هرمز يدفع الغاز القطري نحو العراق.. هل تتحول بغداد إلى بوابة طاقة الخليج لأوروبا؟

الاقتصاد نيوز - بغداد

لم تعد أزمة مضيق هرمز مجرد تهديد افتراضي يلاحق صادرات الطاقة الخليجية، بل تحولت خلال الأشهر الماضية إلى واحدة من أعنف أزمات الإمدادات التي شهدتها أسواق النفط والغاز العالمية، ودفعت دول المنطقة إلى البحث عن خريطة جديدة للأنابيب والممرات البرية تتجاوز المضيق.

وفي قلب هذه الخريطة، بدأ اسم العراق يظهر باعتباره ممراً محتملاً لنقل النفط والغاز الخليجي شمالاً نحو تركيا، ومنها إلى الأسواق الأوروبية، فيما يبدو الغاز القطري المرشح الأبرز للاستفادة من هذا الطريق، بسبب اعتماد الدوحة الكبير على مضيق هرمز وعدم امتلاكها حتى الآن منفذاً بديلاً قادراً على نقل صادراتها الضخمة من الغاز بعيداً عنه.

هرمز.. الأزمة التي كشفت نقطة ضعف قطر

تنبع أهمية مضيق هرمز من كونه بوابة بحرية شبه وحيدة للطاقة المنتجة داخل الخليج، وتقول وكالة الطاقة الدولية إن نحو 25% من تجارة النفط العالمية المنقولة بحراً مرت عبر المضيق خلال عام 2025، إلى جانب أكثر من 110 مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال. كما مر عبره نحو 93% من صادرات قطر و96% من صادرات الإمارات من الغاز المسال.

ومع اندلاع الحرب الأميركية–الإسرائيلية مع إيران في 28 شباط 2026، تراجعت حركة الملاحة عبر هرمز بصورة حادة، ووصل الانخفاض في حركة السفن خلال مراحل الأزمة إلى نحو 97% مقارنة بالمستويات الطبيعية، وفق بيانات أممية أوردتها رويترز.

بالنسبة إلى قطر، كانت الضربة أكبر من مجرد ارتفاع في أسعار الشحن والتأمين.

فقطر تمثل نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً، وتعتمد صادراتها بصورة شبه كاملة على المرور عبر هرمز. وفي بداية آذار/مارس اضطرت قطر للطاقة إلى وقف عمليات إسالة الغاز وإعلان القوة القاهرة على شحناتها بعدما تعطلت الملاحة في المضيق.

ولاحقاً، تعرضت منشآت قطرية لضربات أدت، بحسب الرئيس التنفيذي لقطر للطاقة سعد الكعبي، إلى خروج نحو 17% من قدرة البلاد على تصدير الغاز المسال عن الخدمة، بما يعادل 12.8 مليون طن سنوياً، وسط تقديرات بأن إصلاح الوحدات المتضررة قد يستغرق بين ثلاثة وخمسة أعوام.

أما وكالة الطاقة الدولية فتقدر أن اضطراب المرور عبر هرمز خفّض إمدادات الغاز المسال من قطر والإمارات بأكثر من 300 مليون متر مكعب يومياً منذ الأول من آذار، أي أكثر من ملياري متر مكعب أسبوعياً. كما ظلت منشأة رأس لفان القطرية، أكبر منشأة لإسالة الغاز في العالم، متأثرة بشدة بالأزمة.

قطر تشتري الغاز لتعويض الغاز الذي لا تستطيع تصديره

المفارقة التي كشفت حجم الأزمة أن واحدة من أكبر الدول المنتجة للغاز في العالم اضطرت إلى شراء شحنات غاز من الخارج للمحافظة على التزاماتها تجاه زبائنها.

ففي 30 تموز، كشفت رويترز أن قطر للطاقة اشترت 33 شحنة غاز طبيعي مسال من الولايات المتحدة خلال العام، لتوجيهها إلى عملائها في كوريا الجنوبية وتايوان وبنغلادش والهند واليابان، في محاولة لتعويض توقف الصادرات القطرية عبر هرمز.

وقبل ذلك بأيام، مددت الشركة حالة القوة القاهرة على إمدادات لعدد من المشترين الآسيويين، كما عرضت بعض ناقلاتها للتأجير حتى تشرين الأول، في إشارة إلى أن الشركة كانت تستعد لاحتمال استمرار اضطراب صادراتها لفترة أطول.

الأزمة ضربت أيضاً ميزة كانت تتمتع بها قطر لسنوات، وهي سمعة الغاز الخليجي باعتباره مصدراً موثوقاً للإمدادات. فمستوردون آسيويون وأوروبيون بدأوا، بحسب رويترز، يطالبون بشروط أكثر مرونة وضمانات إضافية للإمداد بعد تجربة هرمز وارتفاع تكاليف التأمين والمخاطر.

وهنا يبدأ الحديث عن الأنابيب.

العراق يعرض الطريق الأقصر

وسط هذه التحولات، أكد مدير عام شركة تسويق النفط العراقية "سومو" علي نزار الشطري أن العراق يمثل خياراً استراتيجياً لنقل الغاز القطري نحو تركيا والأسواق الأوروبية.

وبحسب الشطري، فإن الممرات المخصصة للأنابيب النفطية يمكن الاستفادة منها لإنشاء خطوط غاز، موضحاً أن أقصر طريق لنقل الغاز القطري براً باتجاه أوروبا يمكن أن يكون عبر العراق–تركيا أو العراق–سوريا.

ويقول الشطري إن المسارات الأخرى، ومنها قطر عبر السعودية والأردن ثم سوريا، تعني مسافات وتكاليف إضافية، وهي مسألة شديدة الأهمية في صناعة الطاقة التي يمكن أن يؤثر فيها حتى فرق بسيط في كلفة النقل على الجدوى التجارية للمشروع.

وأكد أن السياسة العراقية الحالية منفتحة على مرور هذه الأنابيب عبر أراضي البلاد بما يحقق مصالح مشتركة للعراق وقطر وتركيا والأسواق الأوروبية

تركيا تدخل على الخط

الطرح العراقي ليس منفصلاً عن تصور أوسع تعمل عليه أنقرة.

ففي 5 آب، تحدث وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي ألب أرسلان بيرقدار رسمياً عن مشروع لإنشاء خط نفطي يمتد من الحدود التركية إلى البصرة، على أن يُنشأ إلى جانبه مستقبلاً خط للغاز يسمح بنقل الغاز المنتج في قطر ودول الخليج عبر العراق إلى تركيا ثم أوروبا.

وقال بيرقدار إن أزمة هرمز أظهرت أن العالم بحاجة إلى مسارات بديلة، وإن الممر المقترح يمكن ألا يقتصر على النفط العراقي، بل يمكن استخدامه من قبل الكويت ودول خليجية أخرى ترغب في تقليل اعتمادها على المضيق.

ولم تبدأ الفكرة في آب فقط، إذ كانت وزارة الطاقة التركية قد أعلنت في نيسان أن مد خط للغاز الطبيعي من قطر باتجاه تركيا يمثل أحد المشاريع التي ترى أنقرة ضرورة دراستها ضمن "هندسة طاقة جديدة" فرضتها أزمة هرمز.

كركوك–جيهان.. البنية الأولى للممر الجديد

العراق لا يبدأ من الصفر تماماً.

ففي الأول من آب وقعت بغداد وأنقرة اتفاقاً لمدة عام لاستمرار تشغيل خط النفط العراقي–التركي، الذي ينتهي في ميناء جيهان على البحر المتوسط، بطاقة عبور متفق عليها تبلغ 750 ألف برميل يومياً، وتبلغ الطاقة التصميمية للخط نحو 1.5 مليون برميل يومياً، في حين كانت التدفقات الفعلية وقت الاتفاق بحدود 170 ألف برميل يومياً.

وتريد تركيا توسيع المنظومة وربطها مستقبلاً بحقول جنوب العراق، فيما تحدث بيرقدار عن إمكانية رفع الطاقة إلى ما بين مليوني و2.5 مليون برميل يومياً ومد خطوط جديدة باتجاه البصرة.

وبذلك يمكن أن يتحول المسار من خط مخصص أساساً لتصدير النفط العراقي إلى ممر طاقة إقليمي يمتد من الخليج إلى البحر المتوسط.

وهنا تكمن أهمية الغاز القطري؛ فالنفط يمكن نقله جزئياً بالشاحنات أو عبر خطوط متعددة، أما الغاز بكميات تجارية ضخمة فيحتاج إلى بنية تحتية ثابتة وطويلة الأمد، ما يجعل إنشاء خط قطري–عراقي–تركي تحولاً استراتيجياً وليس مجرد معالجة مؤقتة لأزمة الملاحة.

شيرواني: ليست كل دول الخليج بحاجة إلى العراق

لكن الخبير في شؤون الطاقة كوفند شيرواني يحذر من التعامل مع المشروع بوصفه حلاً صالحاً لجميع المنتجين الخليجيين.

