
يتجه العراق إلى إعادة تنشيط قطاعه الصناعي عبر مسارين متوازيين، الأول يتمثل في تخصيص أراضٍ لإقامة مشاريع ومجمعات صناعية جديدة، والثاني يركز على إعادة تشغيل المعامل المتوقفة وتأهيل المنشآت القائمة، في محاولة لتحويل الصناعة من قطاع يعاني التعثر إلى محرك للإنتاج وخلق فرص العمل وتنشيط اقتصادات المحافظات.
وجاء هذا التوجه خلال ترؤس رئيس الوزراء علي الزيدي الجلسة الثالثة لمجلس التنسيق الصناعي، بحضور وزراء المالية والنفط والصناعة والمعادن والكهرباء، ورئيس هيئة المستشارين وعدد من المستشارين والمديرين العامين، فضلاً عن رئيس اتحاد الصناعات العراقي.
ووجّه الزيدي بتهيئة وتوفير قطعة أرض بمساحة 1000 دونم في كل محافظة وتخصيصها للمشروعات الصناعية المرشحة من المديرية العامة للتنمية الصناعية، بهدف تنفيذها في المحافظة المعنية، بما يفتح المجال أمام إقامة مجمعات صناعية جديدة وتوسيع قاعدة الاستثمار والإنتاج المحلي.
وأكد الزيدي أهمية النهوض بالصناعة الوطنية، واصفاً إياها بأنها "العمود الفقري للاقتصاد"، مشدداً على أن تحقيق الهوية الصناعية للبلد يتطلب ضبط الحدود وتطبيق نظام التتبع "الأسيكودا"، إلى جانب الاستقطاع المسبق للضرائب والجمارك، مبيناً أن العمل بهذه الإجراءات قد بدأ.
كما وجّه رئيس الوزراء بالاهتمام بالمواد الأولية المتوفرة محلياً، لما تمثله من أهمية في دعم الصناعة الوطنية وتنميتها وتعزيز قدرتها على المنافسة، في وقت تواجه فيه المنتجات المحلية منافسة قوية من السلع المستوردة.
وفي خطوة مرتبطة بحماية المواد الأولية ودعم الصناعات التحويلية، قرر مجلس التنسيق الصناعي منع تصدير المواد الأولية لمعادن النحاس وسبائكه، والألمنيوم، والرصاص، وسبائك الحديد، بما فيها جميع أشكالها وسكرابها، بهدف إبقاء هذه المواد داخل دورة الإنتاج المحلية بدلاً من تصديرها كمواد خام.
225 معملاً.. رصيد صناعي يمكن استعادته
وتكشف البيانات الرسمية حجم الطاقات الصناعية المعطلة في العراق؛ إذ أظهر الجهاز المركزي للإحصاء التابع لوزارة التخطيط أن عدد الشركات التابعة لوزارة الصناعة والمعادن في القطاعين العام والمختلط بلغ 42 شركة تضم 225 معملاً، فيما بلغت نسبة المعامل المتوقفة عن العمل 25.3% منذ عام 2024.
وتعني هذه الأرقام وجود قاعدة إنتاجية قائمة يمكن استعادتها بدلاً من الاعتماد حصراً على إنشاء مصانع جديدة، خصوصاً أن المعامل المتوقفة تمتلك في كثير من الحالات أبنية وبنى تحتية ومكائن وخبرات بشرية يمكن إعادة توظيفها بعد التأهيل والتحديث.
وتشير المعطيات إلى أن إعادة تشغيل هذه المنشآت قد تكون أقل كلفة وأسرع من إنشاء مشاريع صناعية من الصفر، لأنها تستفيد من أصول قائمة وتحتاج بصورة أساسية إلى تحديث خطوط الإنتاج وتأمين التمويل والطاقة والإدارة الحديثة.
الصناعة والقطاع الخاص
وبهذا الصدد، يرى الخبير الاقتصادي عبد الرحمن الشيخلي أن تخصيص الأراضي يمثل خطوة باتجاه إنشاء مجمعات صناعية ودعم القطاعين الصناعي والخاص، مشيراً إلى أن إحدى أبرز مشكلات الصناعة العراقية خلال العقدين الماضيين تمثلت في ارتباط جزء من النشاط الصناعي بالقطاع العام، الأمر الذي حدّ من القدرة على تحقيق الكفاءة الاقتصادية المطلوبة.
ويؤكد الشيخلي لـ"الاقتصاد نيوز" أن القطاع الخاص قادر على إنشاء مؤسسات صناعية مربحة خلال مدة لا تتجاوز عاماً، ما يجعل إشراك المستثمرين المحليين في المشاريع الجديدة وإعادة تأهيل المنشآت القائمة عاملاً أساسياً في تسريع دورة الإنتاج وتحويل الأراضي المخصصة إلى مشاريع فعلية.
ويشير إلى أن إحياء المعامل المتوقفة سيسهم في توفير فرص العمل وزيادة الحاجة إلى اليد العاملة، ولا سيما مع انتقال أعداد كبيرة من العمال من القرى والأرياف والمحافظات إلى مراكز المدن بحثاً عن فرص العمل.
ويضيف أن عودة المصانع والمنشآت إلى العمل يمكن أن تسهم في إعادة العمالة إلى المناطق القريبة من مواقع الإنتاج، وبالتالي تخفيف الضغط على مراكز المدن والحد من الهجرة الداخلية المرتبطة بالبحث عن فرص العمل.
خطة لإعادة تشغيل 12 معملاً
وفي هذا السياق، تتجه وزارة الصناعة والمعادن إلى إعادة تشغيل عدد من المعامل المتوقفة، إذ كشف وكيل الوزارة الإداري مكي عجيب في تموز 2026 عن مقترح لإعادة تشغيل 12 معملاً متوقفاً.
وأوضح أن عدد شركات التصنيع الحالية يبلغ 16 شركة من أصل 28 شركة، فيما توقفت بقية الشركات، الأمر الذي يعكس حجم الفجوة بين الإمكانات الصناعية الموجودة والطاقة الإنتاجية الفعلية.
وتتجه الوزارة إلى الاستفادة من الملاكات والخبرات الموجودة لديها لإعادة الشركات الصناعية إلى العمل، بالتزامن مع فتح المجال أمام الاستثمار والشراكة مع القطاع الخاص، بما يوفر التمويل والإدارة والتكنولوجيا اللازمة لإعادة تشغيل خطوط الإنتاج.
نينوى.. نموذج لإعادة تشغيل المعامل
وفي نينوى، برز نموذج عملي لهذا التوجه من خلال إعادة تشغيل معمل ألبسة ولدي للنسيج في الموصل بعد تأهيله.
وأكد وكيل وزارة الصناعة لشؤون التخطيط أحمد عبد الجبار الكريم أن إعادة تشغيل المعمل تسهم في تنشيط الحركة الصناعية ورفع مستوى الإنتاج المحلي وتوفير فرص عمل للأيدي العاملة، مشيراً إلى استمرار الوزارة في دعم المعامل والورش الصناعية وإعادة تفعيل المنشآت المتوقفة والمتضررة.
ولا تقتصر أهمية تشغيل المعامل على الوظائف المباشرة داخل المصنع، بل تمتد إلى قطاعات النقل والخدمات اللوجستية والصيانة والتجهيز والتسويق والتخزين، فضلاً عن الصناعات التي تعتمد على المصنع كمصدر للمواد الأولية أو كمشترٍ للمنتجات والخدمات.
وبذلك يتحول المصنع من منشأة إنتاجية منفردة إلى مركز اقتصادي يحرك سلسلة من الأنشطة والخدمات المرتبطة به، ما يضاعف أثره في سوق العمل ويزيد قدرته على توليد الوظائف والدخل.
الصناعة في مواجهة البطالة
وتأتي التحركات الحكومية في وقت يمثل فيه التشغيل والحد من البطالة أحد التحديات الاقتصادية الأساسية في العراق، إذ عقدت وزارة التخطيط خلال عام 2026 المؤتمر العلمي الأول لمعالجة ظاهرتي البطالة والفقر في العراق بالتعاون مع وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، مع التأكيد على أهمية تكامل السياسات الاقتصادية والتنموية لمعالجة هذه الظواهر بصورة مستدامة.
ويمثل القطاع الصناعي أحد القطاعات القادرة على استيعاب العمالة، نظراً إلى تنوع الاختصاصات التي يحتاجها، بدءاً من العمال والفنيين وصولاً إلى المهندسين والإداريين والخبرات الفنية والإنتاجية.
كما أن توزيع المشاريع الصناعية جغرافياً يمكن أن يساهم في توزيع فرص العمل بين المحافظات، بدلاً من تركّزها في مراكز المدن، الأمر الذي يخفف دوافع الانتقال والهجرة الداخلية بحثاً عن الوظائف.
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام