
وضعت أزمة الملاحة في مضيق هرمز العراق أمام معادلة نفطية شديدة الحساسية: قدرة إنتاجية وتصديرية كبيرة في الجنوب، مقابل عدد محدود من الناقلات المستعدة لتحمل مخاطر العبور وكلف التأمين والشحن المرتفعة، ما دفع بغداد إلى تقديم خصومات كبيرة على خاماتها للحفاظ على تدفق الصادرات وتأمين الإيرادات.
الأرقام التي كُشف عنها داخل مجلس النواب ترسم حجم الضغوط التي تواجهها السوق النفطية العراقية. فقد أعلن مدير عام شركة تسويق النفط العراقية "سومو" علي نزار أن الطاقة التصديرية للعراق بلغت 4 ملايين و254 ألف برميل خلال يوم واحد في الشهر الحالي، بينما وصل الخصم إلى 26.5 دولاراً للبرميل من النفط المتوسط و28 دولاراً للبرميل من النفط الثقيل، وهي أرقام أكدها المحضر الرسمي لجلسة مجلس النواب الخاصة بأزمة الوقود.
وقال نزار إن عمليات البيع أصبحت مرتبطة بصورة مباشرة بعدد الناقلات القادرة على دخول الخليج والعبور عبر مضيق هرمز، موضحاً أن حجم الخصومات يتحدد وفق المنافسة والتفاوض مع الشركات التي تستطيع توفير ناقلات وتنفيذ التزاماتها خلال الأزمة.
وبذلك لم تعد المعادلة متعلقة بسعر البرميل في الأسواق العالمية فقط، بل أصبحت قدرة المشتري على توفير سفينة تتحمل المخاطر وكلفة الرحلة جزءاً أساسياً من تحديد السعر الذي يصل إلى الخزينة العراقية.
المطيري: 81 مليون دولار يومياً
النائب حيدر المطيري وضع القضية في إطار الخسائر المباشرة، مستنداً إلى الأرقام التي عرضها مسؤولو وزارة النفط أمام البرلمان.
وقال المطيري لـ"الاقتصاد نيوز" إن معدل الخصم يتراوح حالياً بين 27 و28 دولاراً للبرميل، مضيفاً: "إذا مشينا على الحد الأدنى، 27 دولاراً في 3 ملايين برميل، باليوم الواحد خسارتنا 81 مليون دولار".
ووفق هذه المعادلة، يبلغ الفارق نحو 2.43 مليار دولار خلال 30 يوماً، وهو ما دفع المطيري إلى التساؤل عن أسباب عدم توجه وزارة النفط في السنوات الماضية إلى بناء أو شراء أسطول من ناقلات الخام.
وقال: "بشهر ونصف نقدر نشتري ناقلات.. أين الاقتصادية بهذا الموضوع؟ لماذا لم تفكر الوزارة بشراء ناقلات نفط؟"، معتبراً أن امتلاك العراق ناقلاته الخاصة كان سيمنحه قدرة أكبر على التعامل مع الأزمة وتقليل الاعتماد على الشركات الأجنبية.
وتكتسب تساؤلات المطيري أهمية إضافية في ضوء ما نقلته رويترز عن مصادر نفطية بأن تعافي الصادرات العراقية خلال الأشهر الأخيرة ظل مقيداً، بين عوامل أخرى، بـعدم امتلاك العراق أسطولاً كافياً من الناقلات، في وقت استفادت فيه شركات ودول أخرى من أساطيلها وقدرتها على التعامل مع مخاطر الملاحة.
لكن امتلاك ناقلات لا يلغي وحده أزمة هرمز؛ فالناقلة العراقية ستظل بحاجة إلى العبور من المضيق وتحمل مخاطر التأمين والحماية. إلا أن امتلاك أو استئجار أسطول أكبر يمكن أن يقلل اعتماد "سومو" على مجموعة محدودة من المشترين الذين يملكون حالياً قدرة تفاوضية مرتفعة بسبب شح السفن.
