد الاسمي، لكن الأسعار ارتفعت بصورة مماثلة، فإن القوة الشرائية لذلك الإيراد لا تكون قد تحسنت بالقدر نفسه. وإذا ارتفع الإيراد النفطي بالدينار، لكن ارتفعت معه كلفة المشروعات الحكومية وخدمة الدين والتعويضات، فإن التحسن في العجز سيكون أقل من الزيادة الظاهرية في الإيرادات. وإذا استخدمت الدولة هذا العائد الاسمي لزيادة الإنفاق الجاري بدلًا من توجيهه إلى زيادة الإنتاجية وتنويع الاقتصاد، فقد يتحول الأثر المالي المؤقت إلى ضغط تضخمي أو إلى التزام دائم يصعب تمويله مستقبلًا.
لذلك، فإن سعر الصرف ينبغي أن لا ينظر إليه باعتباره مصدرًا مستقلًا للثروة. انما هو في جانب مهم منه، أداة لإعادة تقييم الموارد والالتزامات القائمة بوحدة نقدية مختلفة.
وهذا يقودنا إلى التمييز بين ثلاثة مفاهيم:
الإيراد الاسمي: عدد الدنانير التي تحصل عليها الدولة بعد تحويل الإيرادات الدولارية.
الإيراد الحقيقي: كمية السلع والخدمات التي تستطيع هذه الإيرادات شراءها.
الأثر المالي الصافي: ما يتبقى للموازنة بعد احتساب الزيادة في الإيرادات مطروحًا منها الزيادة في النفقات والالتزامات الناجمة عن تغير سعر الصرف.
وبذلك، فإن ارتفاع الإيرادات النفطية بالدينار قد يكون حقيقة محاسبية، لكنه لا يصبح مكسبًا ماليًا حقيقيًا إلا إذا تجاوزت الزيادة في الإيرادات الزيادة المقابلة في النفقات والالتزامات والأسعار.
ومن هنا، فإن أي تقييم لتغيير سعر الصرف في اقتصاد ريعي ينبغي أن يتجاوز السؤال المحاسبي الضيق: "كم زادت الإيرادات النفطية بالدينار؟" إلى سؤال أوسع وأكثر دقة: ما هو الأثر الصافي لتغير سعر الصرف على العجز الحقيقي، والقوة الشرائية، والدين العام، والاستثمار، والنشاط الاقتصادي؟ عند الإجابة عن هذا السؤال فقط يمكن التمييز بين الإيراد الحقيقي والوهم المالي الذي تصنعه الأرقام الاسمية.
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام