العراق يعمل بكلية واحدة

الاقتصاد نيوز - بغداد

قبل سنوات، وخلال إحدى المقابلات التلفزيونية، قلت جملة خرجت يومها على نحو عابر، لكنها بقيت تلاحقني كلما تأملت واقع الاقتصاد العراقي. قلت إن “العراق يعمل بكلية واحدة.” ولم أكن أقصد بها مجرد استعارة لغوية، بل كنت أحاول وصف حالة بلد اختارته الجغرافيا ليكون غنياً بكل شيء تقريباً، بينما اختارت السياسات أن تجعل اقتصاده معلقاً بخيط واحد. وكلما مر الوقت، ازددت اقتناعاً بأن هذه العبارة لم تكن مبالغة، بل كانت توصيفاً دقيقاً لحقيقة نعيشها جميعاً.

فالإنسان الذي يعيش بكلية واحدة يستطيع أن يعمل، وأن يسافر، وأن يبتسم، وقد لا يشعر بأي مشكلة لسنوات طويلة، لكنه يعرف في داخله أن هامش الأمان لديه أصبح أضيق، وأن أي أزمة صحية قد تتحول إلى امتحان حقيقي. وهذا تماماً ما أشعر أن العراق يعيشه اليوم. فنحن نبدو بخير ما دامت أسعار النفط مرتفعة، ونطمئن ما دامت الإيرادات تتدفق، لكن هذا الاطمئنان يشبه الطمأنينة المؤقتة التي يمنحها غياب المرض، لا اكتمال العافية.

العراق ليس بلداً فقيراً حتى يبحث عن معجزة تنقذه، بل هو من أكثر البلدان التي أنعم الله عليها بالثروات. لدينا النفط، ولدينا المياه، ولدينا الأراضي الزراعية، ولدينا موقع جغرافي يستطيع أن يحول العراق إلى عقدة اقتصادية تربط الشرق بالغرب، ولدينا شباب أثبتوا في كل مكان أنهم قادرون على النجاح متى ما توفرت لهم الفرصة. ومع ذلك كله، ما زلنا نطلب من النفط أن يقوم بكل الأدوار؛ أن يمول الدولة، ويحرك الأسواق، ويخلق الوظائف، ويطمئن المستثمرين، ويحافظ على الاستقرار المالي، ويضمن مستقبل الأجيال. وأي مورد، مهما بلغت قيمته، لا يستطيع أن يحمل وحده أحلام شعب بأكمله.

لهذا السبب، فإن انخفاض أسعار النفط لا يبدأ أثره في وزارة المالية، ولا ينتهي عند أرقام الموازنة. أثره الحقيقي يبدأ في بيت المواطن. يبدأ عندما يجلس الأب يفكر في راتبه، وعندما يؤجل الشاب مشروعاً كان يحلم بإطلاقه، وعندما تتراجع حركة الأسواق فيشعر التاجر أن الناس أصبحت أكثر حذراً في الإنفاق، وعندما يتردد المستثمر في ضخ أمواله لأنه لا يرى اقتصاداً يتحرك بثقة، بل اقتصاداً ينتظر كل صباح خبراً جديداً عن أسعار النفط في الأسواق العالمية. عندها ندرك أن القضية لم تكن يوماً قضية برميل نفط، وإنما قضية إنسان يريد أن يشعر بأن مستقبله لا يتغير كلما تغيرت أسعار سلعة يبيعها وطنه.

ومن هنا، فإن الحديث عن تنويع الاقتصاد ليس ترفاً فكرياً، ولا شعاراً اقتصادياً يتكرر في المؤتمرات، بل هو حديث عن كرامة الإنسان واستقرار حياته. فكل مصنع يُبنى يعني عائلة جديدة تجد مصدر رزقها، وكل مزرعة تعود إلى الإنتاج تعني قرية تتمسك بأبنائها، وكل شركة ناشئة تنجح تعني شاباً قرر أن يبني مستقبله في العراق بدل أن يبحث عنه في مكان آخر. الاقتصاد، في جوهره، ليس أرقاماً في جداول، بل قصص بشر يحاولون أن يعيشوا بكرامة وأن يطمئنوا إلى الغد.

العراق يحتاج إلى اقتصاد يحمي الإنسان قبل أن يحمي الموازنة. اقتصاد يمنح الشاب فرصة ليؤسس مشروعاً، ويمنح المستثمر ثقة ليبقى، ويمنح صاحب العمل القدرة على التوسع، ويمنح الأسرة شعوراً بأن الغد لن يكون رهينة لتقلبات سوق النفط. فالاستقرار الاقتصادي ليس رقماً في تقرير، بل حالة طمأنينة يشعر بها الناس عندما يخططون لحياتهم بثقة، ويعرفون أن تعبهم هو الذي يصنع مستقبلهم، لا الحظ ولا تقلبات الأسواق العالمية.

ولهذا، فإن الإصلاح الاقتصادي ليس مشروعاً مالياً فحسب، بل مشروع كرامة وطنية. مشروع يعيد بناء العلاقة بين المواطن والدولة على أساس الإنتاج، لا الريع، وعلى أساس الفرصة، لا الانتظار. فكل دينار يُستثمر في الصناعة أو الزراعة أو التكنولوجيا أو التعليم، هو استثمار في استقرار المجتمع قبل أن يكون استثماراً في الاقتصاد.

العراق يحتاج إلى رؤية تمتد لعشرين عاماً، لا إلى حلول تمتد حتى نهاية السنة المالية. رؤية تكتبها الدولة بكل مؤسساتها؛ الحكومة، والقطاع الخاص، والجامعات، والقطاع المالي، والخبراء، لأن مستقبل العراق أكبر من أن تصنعه حكومة واحدة، وأهم من أن يتغير مع كل دورة سياسية. فالتنمية ليست قراراً مؤقتاً، وإنما مسار طويل يحتاج إلى صبر، وثبات، وإيمان بأن الأوطان تُبنى بالتراكم، لا بردود الأفعال.

واليوم يقف العراق أمام فرصة قد لا تتكرر بسهولة. طريق التنمية، والمدن الصناعية، والإصلاحات المصرفية، والتحول الرقمي، والاستثمارات الجديدة، جميعها تستطيع أن تكون بداية مرحلة مختلفة، إذا اجتمعت داخل رؤية واحدة هدفها بناء اقتصاد متنوع، قادر على الإنتاج، وعلى خلق فرص العمل، وعلى منح العراقيين الثقة بأن مستقبلهم يُصنع هنا، لا في أسواق العالم وحدها.

لقد علمتنا تجارب الشعوب أن الثروات تفتح الأبواب، لكنها لا تبني الأوطان وحدها. الأوطان تبنيها الإرادة، والعمل، والعلم، والمؤسسات، والناس عندما يشعرون أن وطنهم يمنحهم فرصة عادلة ليحلموا، ثم يمنحهم الأدوات ليحققوا ذلك الحلم.

وأنا ما زلت أؤمن أن العراق قادر على ذلك. ليس لأن النفط سيزداد، بل لأن العراقي، كلما مُنح فرصة حقيقية، أثبت أنه أكبر من الأزمات، وأقدر من الظروف، وأكثر إصراراً على الحياة.

لقد آن الأوان أن يعمل العراق بكامل طاقته…

لأن أوطاناً بحجم العراق، وأحلاماً بحجم العراقيين، لا يليق بها أن تعيش بكلية واحدة


ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام


مشاهدات 101
أضيف 2026/07/31 - 3:12 PM