حين يصبح رد المال بديلاً عن العقوبة..  "النظام في خطر قانوني"   الإقتصاد نيوز   كمينٌ مُحكمٌ للنزاهة يُطيح بمتهمين حاولا تمرير (٨.٥) أطنانٍ من الموادِّ الطبيَّة خلافاً للقانون   الإقتصاد نيوز   باكستان: إحراز تقدم في مفاوضات التجارة المتبادلة مع أميركا   الإقتصاد نيوز   وزير الموارد المائية يصل إلى سدة الهندية ويترأس اجتماعاً لبحث شح المياه والتلوث البيئي   الإقتصاد نيوز   أسعار النفط تسجل مكاسب أسبوعية حادة.. وبرنت يتجاوز 76 دولاراً   الإقتصاد نيوز   العراق يستقبل سفناً عملاقة محملة بمعدات نفطية   الإقتصاد نيوز   كتلة نيابية تطالب الزيدي ببحث أموال العراق المجمدة في الحسابات الأمريكية   الإقتصاد نيوز   موسكو.. أول حفل زفاف بين روبوتين يثير الدهشة   الإقتصاد نيوز   وزارة المالية: تسديد مستحقات المحكومين يجب أن يضمن استيفاء كامل حقوق الخزينة   الإقتصاد نيوز   عراقجي: الخزانة الأميركية انتهكت الفقرة 9 من مذكرة التفاهم   الإقتصاد نيوز  
حين يصبح رد المال بديلاً عن العقوبة..  "النظام في خطر قانوني"

الاقتصاد نيوز - بغداد

دكتور هيثم حميد مطلك المنصور

ليست المشكلة في أن تسترد الأموال العامة التي سرقت، فاستردادها واجب قانوني وأخلاقي يحفظ حق المجتمع ويعيد جزءًا من موارده. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول استرداد المال إلى نهاية القضية، وكأن الجريمة لم تكن سوى معاملة مالية قابلة للتسوية، لا اعتداءً على الدولة والمجتمع وسيادة القانون.

لا يتمثل الفساد في ضياع الأموال فحسب، بل في تقويض الثقة بالمؤسسات وإضعاف هيبة الدولة وتشويه المنافسة الاقتصادية وإهدار فرص التنمية. لذلك فإن إعادة الأموال، على أهميتها، لا تمحو آثار الجريمة ولا تعوض ما ترتب عليها من خسائر مادية ومعنوية. فالطريق الذي كان يمكن أن يُبنى، والمستشفى الذي تأخر، والمدرسة التي لم تنجز، والوظائف التي ضاعت، كلها أضرار لا يمكن استردادها بمجرد إعادة الأموال.

ومن منظور اقتصادي، فإن الاكتفاء باسترداد الأموال يخلق حافزًا خطيرًا للفساد. فإذا كان السارق يعلم أن أقصى ما قد يخسره عند انكشاف أمره هو إعادة ما سرقه، فسيتحول الفساد إلى مقامرة منخفضة الكلفة وعالية العائد. فإن نجح احتفظ بالغنيمة، وإن فشل أعادها فقط. وفي هذه الحالة تنتفي وظيفة الردع التي تقوم عليها العقوبة، ويتحول القانون من وسيلة لحماية المجتمع إلى آلية لتسوية المخالفات.

أما العدالة، فلا يمكن  تحقيقها باسترداد الحقوق وحده ، بل بمحاسبة من انتهكها. فالدول التي نجحت في مكافحة الفساد لم تكتفِ باستعادة الأموال، وإنما ربطت ذلك بعقوبات جنائية وإدارية ومدنية، ومنعت المدانين من العودة إلى المناصب العامة، لأن الغاية ليست الانتقام، بل حماية النظام العام وترسيخ الثقة بسيادة القانون.

إن أخطر ما يمكن أن يواجه أي نظام سياسي ليس وجود الفساد بحد ذاته، فالفساد موجود بدرجات متفاوتة في معظم دول العالم، وإنما أن تصبح مكافحة الفساد مجرد استرداد للأموال دون مساءلة حقيقية. عندها تتحول الرسالة الموجهة إلى المجتمع من أن "السرقة جريمة" إلى أن "السرقة مخاطرة يمكن تسويتها إذا انكشف أمرها".

إن الدولة التي تريد بناء مؤسسات قوية لا يكفيها أن تستعيد المال العام، بل يجب أن تثبت أن الاعتداء عليه له ثمن قانوني واضح لا يمكن الإفلات منه. فاسترداد الأموال يعيد جزءًا من الحق، أما العقوبة العادلة فهي التي تحمي المستقبل، وتردع من يفكر في تكرار الجريمة، وتؤكد أن القانون لا يكتفي بإرجاع المال، بل يصون هيبة الدولة وكرامة المجتمع.


ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام


مشاهدات 38
أضيف 2026/07/11 - 12:42 PM