العراق يطرق أبواب أوروبا.. هل تتحول زيارة باريس وبرلين إلى استثمارات ومشاريع؟

الاقتصاد نيوز - بغداد

 

في مرحلة إقليمية ودولية شديدة التعقيد، يفتح العراق مساراً اقتصادياً جديداً باتجاه أوروبا، عبر زيارة مرتقبة لرئيس الوزراء علي الزيدي إلى فرنسا وألمانيا، في تحرك تسعى بغداد من خلاله إلى إعادة صياغة علاقاتها الاقتصادية مع العواصم الأوروبية على أساس الاستثمار والشراكة، وليس الاكتفاء بالتعاون التقليدي أو الحصول على التمويل.
 
وتأتي الزيارة في وقت يواجه فيه الاقتصاد العراقي تحديات متزايدة، في مقدمتها الاعتماد الكبير على إيرادات النفط، وتقلبات أسواق الطاقة، والمخاطر المحيطة بالممرات التجارية، فضلاً عن التعقيدات الجيوسياسية التي تحيط بالعراق وتؤثر في حركة الاستثمار والتجارة والطاقة في المنطقة.
 
وفي هذا المشهد، تبدو فرنسا وألمانيا خيارين مهمين أمام بغداد، لما تمتلكه الدولتان من إمكانات صناعية وتكنولوجية ومالية، فضلاً عن ثقلهما السياسي والاقتصادي داخل أوروبا.
 
ويؤكد المستشار المالي لرئيس الوزراء، مظهر محمد صالح، أن زيارة فرنسا وألمانيا تعكس توجهاً عراقياً نحو بناء شراكة استثمارية مع أوروبا، تقوم على المصالح المشتركة والاستثمار طويل الأمد.
 
ويقول صالح إن العراق لا يبحث عن التمويل بقدر ما يبحث عن شراكة استثمارية حقيقية، تقوم على الجمع بين ما يمتلكه العراق من موارد طبيعية وموقع جغرافي وسوق ومشاريع استراتيجية، وبين ما تمتلكه الشركات والمؤسسات الأوروبية من رأس مال وتكنولوجيا وخبرة وقدرة على الوصول إلى الأسواق العالمية.
 
وبحسب صالح، فإن التحدي الأساسي أمام بغداد يتمثل في الانتقال من مرحلة مذكرات التفاهم إلى مرحلة المشاريع القابلة للتنفيذ، عبر تحديد المشاريع ذات الأولوية، واختيار المستثمرين والشركاء، وتحديد حجم التمويل والضمانات، ووضع آليات واضحة لتقاسم المخاطر، وصولاً إلى الإغلاق المالي وبدء التنفيذ.
 
طريق التنمية في مقدمة الفرص
ويبرز مشروع طريق التنمية باعتباره أحد أهم الملفات التي يمكن أن تضعها بغداد على طاولة الشراكة مع أوروبا، خصوصاً أن العراق يسعى إلى تقديم المشروع باعتباره ممراً اقتصادياً متكاملاً يربط الخليج بالأسواق الإقليمية والأوروبية.
 
ولا يقتصر المشروع على السكك الحديدية ووسائل النقل، بل يرتبط بميناء الفاو والمناطق الصناعية واللوجستية والطاقة والاتصالات والخدمات، وهو ما يجعله، وفق الرؤية العراقية، فرصة لإنشاء منظومة اقتصادية متكاملة قادرة على جذب استثمارات متعددة القطاعات.
 
ويرى صالح أن طريق التنمية يمكن أن يتحول إلى منصة نموذجية للاستثمار العراقي ـ الأوروبي المشترك، إذا ما نجحت بغداد في تقديم مشاريع واضحة وقابلة للتمويل والتنفيذ، بدلاً من الاكتفاء بالإعلان عن اتفاقيات عامة
 
ومن المتوقع أن تشمل المباحثات العراقية مع الشركات والمؤسسات الأوروبية قطاعات الطاقة والصناعة والبتروكيمياويات والبنية التحتية والنقل والاتصالات، مع التركيز على المشاريع التي تنقل التكنولوجيا وتوفر فرص العمل وتخلق سلاسل قيمة وإنتاج داخل العراق.
 
فرنسا وألمانيا.. شريكان بمسارين مختلفين
ويمنح العراق أهمية خاصة لفرنسا وألمانيا، لكن لكل منهما مسار يمكن أن يخدم احتياجات مختلفة في الاقتصاد العراقي.
ففرنسا تمتلك خبرات وشركات كبيرة في مجالات الطاقة والنفط والغاز والكهرباء والنقل والطيران والمياه والبنية التحتية
والتكنولوجيا، فضلاً عن ثقلها السياسي باعتبارها قوة أوروبية كبرى وعضواً دائماً في مجلس الأمن.
 
أما ألمانيا، فتبرز أهميتها بصورة أكبر في المجالات الصناعية والتكنولوجية، خصوصاً الطاقة والمعدات الكهربائية والماكينات والأتمتة والصناعات الهندسية والكيميائية والسكك الحديدية وإدارة المياه والتدريب ونقل المعرفة.
 
ومن هنا، يمكن أن تتجه بغداد إلى بناء شراكتين متكاملتين؛ شراكة مع باريس في عدد من قطاعات الطاقة والنقل والبنية التحتية والمياه والتكنولوجيا، وشراكة مع برلين في الصناعة والطاقة والتكنولوجيا والمعدات والهندسة والتدريب.
 
من العقود الحكومية إلى الاستثمار المباشر
لكن التحول الأهم الذي تسعى بغداد إلى تحقيقه يتعلق بطبيعة الاستثمار نفسه، فالخبير في الشأن الاقتصادي علي دعدوش يرى أن نجاح الزيارة اقتصادياً مرهون بتحويلها من دبلوماسية سياسية إلى دبلوماسية استثمارية، تقود إلى عقود وتمويل ومشاريع قابلة للتنفيذ.
 
ويؤكد دعدوش لـ"الاقتصاد نيوز" أن ألمانيا وفرنسا تمتلكان شركات ذات خبرات قوية في قطاعات الطاقة والكهرباء والنقل والمياه والصناعة والهندسة والخدمات المالية، مشيراً إلى أن العراق يمتلك قاعدة اقتصادية يمكن البناء عليها لتطوير العلاقات الاستثمارية مع البلدين.
 
ويشير إلى أن وفوداً اقتصادية ألمانية وفرنسية زارت العراق خلال عام 2025 لبحث المشاريع والمناقصات والفرص الاستثمارية في قطاعات متعددة، وهو ما يعكس وجود اهتمام أوروبي بالسوق العراقية، إلا أن التحدي الحقيقي يبقى في تحويل هذا الاهتمام إلى استثمارات فعلية وطويلة الأمد.
 
ويشدد دعدوش على أن الشركات الأوروبية الرصينة لا تنظر إلى حجم المشروع وحده، وإنما تضع في حساباتها مجموعة من العوامل، من بينها استقرار القوانين، وحماية العقود، وضمان تحويل الأرباح، وشفافية المناقصات، واستقرار البيئة المصرفية والمالية، فضلاً عن وجود ضمانات واضحة في المشاريع الكبرى.
 
العراق يريد مصنعاً.. لا مقاولاً
وفي السياق نفسه، يضع الخبير في الشأن الاقتصادي سيف الحلفي جوهر التحرك العراقي في نقطة أكثر وضوحاً، تتمثل في حاجة العراق إلى الانتقال من استقطاب الشركات المنفذة للعقود إلى جذب الاستثمار الأجنبي المباشر.
 
ويقول الحلفي لـ"الاقتصاد نيوز" إن العراق لا يحتاج في هذه المرحلة إلى شركات تأتي لتنفيذ مشروع حكومي، تحصل على مستحقاتها ثم تغادر، بقدر حاجته إلى رأس مال أجنبي يدخل الاقتصاد العراقي ويؤسس مشاريع إنتاجية تستمر لسنوات طويلة.
 
ويعني ذلك، بحسب الحلفي، إنشاء مصنع برأس مال أجنبي على أرض عراقية، ونقل التكنولوجيا من الخارج، وتدريب الكوادر العراقية، وإدخال الموردين المحليين في سلسلة الإنتاج، ثم إنتاج سلعة عراقية قادرة على المنافسة في الأسواق الخارجية.
 
