
دكتور/ هيثم حميد مطلك المنصور
ليس أخطر ما في تقرير صندوق النقد الدولي عن العراق رقم العجز في موازنة عام 2026، ولا حتى حجم الدين العام ، وإنما ذلك المسار التراكمي الذي يمكن أن يقود الاقتصاد العراقي، إذا استمرت السياسات نفسها، إلى تضييق هامش المناورة المالية والنقدية عاماً بعد آخر.
فالتقرير يضعنا أمام صورة لا تحتمل الكثير من التجميل: وفق السيناريو الأساس للصندوق، فان الدين الحكومي ، قد يسلك اتجاها تصاعديا من 47% من الناتج المحلي في نهاية 2024 إلى قرابة 78% بحلول عام 2030، في الوقت الذي تتراجع فيه الاحتياطيات الدولية من نحو 100 مليار دولار إلى ما يقارب 54 ملياراً. وبذلك لا تصبح المشكلة مجرد عجز في الموازنة، وإنما علاقة متزايدة الخطورة بين الإنفاق العام والدين والاحتياطيات والاعتماد على النفط.
وهنا يكمن الخطر، وبغض النظر عن ازمة هرمز فالعراق تشريحيا لا يعاني من نقص في الموارد بقدر ما يعاني من اختلال في طريقة إدارة موارده المالية والاقتصادية . دولة تمتلك احتياطيات نفطية هائلة، وتحقق إيرادات نفطية كبيرة، وتملك سوقاً محلية واسعة، لا يفترض أن تجد نفسها أمام هذا القدر من الهشاشة المالية. لكن الاقتصاد الريعي يعمق من الازمات حيث يحول الوفرة إلى نقطة ضعف فيتحول الإنفاق الجاري إلى التزام دائم، بينما تبقى الإيرادات رهينة لسعر النفط وحجم الصادرات.
والأكثر إثارة للقلق أن النفط سيظل، وفق تقديرات الصندوق، مصدراً لأكثر من 90% من إيرادات الدولة حتى عام 2030. وهذا يعني أن الدولة العراقية ما زالت تمول وظائفها ورواتبها وخدماتها واستثماراتها بدرجة شبه كاملة من مورد لا تتحكم بسعره ولا بالظروف الدولية المحيطة به.
وهنا يجب أن يطرح السؤال الذي يتجاوز الأرقام: كيف يمكن لدولة أن تبني استقراراً مالياً طويل الأجل إذا كانت إيراداتها متقلبة، بينما معظم نفقاتها ثابتة ومتزايدة؟
هذه هي المعادلة التي ينبغي أن تشغل صانع القرار العراقي: فارتفاع سعر النفط اللازم لتحقيق توازن الموازنة إلى نحو 84 دولاراً للبرميل في 2024، مقارنة بنحو 54 دولاراً في 2020، ليس مجرد رقم مالي. إنه مؤشر على أن "نقطة التعادل المالي" للدولة أصبحت أكثر ارتفاعاً، وأن الإنفاق العام أصبح أكثر حساسية مما مضى لأي انخفاض في أسعار النفط.
والأخطر أن هذه النفقات ليست كلها استثمارية يمكن أن تخلق طاقة إنتاجية جديدة. انما جزء كبير منها يذهب إلى الرواتب والتقاعد والإنفاق التشغيلي. ولذلك فإن كل سنة تمر من دون إصلاح هيكل الإنفاق تجعل الإصلاح في السنة التالية أكثر صعوبة وكلفة سياسياً واجتماعياً.
ومن هنا تأتي أهمية ما يؤشره صندوق النقد عن التعيينات الحكومية والإحالة إلى التقاعد. المسألة ليست دعوة مجردة إلى تقليص عدد الموظفين، وإنما محاولة لإعادة بناء العلاقة بين الدولة وسوق العمل. فالدولة هنا المشغل الأكبر، وحولت الوظيفة العامة تدريجياً من أداة لخدمة الدولة إلى أداة لمعالجة البطالة، ثم تتحول معالجة البطالة إلى التزام مالي دائم.
ولهذا فإن إصلاح التوظيف الحكومي لا ينبغي أن يعني إغلاق باب العمل أمام الشباب، بل فتح أبواب أخرى أمامهم: قطاع خاص حقيقي، استثمار، صناعة، زراعة، خدمات، تمويل مصرفي، ومشروعات إنتاجية قادرة على خلق وظائف خارج الموازنة.
الأمر ذاته ينطبق على نظام التقاعد. فإذا كانت تقديرات الصندوق تشير إلى خطر استنزاف صندوق تقاعد موظفي الدولة في نهاية عام 2027 في حال عدم الإصلاح، فإن تجاهل المشكلة لن يلغيها؛ بل سيجعل فاتورتها أكبر عندما يصبح تمويلها مسؤولية مباشرة على الموازنة العامة.
أما قطاع الكهرباء، فهي نموذج صارخ على مشكلة الاقتصاد العراقي: إنفاق هائل، ومردود مالي ضعيف، وخدمة لا تزال دون مستوى ما ينفق عليها. عندما تصل المصروفات التشغيلية إلى مستويات ضخمة بينما تبقى الايرادات محدودة، فإن الدولة لا تقدم خدمة مدعومة فقط، بل تتحمل نموذجاً مالياً غير مستدام.
الإصلاح هنا لا يعني رفع التعرفة ، وإنما البدء بإصلاح نظام الجباية ، وتقليل الهدر، ومواجهة التجاوزات، وتحسين كفاءة الشبكة، ثم تصميم تعرفة عادلة تراعي الشرائح الفقيرة. فالدعم الاجتماعي يجب أن يذهب إلى المواطن المحتاج، لا أن يتحول إلى دعم دائم للهدر.
وفي القطاع المصرفي، تبدو الحاجة أكثر إلحاحاً. المصارف الحكومية الكبيرة لا يمكن أن تبقى عبئاً على المالية العامة بسبب القروض المتعثرة وضعف رأس المال ومشكلات الحوكمة. والاقتصاد الذي يريد الانتقال من الريع إلى الإنتاج يحتاج إلى جهاز مصرفي قادر على تقييم المخاطر وتمويل المشاريع، وليس مجرد قناة لتمرير الرواتب أو تمويل النشاط الحكومي.
لكن خلف كل هذه الاختلالات توجد قضية أكثر عمقاً: الحوكمة.
فالتقرير يتعامل مع الفساد باعتباره مشكلة اقتصادية تؤثر في الإنفاق العام وقطاعات النفط والكهرباء وتنال من قدرة الدولة على تنفيذ الإصلاح. وعندما تتداخل المصالح السياسية مع إدارة الموارد العامة، تصبح الإصلاحات الاقتصادية نفسها رهينة للتوازنات السياسية.
وهنا ربما تكمن أخطر رسالة في التقرير كله: العراق يعرف الكثير من الحلول، لكنه لم ينفذ ما يكفي منها.
لقد تكررت التحذيرات بشأن فاتورة الرواتب، وتنويع الإيرادات، وإصلاح التقاعد، والكهرباء، والمصارف، والحوكمة، والاعتماد المفرط على النفط. ولذلك فإن المشكلة لم تعد مشكلة تشخيص. المشكلة أصبحت مشكلة "إرادة تنفيذية ومؤسسية".
ومن هنا لا يمكن قراءة تقرير صندوق النقد باعتباره وصفة جاهزة للعراق، ولا باعتباره حكماً نهائياً على المستقبل. فالصندوق يقدم سيناريوهات وتقديرات مبنية على افتراضات ، وبعض خيارات الإصلاح تحتاج إلى نقاش وطني عميق قبل تطبيقها. لكن الخطأ الأكبر هو تجاهل الاتجاهات التي يكشف عنها التقرير.
فالدين الذي يرتفع، والاحتياطي الذي ينخفض، والإنفاق الجاري الذي يتضخم، والإيرادات التي تبقى نفطية، كلها ليست مشكلات منفصلة. إنها أجزاء من معادلة واحدة. إذا بقيت الدولة توسع التزاماتها الثابتة بينما تعتمد على إيرادات متقلبة، فإن النفط المرتفع لن يحل المشكلة؛ سيؤجلها فقط. أما الإصلاح الحقيقي فيبدأ عندما نبني دولة تستطيع تمويل نفسها حتى عندما ينخفض النفط.
وهنا يمكننا القول ان الاختبار الحقيقي للسياسة الاقتصادية العراقية انها لابد ان تبني خطة مالية واقتصادية متوسطة وطويلة الأجل وفاعلة، واضحة ومعلنة، تربط الإنفاق بالإيراد، وتضع سقوفاً واقعية للتوسع في التوظيف، وتعيد بناء نظام التقاعد، وتصلح الكهرباء والمصارف، وتوسع الإيرادات غير النفطية فضلا عن تامين الإيرادات النفطية والعمل على استدامة اتجاهات التصدير، وتحمي استقلال المؤسسات الرقابية، وتوجه الإنفاق نحو الاستثمار والإنتاج.
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام