حرائق الغابات تُخيّم على أكبر أعياد اليونان   الإقتصاد نيوز   ديون الحكومة والشركة النفط الإيرانية لصندوق التنمية الوطنية تتجاوز 127 مليار دولار   الإقتصاد نيوز   إيرادات الكمارك تتجاوز 2.5 ترليون دينار في 2026   الإقتصاد نيوز   دولة تستقطب عشرات المليارات من أموال المغتربين في الخليج خلال 3 أشهر   الإقتصاد نيوز   بعد 100 يوم.. حكومة الزيدي تقتحم أخطر ملفات الدولة والاقتصاد أمام امتحان النتائج   الإقتصاد نيوز   العراق يضع استراتيجية سياحية حتى 2035 لاستقبال 10 ملايين زائر وتوفير 1.5 مليون وظيفة   الإقتصاد نيوز   العراق رابع أكبر مستوردي الكرز التركي بـ26.5 مليون دولار   الإقتصاد نيوز   1.5 طن من الذهب ومليارات الدولارات.. هل بدأت الإمارات الإفراج عن أصول إيران المجمدة؟   الإقتصاد نيوز   واسط تُسجل أكثر من ألف حالة سرطان منذ نصب محطة كهرباء الزبيدية   الإقتصاد نيوز   العراق ضمن خريطة الأسواق العربية لاستيراد البسكويت البرازيلي   الإقتصاد نيوز  
بعد 100 يوم.. حكومة الزيدي تقتحم أخطر ملفات الدولة والاقتصاد أمام امتحان النتائج

الاقتصاد نيوز - بغداد

بعد نحو 100 يوم على انطلاق حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي، لم يعد السؤال مقتصراً على ما أنجزته الحكومة خلال فترة زمنية قصيرة، بقدر ما أصبح متعلقاً بالاتجاه الذي اختارته لمعالجة اختلالات اقتصادية ومالية تراكمت على مدى سنوات، وبقدرتها على تحويل عناوين الإصلاح ومكافحة الفساد وتنويع الإيرادات وتمكين القطاع الخاص إلى أرقام قابلة للقياس ونتائج يشعر بها المواطن.

وبين قراءة حكومية ترى أن الأشهر الأولى كشفت عن إرادة لفتح الملفات المؤجلة وإعادة بناء العلاقة بين الدولة والاقتصاد، وقراءة اقتصادية أكثر تحفظاً تشدد على أن الاختبار الحقيقي لم يبدأ بعد، تبدو الأيام المئة الأولى أشبه بمرحلة تأسيس لمسار طويل، لا محطة كافية لإصدار حكم نهائي على نجاح التجربة أو إخفاقها.

اقتصاد شديد الارتباط بالنفط

المستشار المالي لرئيس مجلس الوزراء مظهر محمد صالح يرى أن تقييم حكومة الزيدي لا ينبغي أن يعتمد على عدد الأيام التي أمضتها في السلطة، وإنما على الاتجاه الذي اختارته منذ بداية عملها، خصوصاً أنها تسلمت المسؤولية، بحسب وصفه، في "ظرف عراقي بالغ التعقيد"، يتداخل فيه الاعتماد الشديد على النفط مع إرث إداري ومالي طويل، وفساد متجذر، وتحديات أمنية وسيادية، وضغط اجتماعي متزايد للحصول على الوظائف والخدمات والحياة الكريمة.

وتدعم البيانات الدولية جانباً مهماً من توصيف حجم الاختلال الاقتصادي الذي ورثته الحكومة؛ إذ قدّر البنك الدولي أن النفط شكّل خلال 2025 نحو 53% من الناتج المحلي الحقيقي للعراق، و88% من إيرادات الحكومة، و91% من صادرات السلع، فيما تباطأ نمو الناتج غير النفطي إلى 1.5% خلال الأشهر التسعة الأولى من العام نفسه، وسط تأثير شح المياه والكهرباء وضغوط السيولة.

وكان صندوق النقد الدولي قد حذّر، قبل تشكيل الحكومة الحالية، من أن استمرار انخفاض أسعار النفط وارتفاع الإنفاق وضعف الإيرادات غير النفطية من شأنه توسيع الاختلالات المالية، مشيراً في توقعاته إلى ارتفاع العجز المالي إلى 9.2% من الناتج المحلي الإجمالي في 2026، ووصول الأجور والتقاعد إلى ما يعادل 24.5% من الناتج، مع ارتفاع الدين الحكومي في سيناريو الأساس إلى 62.3% من الناتج.

وهذه الخلفية تجعل الأيام المئة الأولى للحكومة أقرب إلى اختبار الاتجاه منها إلى اختبار النتائج النهائية، وهو ما يؤكد عليه صالح بقوله إن الحكومة لم تتعامل مع الملفات الاقتصادية والمالية والأمنية على أنها أزمات منفصلة، وإنما باعتبارها أجزاء مترابطة من مشكلة أوسع عنوانها "بناء الدولة واستعادة قدرتها على إدارة مواردها ومصالحها".

من إدارة الاقتصاد إلى محاولة تغيير بنيته

يذهب صالح إلى أن حكومة الزيدي لم تكتفِ بمحاولة إدارة الاقتصاد القائم، وإنما طرحت منذ البداية فكرة إصلاح بنيته، من خلال موازنة البرامج والأداء، وإصلاح القطاع المصرفي، وتطوير النظامين الضريبي والجمركي، ودعم القطاع الخاص، واستحداث أدوات لتمويل التنمية والاستثمار.

وهي توجهات ظهرت أيضاً ضمن الخطوط الاقتصادية للمنهاج الحكومي الذي طرح الانتقال إلى موازنة البرامج بدلاً من الاقتصار على موازنة الإنفاق، إلى جانب التحول الرقمي والإصلاح المصرفي.

ويرى صالح أن هذه الإجراءات تمثل محاولة للانتقال من اقتصاد يقوم بصورة أساسية على توزيع الريع النفطي إلى اقتصاد يستطيع إنتاج القيمة، مؤكداً أن العراق "لا تنقصه الموارد، وإنما ينقصه تحويل الموارد إلى إنتاج وفرص عمل وثروة مستدامة".

ومن هنا، يضع صالح التوجه الحكومي نحو الاستثمار والطاقة والبنية التحتية في قلب عملية الإصلاح، لكون الاستثمار بالنسبة إليه ليس مجرد مصدر أموال، وإنما أداة لتوسيع القاعدة الاقتصادية وإنتاج فرص العمل.

وقد تحركت الحكومة خلال الفترة الماضية باتجاه استقطاب استثمارات خارجية في قطاعات النفط والغاز والكهرباء، وكان ملف الطاقة والاستثمارات الكبرى من أبرز الملفات المطروحة خلال تحركات رئيس الوزراء الخارجية، ولا سيما زيارته إلى واشنطن.

لكن السؤال الذي سيحدد قيمة هذه الاستثمارات، وفق قراءة صالح، لا يتعلق بحجم الأموال المعلنة وحده، بل بقدرتها على التحول إلى إنتاج فعلي وفرص عمل ونشاط اقتصادي مستدام.

الفساد.. من الخطاب إلى اختبار المؤسسة

ويضع صالح مكافحة الفساد في مقدمة الملفات التي أعطتها حكومة الزيدي أولوية خلال بداية عملها، لكنه يرى أن أهمية الملف لا تكمن في عدد القضايا المفتوحة أو الإجراءات المنفذة فقط، وإنما في نقل مكافحة الفساد من الخطاب السياسي المتكرر إلى مسار مؤسساتي يقوم على الرقابة والمساءلة واسترداد المال العام.

وفي 30 أيار، وجّه رئيس الوزراء بتشكيل "المجلس السيادي الأعلى للنزاهة والرقابة واسترداد المال العام"، قبل أن تتوسع الإجراءات الحكومية لاحقاً في ملاحقة قضايا الفساد واسترداد الأموال ضمن الحملة التي عرفت بـ"صولة الفجر".

ويرى صالح أن تحويل مكافحة الفساد إلى "معركة معلنة ومستمرة" يمثل خطوة مهمة بعد سنوات أصبح خلالها الفساد واحداً من أبرز العوائق أمام بناء الدولة.

غير أن التحدي في المرحلة التالية سيكون في الانتقال من قوة الانطلاقة إلى استدامة المؤسسات؛ أي قياس الملف بحجم الأموال التي تعاد إلى الدولة، والقضايا التي تُحسم قضائياً، والثغرات الإدارية التي يتم إغلاقها لمنع إنتاج فساد جديد، وليس بعدد الحملات وحدها.

دعدوش: الاختبار الاقتصادي الحقيقي لم يبدأ

في المقابل، يقدم الخبير في الشأن الاقتصادي علي دعدوش قراءة أكثر تحفظاً للأيام المئة الأولى، إذ يرى أن الحكومة بدأت بالفعل بعض الإجراءات ذات الطابع الإصلاحي، لكن "الاختبار الاقتصادي الأهم لم يبدأ بعد".

ويقول دعدوش لـ"الاقتصاد نيوز" إن الحكومة تسلمت وضعاً مالياً ضاغطاً، مع عجز يقدره بأكثر من 25% من الناتج المحلي الإجمالي، ودين داخلي يقارب 90 تريليون دينار، في وقت تحتاج الدولة إلى نحو 10 تريليونات دينار شهرياً لتغطية الرواتب والنفقات الأساسية.

كما يقدر أن الإيرادات غير النفطية لا تزال دون 10% تقريباً من الإيرادات العامة، موضحاً الصورة بالقول إن كل 100 مليار دينار تحصل عليها الدولة يأتي نحو 90 ملياراً منها من النفط.

وتتقاطع هذه القراءة، من حيث الاتجاه العام، مع أرقام البنك الدولي التي قدرت حصة النفط بنحو 88% من الإيرادات الحكومية في 2025، وإن اختلفت النسب والفترات الزمنية وطرق الاحتساب.

وهنا يضع دعدوش معياراً مختلفاً لتقييم الإصلاح، قائلاً إن أول إصلاح اقتصادي حقيقي لا ينبغي قياسه "بعدد القرارات التي أصدرتها الحكومة، وإنما بعدد الدنانير التي استطاعت فصلها عن النفط".

هدف الـ45%.. أين تبدأ المحاسبة؟

إذا كانت الحكومة تستهدف خفض الاعتماد على النفط من نحو 90% إلى 45% خلال عشر سنوات، فإن دعدوش يرى أن ذلك يعني نظرياً خفض الاعتماد النفطي بمعدل متوسط يبلغ نحو 4.5 نقاط مئوية سنوياً.

ولهذا، بحسب رؤيته، لا ينبغي انتظار نهاية السنوات العشر لتقييم المشروع، بل يمكن بدء المحاسبة منذ السنة الأولى: هل انخفض الاعتماد على النفط فعلياً بنقطتين أو ثلاث نقاط مئوية على الأقل؟ أم بقيت نسبة الـ45% هدفاً استراتيجياً مكتوباً في الخطط؟

لكن دعدوش يطرح تحذيراً أكثر أهمية، يتعلق بالطريقة التي يمكن أن ترتفع بها الإيرادات غير النفطية.

فالوصول إلى 45%، بالنسبة إليه، ليس نجاحاً بحد ذاته إذا تحقق عبر توسيع الضرائب والرسوم والكمارك على المواطن والقطاع الخاص، لأن العراق في هذه الحالة سيكون قد استبدل ما يسميه "ضريبة النفط" بـ"ضريبة المواطن" دون أن يبني اقتصاداً منتجاً.

ويرى أن الإصلاح الحقيقي يحدث عندما ترتفع الإيرادات غير النفطية بالتزامن مع نمو الناتج المحلي غير النفطي، واتساع الصناعة والزراعة والخدمات والاستثمارات الخاصة وفرص التشغيل.

وبهذا المعنى، إذا ارتفعت الإيرادات غير النفطية من أقل من 10% إلى 20% عبر الجباية فقط، فيما بقيت الصناعة والزراعة والخدمات ضعيفة، فإن ذلك لن يمثل تنويعاً حقيقياً للاقتصاد.

أما إذا وصلت الإيرادات غير النفطية إلى 15 أو 20% بالتزامن مع توسع القاعدة الإنتاجية والاستثمار الخاص وفرص التشغيل، فسيكون ذلك، وفق دعدوش، إصلاحاً أكثر عمقاً حتى وإن تأخر الوصول إلى نسبة الـ45%.

بين الإصلاح المالي والتنويع الاقتصادي

وهنا تظهر واحدة من أهم نقاط النقاش الاقتصادي؛ فصندوق النقد الدولي يرى أن معالجة الاختلالات المالية للعراق تحتاج، على المدى القصير والمتوسط، إلى زيادة الإيرادات غير النفطية وإصلاح الضرائب والرسوم الجمركية، بالتوازي مع السيطرة على فاتورة الأجور، فيما يقترح أيضاً إصلاح ضريبة الدخل والحد من بعض الإعفاءات وإمكان اعتماد ضريبة مبيعات عامة على المدى المتوسط.

أما دعدوش، فلا يعترض على زيادة الإيرادات بحد ذاتها، لكنه يفرق بين الإصلاح المالي الذي يهدف إلى سد العجز، والتنويع الاقتصادي الذي يفترض إنتاج مصادر جديدة للدخل.

ومن هذه الزاوية، يمكن أن تنجح الدولة في تحسين حسابات الموازنة من دون أن تنجح بالضرورة في تغيير بنية الاقتصاد، إذا جاءت معظم الزيادة من الجباية والضرائب بدلاً من المصانع والزراعة والخدمات والاستثمارات الجديدة.

المصارف والرقمنة.. إصلاح قد يكون أعمق من القرارات المالية

ويعتقد دعدوش أن الإصلاح المصرفي والرقمنة قد يكونان أهم من بعض الإجراءات المالية التي برزت إعلامياً خلال الأيام المئة الأولى، لأن مشكلة العراق، بحسب تشخيصه، لا تقتصر على مقدار الأموال التي تحصل عليها الخزينة، وإنما تشمل حجم الاقتصاد الذي يعمل خارج النظام الرسمي أساساً.

فكلما انتقل جزء أكبر من الاقتصاد النقدي وغير الرسمي إلى المصارف والدفع الإلكتروني، أصبح من الممكن توسيع الوعاء الضريبي والتحصيل المالي من دون رفع معدلات الضرائب بالضرورة.

وبذلك، تصبح الرقمنة أداة مالية واقتصادية لكشف النشاط وتوسيع القاعدة الإيرادية وتقليل التسرب، وليس مجرد مشروع لتحديث طريقة الدفع.

لكن تقييم هذا الملف يحتاج أيضاً إلى التمييز بين ما بدأ في عهد الحكومة الحالية وما ورثته من مسارات سابقة؛ فبرنامج الإصلاح المصرفي كان قائماً بالفعل قبل تشكيل حكومة الزيدي، ووصل خلال 2026 إلى مراحل تتضمن إلزام المصارف بمسارات للاستمرار أو الاندماج أو الخروج من السوق، في إطار إعادة هيكلة القطاع.

كما يواصل البنك المركزي تطوير المدفوعات الإلكترونية والبيئة التنظيمية للاقتصاد الرقمي، وناقش في آب 2026 تنظيم خدمات ومنصات الدفع الإلكتروني وتعزيز الشفافية والامتثال.

وعلى الجانب الجمركي، كانت وزارة المالية قد قطعت شوطاً في تطبيق نظام "أسيكودا"، مع الانتقال إلى التصريح الإلكتروني مطلع 2025 وربط عمليات التخليص بالدفع الإلكتروني والعديد من الجهات الحكومية.

لذلك فإن الحكم على حكومة الزيدي في الرقمنة والإصلاح المصرفي لن يتعلق بوجود هذه المشاريع من عدمه، وإنما بقدرتها على تسريعها، وتوسيع نطاقها، وتحويلها إلى زيادة قابلة للقياس في النشاط الرسمي والإيرادات.

سعر الصرف.. استقرار لا يحل المشكلة وحده

وفي السياسة النقدية، يرى دعدوش أن المحافظة على سعر الصرف الرسمي عند مستوى يقارب 1310 دنانير للدولار وعدم اللجوء إلى خفض قيمة الدينار لمعالجة العجز يمثلان توجهاً أكثر تحفظاً؛ لأن أي تخفيض كبير لقيمة العملة سينعكس عملياً على القوة الشرائية للمواطنين.

ولا يزال البنك المركزي العراقي يعرض السعر الرسمي للدولار عند 1310 دنانير.

لكن دعدوش يحذر من اعتبار استقرار الصرف نجاحاً دائماً بمعزل عن المالية العامة، مؤكداً أن استقرار الدينار لا يستطيع بمفرده معالجة عجز متراكم يقدره بنحو 64 تريليون دينار ولا دين داخلي يقدره بنحو 90 تريليوناً.

وهنا تلتقي مخاوفه مع تحذيرات صندوق النقد من أن القيود التمويلية واتساع الإنفاق وضعف الإيرادات غير النفطية ترفع المخاطر المالية، وأن الحفاظ على الاستقرار يتطلب إصلاحاً مالياً أوسع، وليس سياسة نقدية فقط.

الرواتب.. الاختبار الأصعب

لكن أكبر اختبار للحكومة، من وجهة نظر دعدوش، "ليس النفط وإنما الرواتب".

فإذا كانت الدولة تحتاج، وفق تقديراته، إلى نحو 10 تريليونات دينار شهرياً لتغطية الرواتب والنفقات الأساسية، فإن أي إصلاح اقتصادي لا يعالج العلاقة بين كتلة الإنفاق الجاري وحجم الإيرادات سيبقى ناقصاً.

ويرى أن العراق لا يستطيع بناء اقتصاد متنوع إذا كانت معظم موارده تُستهلك أولاً في الإنفاق الجاري، ثم تبحث الدولة عما تبقى لتمويل الاستثمار.

ولهذا يلخص دعدوش التحول المطلوب بانتقال العراق تدريجياً من معادلة "النفط يمول الدولة" إلى معادلة "الاقتصاد يمول الدولة".

وهذه ليست مشكلة نظرية فقط؛ إذ أظهرت تقديرات صندوق النقد أن بند الأجور والتقاعد وحده مرشح لبلوغ ما يعادل 24.5% من الناتج المحلي الإجمالي في 2026، فيما دعا الصندوق إلى إصلاح فاتورة الأجور والحد من التوظيف الإلزامي لتوفير مساحة أكبر للإنفاق الاستثماري.

القطاع الخاص.. من ضيف إلى صانع للوظائف

في هذا الملف يقترب صالح ودعدوش كثيراً من بعضهما.

صالح يؤكد أن العراق لا يستطيع بناء مستقبله اعتماداً على الوظيفة الحكومية وحدها، وأن المطلوب اقتصاد يمنح الطبيب والمهندس والتاجر والمزارع والصناعي ورائد الأعمال مساحة للنمو خارج جهاز الدولة.

ويرى أن نجاح الحكومة في دعم القطاع الخاص لا ينبغي أن يقاس بحجم الإجازات أو الاستثمارات المعلنة فقط، وإنما بعدد الوظائف المنتجة التي يخلقها الاستثمار وقدرته على التحول إلى نشاط اقتصادي يشعر به المواطن.

أما دعدوش، فيضع "أول وظيفة يوفرها القطاع الخاص بدلاً من الوظيفة الحكومية" بين أهم ثلاثة مؤشرات لقياس نجاح الإصلاح.

وتزداد أهمية هذا الملف مع الضغوط الديموغرافية؛ فالبنك الدولي يقدر أن الشباب بين 15 و29 عاماً يمثلون نحو 29% من سكان العراق، في وقت لا يزال القطاع الخاص محدود القدرة على استيعاب الداخلين إلى سوق العمل، مع معدل بطالة يقدره البنك بنحو 13.5% ومشاركة في سوق العمل تبلغ نحو 38%.

ولهذا فإن تنويع الاقتصاد، وفق صالح، ليس مجرد هدف مالي لرفع الإيرادات غير النفطية، وإنما طريق لإعادة بناء سوق العمل والطبقة الوسطى على أساس الإنتاج والعمل والكفاءة.

الطاقة.. خدمة أم قاعدة للاقتصاد؟

وينظر صالح إلى الطاقة والكهرباء بوصفهما أكثر من ملف خدمي، معتبراً أنهما يمثلان القاعدة التي تحتاج إليها الصناعة والاستثمارات والإنتاج.

فالمصنع لا يعمل بلا كهرباء مستقرة، والاستثمارات لا تتوسع من دون طاقة، وأي تحسن حقيقي في هذا القطاع يمكن أن تنتقل آثاره إلى قطاعات الاقتصاد الأخرى.

ويتوافق ذلك مع تقديرات صندوق النقد التي وضعت تحديث قطاع الكهرباء وتطوير الغاز ضمن الاستثمارات الضرورية لدعم التنويع الاقتصادي وتعزيز أمن الطاقة.

ومن هذا المنظور، يرى صالح أن تحركات الحكومة في الطاقة والاستثمار يجب قراءتها كجزء من مشروع أوسع لنقل العراق من اقتصاد يستهلك موارده إلى اقتصاد يستثمرها.

السيادة والاقتصاد.. علاقة لا يمكن فصلها

ولا يفصل صالح بين الملف الاقتصادي وقدرة الدولة على فرض القانون، مؤكداً أن حصر السلاح بيد الدولة واستعادة القرار الوطني يحملان بعداً اقتصادياً إلى جانب البعد الأمني.

فمن وجهة نظره، "لا اقتصاد قوياً من دون دولة قوية، ولا استثمار مستقراً من دون بيئة أمنية وسيادية واضحة، ولا طبقة وسطى مستقرة من دون مؤسسات تعمل وفق القانون".

وبالتالي فإن الإصلاح الاقتصادي في رؤيته لا يبدأ وينتهي بوزارة المالية أو البنك المركزي، وإنما يرتبط بقدرة الدولة على فرض قواعد موحدة على النشاط الاقتصادي وحماية الاستثمار وضمان استقرار القرارات والمؤسسات.

صالح: شجاعة فتح الملفات هي بداية الإنجاز

ويرى صالح أن أبرز ما يميز الفترة الأولى من حكومة الزيدي هو أنها لم تختبئ خلف صعوبة الظروف، وإنما توجهت إلى ملفات صعبة تشمل الفساد والريع النفطي والمالية العامة والطاقة والاستثمار والقطاع الخاص والسيادة.

ويقول إن الحكومات لا تختبر بما تغلقه من ملفات فقط، وإنما أيضاً بما "تجرؤ على فتحه"، معتبراً أن 100 يوم ليست مدة كافية لقياس نتائج إصلاحات تحتاج إلى سنوات، لكنها مدة تسمح باكتشاف الاتجاه والإرادة السياسية.

ويشير إلى أن الخطاب الاقتصادي للزيدي لا يقوم على زيادة الإنفاق فقط، بل على تغيير بنية الاقتصاد، ولا يتعامل مع مكافحة الفساد كحملة إعلامية، ولا مع القطاع الخاص كضيف، ولا مع الطاقة كخدمة منفصلة عن التنمية.

وبحسب صالح، فإن نجاح الحكومة في تحويل هذه العناوين إلى سياسات مستدامة سيعني أنها لم تحقق مجرد إنجازات حكومية متفرقة، بل بدأت في إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والاقتصاد والمواطن.

ويلخص المسار المطلوب بالانتقال "من دولة توزع الريع إلى دولة تصنع الثروة"، ومن اقتصاد تتركز فيه مكاسب النمو في دائرة ضيقة إلى اقتصاد تصبح فيه زيادة ثروة الفرد إضافة إلى ثروة المجتمع.

دعدوش: 60% للاتجاه و35 إلى 40% للنتائج

أما دعدوش فيقدم تقييماً رقمياً أكثر تحفظاً، ويصف الأيام المئة الأولى بأنها "مرحلة تأسيس وليست مرحلة نتائج".

ومن حيث الاتجاه العام، يمنح الحكومة تقييماً يقارب 60%، لكنه يرى أن تقييم النتائج الهيكلية الفعلية لا يتجاوز 35 إلى 40% حتى الآن.

ويوضح أن هذا التقييم المنخفض للنتائج لا يعني بالضرورة ضعف الأداء، وإنما يعود إلى أن الزمن والمؤشرات المتوافرة لا يسمحان بعد بالقول إن تحولاً اقتصادياً كبيراً قد تحقق.

فالحكومة، بحسب دعدوش، لم ترث اقتصاداً يحتاج إلى زيادة الإيرادات فحسب، وإنما نموذجاً مالياً يقوم على بيع أصل ناضب لتمويل التزامات تتكرر كل شهر وكل عام.

ولهذا فإن النجاح الحقيقي سيحدث عندما يقابل كل انخفاض في حصة النفط من الإيرادات ارتفاع في الإنتاج والدخل وفرص العمل خارج القطاع النفطي.

أما إذا انخفضت حصة النفط لمجرد انخفاض أسعار النفط، أو ارتفعت حصة الإيرادات غير النفطية فقط بسبب زيادة الضرائب والرسوم، فلن يكون ذلك، وفق دعدوش، تغييراً في بنية الاقتصاد، وإنما مجرد تغيير في أرقام الموازنة.

اتجاه واضح.. لكن الأرقام هي الحكم

بعد 100 يوم، لا تبدو رؤيتا صالح ودعدوش متناقضتين بقدر ما تنطلق كل منهما من زاوية مختلفة.

صالح يقيس المرحلة الأولى بقدرة الحكومة على تحديد الاتجاه وفتح الملفات التي ظلت مؤجلة، ويرى في مكافحة الفساد والإصلاح المصرفي والطاقة والاستثمار والقطاع الخاص وتنويع الإيرادات ملامح مشروع لإعادة بناء الاقتصاد والدولة.

أما دعدوش فيطالب بنقل التقييم سريعاً من مستوى النوايا والقرارات إلى مستوى الأرقام: كم انخفض الاعتماد على النفط؟ كم ارتفع الناتج غير النفطي؟ كم تراجع الإنفاق غير الضروري؟ وكم وظيفة خلقها القطاع الخاص؟

وفي المحصلة، ربما لا يكون الاختبار الحقيقي لحكومة الزيدي في عدد المشاريع التي تستطيع الإعلان عنها خلال 100 يوم، وإنما في قدرتها خلال السنوات المقبلة على تغيير ثلاث معادلات مترابطة: إيرادات لا تتوقف عند بوابة النفط، وموازنة لا تستهلكها النفقات الجارية، وسوق عمل لا تكون الوظيفة الحكومية بابه شبه الوحيد.

وهو ما يلخصه دعدوش بثلاثة مؤشرات يعتبرها أكثر صدقاً من عشرات الخطط والبيانات: أول دينار تستطيع الدولة تحصيله بصورة مستدامة من اقتصاد غير نفطي، وأول دينار من الإنفاق الجاري تستطيع الاستغناء عنه دون المساس بالرواتب والخدمات، وأول وظيفة يستطيع القطاع الخاص توفيرها بدلاً من الوظيفة الحكومية.

وبين "شجاعة فتح الملفات" التي يراها صالح بداية ضرورية، و"اختبار الأرقام" الذي يتمسك به دعدوش، ستتحدد صورة حكومة الزيدي اقتصادياً: هل تكون المئة يوم الأولى مقدمة لتحول في النموذج الاقتصادي، أم تبقى مرحلة جيدة في تحديد الاتجاه من دون أن تنجح لاحقاً في تحويله إلى واقع؟


ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام


مشاهدات 246
أضيف 2026/08/15 - 2:28 PM