ويرى شيرواني لـ"الاقتصاد نيوز" أن أزمة هرمز دفعت دول الخليج إلى دراسة بدائل طويلة الأمد، لكن أي مشروع جديد يجب أن يمر أولاً بدراسات هندسية وفنية واقتصادية تحدد كلفة إنشاء خطوط قد تمتد لمئات أو آلاف الكيلومترات.

ويشير إلى أن السعودية والإمارات تمتلكان بالفعل خيارات تسمح لهما بتجاوز هرمز بدرجات مختلفة.

وهذا يتوافق مع بيانات وكالة الطاقة الدولية التي تقول إن السعودية والإمارات هما الدولتان الخليجيتان اللتان تمتلكان حالياً خطوط نفط تشغيلية قادرة على تحويل جزء من الصادرات بعيداً عن المضيق، بينما تعتمد قطر والكويت والبحرين والعراق بدرجة أكبر على هرمز لصادراتها البحرية.

لذلك يرى شيرواني أن الغاز القطري هو الفرصة الأكثر أهمية للعراق.

فالدوحة لا تملك خط أنابيب برياً بديلاً يتيح تصدير أحجام صادراتها الحالية بعيداً عن هرمز، في حين أن المسار العراقي يمكن أن يربط الخليج مباشرة بالشبكة التركية ومنها بالقارة الأوروبية.

ماذا يكسب العراق؟

اقتصادياً، لا تقتصر المكاسب المحتملة على رسوم عبور الأنابيب.

فالعراق يستطيع، وفق تصور شيرواني، التفاوض للحصول على جزء من الغاز العابر لأراضيه، وهو ما يمكن أن يوفر مصدراً إضافياً للوقود لمحطات الكهرباء العراقية التي تحتاج إلى إمدادات مستقرة من الغاز.

كما يمكن إنشاء مرافق تخزين وضغط ومعالجة مرتبطة بالخط، إلى جانب جذب استثمارات في قطاع الطاقة وتحويل موقع العراق الجغرافي إلى مصدر دخل، بدلاً من بقائه دولة تعتمد في تصدير معظم نفطها على منفذ بحري واحد.

ويمنح المشروع بغداد أيضاً موقعاً جديداً في معادلة أمن الطاقة بين الخليج وتركيا وأوروبا؛ فبدلاً من أن يكون العراق مجرد منتج للنفط، يمكن أن يصبح دولة ترانزيت تمر عبرها إمدادات دول أخرى.

هل المشروع قريب؟

رغم الزخم السياسي، ما زالت هناك مسافة كبيرة بين الفكرة وبين تدفق أول متر مكعب من الغاز القطري داخل أنبوب يعبر العراق.

فالخط يحتاج إلى اتفاقات بين عدة دول، وتحديد نقطة دخوله إلى العراق ومساره وطاقته، وآليات التسعير ورسوم العبور والتمويل والضمانات الأمنية، فضلاً عن استثمارات بمليارات الدولارات وبنية تحتية تمتد لمئات الكيلومترات.

هرمز قد يفتح.. لكن الأزمة غيّرت الحسابات

وفي الوقت نفسه، تجري مفاوضات لإعادة الملاحة الطبيعية إلى مضيق هرمز. وقال مسؤول أميركي في 7 آب إن تقدماً تحقق بين إيران وعُمان وإن واشنطن تتوقع اتفاقاً قريباً قد يعيد حركة الشحن التجاري. إلا أن رويترز أشارت إلى أن محاولات سابقة لإعادة فتح المضيق لم تصمد طويلاً، وأن الخلافات بشأن إدارة الممر والرسوم والضمانات ما تزال قائمة.

وهذا يعني أن فتح هرمز، إذا تحقق، قد يعالج الأزمة الآنية، لكنه لن يلغي الدرس الذي خرجت به دول الخليج: الاعتماد على ممر بحري واحد لنقل جزء ضخم من صادرات الطاقة أصبح مخاطرة استراتيجية.

ومن هنا، قد تكون الأزمة الحالية نقطة تحول تدفع قطر إلى التفكير لأول مرة بجدية أكبر في منفذ بري دائم لغازها.

وبين الخليج والبحر المتوسط، يقدم العراق نفسه اليوم باعتباره أحد أقصر الخيارات.

فإذا تحولت التصريحات العراقية والتركية إلى اتفاق قطري وتمويل وخط أنابيب فعلي، لن يكون المشروع مجرد طريق لتجاوز هرمز، بل قد يعيد رسم موقع العراق في خريطة الطاقة الإقليمية، من دولة تبحث عن منافذ لتصدير نفطها إلى بوابة تعبر من خلالها طاقة الخليج نحو أوروبا.


ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام


مشاهدات 177
أضيف 2026/08/08 - 12:41 PM