ويرى الحلفي أن هذا النوع من الاستثمار هو الأكثر أهمية بالنسبة للعراق، لأنه لا يضيف رأس المال فقط، بل ينقل معه التكنولوجيا والخبرة والمهارات، ويخلق فرص عمل، ويطور القطاع الخاص، ويبني سلاسل إنتاج محلية، ويقلل تدريجياً من الاعتماد على استيراد السلع والمواد الجاهزة.
 
العراق لديه ما يقدمه لأوروبا
ولا ينظر الحلفي إلى العلاقة من زاوية حاجة العراق إلى أوروبا فقط، بل يرى أن المعادلة يمكن أن تكون متبادلة، فالعراق يمتلك موارد الطاقة، وسوقاً كبيرة، وأراضي ومساحات قابلة لإقامة المشاريع، وقوة عمل شابة، وموقعاً جغرافياً مهماً يربط الخليج بتركيا، ويمثل نقطة اتصال محتملة مع الأسواق الأوروبية.
 
كما أن مشروعات مثل طريق التنمية وميناء الفاو يمكن أن تضيف بعداً استراتيجياً إلى العلاقة الاقتصادية، من خلال توفير بنية تحتية تربط العراق بشبكات التجارة الإقليمية والدولية.
 
وبذلك، فإن العراق، وفق هذه الرؤية، لا يدخل المفاوضات مع أوروبا باعتباره طالب تمويل فقط، وإنما باعتباره يمتلك أصولاً ومزايا يمكن أن تكون أساساً لشراكة استثمارية متبادلة.
 
الاختبار الحقيقي يبدأ بعد العودة
ورغم أهمية الزيارة سياسياً واقتصادياً، فإن نجاحها لن يقاس بعدد الاجتماعات أو البيانات أو مذكرات التفاهم التي ستوقع في باريس وبرلين، فالاختبار الحقيقي يبدأ بعد عودة الوفد العراقي، عندما تتحول الاتفاقات إلى دراسات جدوى، والدراسات إلى قرارات استثمار، ثم إلى إغلاق مالي ومشاريع تدخل حيز التنفيذ.
 
ويحتاج العراق لتحقيق ذلك إلى تقديم مشاريع واضحة وجاهزة للاستثمار، وتوفير بيئة قانونية ومصرفية مستقرة، وتعزيز الضمانات للمستثمرين، وتسهيل تحويل الأرباح، وضمان شفافية التعاقدات، وتقليل المخاطر التي يمكن أن تعرقل المشاريع طويلة الأمد.
 
يحتاج إلى أن تكون لديه قائمة محددة من المشاريع التي يريد تنفيذها مع الشركات الأوروبية، بدلاً من طرح ملفات واسعة وغير محددة قد تنتهي إلى مذكرات تفاهم جديدة من دون نتائج ملموسة.
 
شراكة لا مساعدة
وفي المحصلة، يبدو أن الرسالة العراقية من زيارة باريس وبرلين تتجه نحو تغيير طبيعة العلاقة الاقتصادية مع أوروبا.
فبغداد تريد رأس مالاً أجنبياً يدخل الاقتصاد، وتكنولوجيا تنتقل إلى الشركات العراقية، ومصانع تنتج داخل البلاد، وخبرات أوروبية تدرب الكوادر العراقية، ومشاريع قادرة على خلق فرص عمل وربط الاقتصاد العراقي بالأسواق العالمية.
 
وهنا تلتقي رؤى مظهر محمد صالح وعلي دعدوش وسيف الحلفي عند نقطة أساسية: قيمة الزيارة لا تكمن في عدد الاتفاقيات التي ستوقع، وإنما في عدد المشاريع التي ستنتقل بعدها إلى التنفيذ الفعلي، وبينما تحتاج بغداد إلى التكنولوجيا ورأس المال والخبرة الأوروبية، تحتاج الشركات الأوروبية في المقابل إلى أسواق جديدة ومصادر للطاقة ومواقع استراتيجية وفرص استثمارية طويلة الأمد.
 

 


ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام


مشاهدات 60
أضيف 2026/09/11 - 5:54 PM