شيرواني يحذر من نزف الإيرادات
الخبير في شؤون الطاقة كوفند شيرواني حذر بدوره من أن ارتفاع مخاطر الملاحة والنقل عبر هرمز انعكس مباشرة على العائدات العراقية، مؤكداً أن بغداد لم تكن في الظروف الاعتيادية مضطرة إلى منح خصومات بهذا الحجم.
وقال شيرواني، لـ"الاقتصاد نيوز"، إن معدل الصادرات العراقية خلال أيلول يدور حول 2.6 مليون برميل يومياً، منها قرابة 2.4 مليون برميل عبر موانئ البصرة ونحو 200 ألف برميل عبر الشمال.
وأوضح أنه إذا خضعت 2.4 مليون برميل مصدرة من الجنوب لخصم مقداره 20 دولاراً للبرميل، فإن العراق سيتحمل تراجعاً كبيراً في الإيرادات.
وأظهرت بيانات تتبع السفن التي نقلتها رويترز أن صادرات العراق كانت تدور حول مليوني برميل يومياً في منتصف أيلول. كما أن بعض السفن تعبر المنطقة وأجهزة التتبع لديها مغلقة، ما يجعل بيانات الحركة البحرية نفسها غير مكتملة تماماً.
الخصومات ليست افتراضية.. صفقات بعشرات الملايين من البراميل
الأرقام التي أعلنتها "سومو" تتقاطع مع بيانات السوق الفعلية. فقد كشفت رويترز أن شركة "أدنوك" الإماراتية اشترت 32 مليون برميل من الخام العراقي لشهر آب بخصومات تراوحت بين 24.90 و27 دولاراً للبرميل، كما تعاقدت على 40 مليون برميل إضافي في أيلول، بينها شحنات بخصم بلغ 25 دولاراً.
ودخلت شركات أخرى، بينها شركات صينية وتوتال إنرجي وفيتول وترافيغورا ومركوريا، على شراء الخام العراقي مستفيدة من الخصومات الكبيرة التي طرحتها "سومو".
وهذا يعني أن الحديث عن فارق يتجاوز 25 دولاراً للبرميل لم يعد سيناريو نظرياً، بل ظهر فعلياً في صفقات نفط عراقية خلال آب وأيلول.
لماذا وصلت الخصومات إلى هذه المستويات؟
السبب الرئيس لا يتعلق بنوعية الخام العراقي بقدر ما يرتبط بالتكلفة الاستثنائية للوصول إليه ونقله إلى الأسواق.
الأزمة رفعت أجور ناقلات النفط العملاقة بصورة حادة. وبحسب رويترز، تجاوزت الأسعار الفورية لاستئجار بعض ناقلات الخام العملاقة 500 ألف دولار يومياً خلال 2026، مقارنة بنحو 132 ألف دولار في شباط، فيما تجاوزت كلفة بعض عمليات النقل في المنطقة 30 دولاراً للبرميل.
وعندما تكون عملية البيع مرتبطة بالمشتري الذي يوفر الناقلة، ترتفع قدرته على طلب تخفيض في سعر الخام لتعويض كلفة السفينة والتأمين والمخاطر الأمنية وتأخر الرحلات.
ومن هنا تتحول أزمة النقل سريعاً إلى خصم على البرميل العراقي.
هرمز.. شريان العراق النفطي
مشكلة العراق أكثر تعقيداً من عدد من المنتجين الخليجيين، لأن معظم صادراته الجنوبية لا تمتلك حتى الآن ممراً بديلاً واسع الطاقة عن الخليج.
وتظهر بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن مضيق هرمز كان يمر عبره في النصف الأول من 2025 نحو 20.9 مليون برميل يومياً من النفط والمنتجات النفطية، بما يعادل نحو 20% من الاستهلاك العالمي للسوائل النفطية، فضلاً عن كونه ممراً رئيساً للغاز الطبيعي المسال.
لكن الحرب قلبت المشهد. فقد هبط متوسط تدفقات النفط والمنتجات عبر هرمز من أكثر من 21 مليون برميل يومياً أواخر 2025 إلى نحو 4.9 ملايين برميل يومياً في الربع الثاني من 2026، وفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية.
وخلال عطلة نهاية الأسبوع الأخيرة، رصدت بيانات الشحن عبور 17 سفينة سلع فقط للمضيق، مقارنة بـ37 في الأسبوع السابق، في حين كان المتوسط قبل الحرب يقارب 125 سفينة يومياً.
العراق دفع الثمن مبكراً
أزمة هرمز لم تبدأ خسائرها عند الخصومات الحالية، بل ضربت الإنتاج العراقي منذ الأشهر الأولى للحرب.
ففي آذار الماضي، تراجع إنتاج العراق من نحو 4.2 ملايين برميل يومياً إلى قرابة 1.2 مليون برميل مع تعطل الملاحة، وهو ما دفع مؤسسات التصنيف الائتماني إلى التحذير من انعكاسات الأزمة على المالية العامة العراقية.
وفي أيار، ظل الإنتاج عند نحو 1.48 مليون برميل يومياً، قبل أن تبدأ الصادرات بالتعافي تدريجياً خلال الصيف.
وتظهر حساسية الاقتصاد العراقي للأزمة بوضوح، إذ تشكل الإيرادات النفطية نحو 90% أو أكثر من إيرادات الدولة وصادراتها بحسب تقديرات مؤسسات التصنيف، لذلك فإن أي تراجع في عدد البراميل المصدرة أو السعر المحقق لها ينتقل سريعاً إلى قدرة الخزينة على تمويل الرواتب والنفقات والمشاريع.
بغداد تبحث عن مخارج
أمام هذا الاختناق، بدأت وزارة النفط بتوسيع خياراتها بعيداً عن المسار الجنوبي.
فالصادرات من شمال العراق باتجاه ميناء جيهان التركي تدور حالياً حول 200 ألف برميل يومياً، بعدما كانت قرابة 250 ألفاً قبل الحرب، فيما نفذت الوزارة في أيلول تجربة لنقل نفط الجنوب بالشاحنات إلى كركوك لرفده بالمنظومة الشمالية، ونُقل خلال يومين نحو 38 ألف برميل بواسطة 209 شاحنات.
كما أعلنت الوزارة في وقت سابق خطة لرفع طاقة التصدير عبر المنظومة الشمالية إلى 250 ألف برميل يومياً، إلى جانب التوجه لتسويق النفط الخام والنفط الأسود والنفثة عبر تركيا والأردن وسوريا.
وكان العراق قد بدأ كذلك التحرك باتجاه الموانئ السورية، مع خطة أولية تحدثت عنها مصادر عراقية وسورية لتصدير نحو 50 ألف برميل يومياً من الخام عبر سوريا، في محاولة لبناء مسارات لا تعتمد كلياً على هرمز.
لكن هذه الطاقات تبقى حتى الآن محدودة جداً قياساً بملايين البراميل التي تستطيع الحقول الجنوبية إنتاجها وتصديرها.
وتلتقي تصريحات علي نزار وحيدر المطيري وكوفند شيرواني عند نقطة واحدة: مخاطر هرمز لم تعد ملفاً خارجياً بالنسبة للعراق، بل تحولت إلى كلفة يومية مباشرة على كل برميل يصدر من الجنوب.
وبينما تعتمد "سومو" حالياً على الخصومات لجذب المشترين القادرين على توفير الناقلات، يفتح المطيري ملف غياب أسطول وطني قوي لناقلات الخام، فيما يحذر شيرواني من أن استمرار هذا الواقع سيؤدي إلى استنزاف جزء مهم من الإيرادات حتى مع ارتفاع أسعار النفط عالمياً.
والتحدي بالنسبة لبغداد لا يقتصر على عبور الأزمة الحالية، بل يتمثل في ما إذا كانت ستخرج منها بخطة طويلة الأجل تشمل زيادة أسطول ناقلات الخام، وتوسيع طريق جيهان، وإنشاء منافذ بديلة عبر المتوسط، ورفع قدرات التخزين، وتقليل اعتماد صادرات الجنوب على ممر بحري واحد؛ لأن تجربة 2026 أظهرت أن امتلاك احتياطيات وإنتاج كبيرين لا يكفي وحده إذا تعثر الطريق بين الحقل والمشتري.
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام