تطوير سلسلة النفط النهائية هو مفتاح التنمية المستدامة والتوظيف

يحتل العراق المرتبة الخامسة عالمياً من حيث احتياطيات النفط المؤكدة، والتي تبلغ 145 مليار برميل. يبلغ إنتاج العراق اليومي من النفط الخام حالياً حوالي 4.3 مليون برميل، ويتم تصدير ما يقرب من 3.3 مليون برميل منها إلى الأسواق العالمية. لكن هذا التدفق ليس سوى جانب واحد من العملة؛ الجانب الآخر هو صورة بلد، على الرغم من هذه الثروة الأسطورية، يعتمد على الواردات لتلبية أبسط احتياجاته من الوقود والصناعة، وبدلاً من أن يجلب القيمة المضافة وفرص العمل للشعب العراقي، فقد أهداها لدول أخرى.
في قطاع المنتجات النفطية، الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك في العراق عميقة ومثيرة للقلق. تجاوزت القدرة الاسمية الإجمالية لمصافي النفط العراقية - بما في ذلك الدورة، البصرة، بيجي، الناصرية، ومصفاة كربلاء المطورة حديثاً - على الورق اليوم مليون برميل يومياً. ولكن بسبب تقادم بعض الوحدات، والإصلاحات المتكررة، ونقص تقنيات التكسير الحديثة، وكذلك الطلب المحلي، لا يزال الإنتاج الفعلي للمنتجات متخلّفاً عن احتياجات السوق. على الجانب الآخر، وصل الاستهلاك اليومي للبنزين في العراق إلى حوالي 35 مليون لتر يومياً، متأثراً بالنمو السكاني المتسارع، وزيادة عدد السيارات، ونقص نظام النقل العام الفعال، وتهريب الوقود. إن الإنتاج المحلي للبنزين، مع كل التطورات التي حدثت، لا يلبي سوى جزء من هذا الطلب الذي لا يشبع. نتيجة هذا الخلل التاريخي هي استيراد ملايين اللترات من البنزين والديزل بتكلفة، وفقاً لإحصاءات الجمارك وتقارير وزارة النفط، تلتهم مليارات الدولارات من احتياطيات العملة الأجنبية للبلاد سنوياً.
يُصدّر العراق نفطه الخام بالسعر العالمي – الذي يتراوح حالياً بين 75 و 85 دولاراً للبرميل – لكنه يستورد نفس برميل النفط كمنتج بسعر أعلى بكثير بعد تحويله إلى بنزين في مصافي الدول الأخرى، مضافًا إليه تكاليف الشحن وهوامش الربح. هذا بالضبط مثل المزارع الذي يبيع قمح حقله ثم يشتري الخبز من السوق بأسعار مضاعفة لإطعام عائلته.
لكن الكارثة لا تقتصر على البنزين والديزل. ففي قطاع البتروكيماويات والبوليمرات، يتجلى هذا التناقض بشكل مزعج. يصدر العراق، خاصة من الحقول الجنوبية، كميات كبيرة يومياً من النفتا والبروبان والبيوتان – وهي المواد الخام الرئيسية للصناعات البتروكيماوية. تُشحن هذه المواد الخام من البصرة إلى أسواق آسيا وأوروبا لتغذية المجمعات البتروكيماوية الضخمة في الصين والهند وأوروبا. لكن في المقابل، تضطر الصناعات المحلية العراقية إلى الاستيراد لتلبية احتياجاتها من البوليمرات البسيطة وشائعة الاستخدام. البولي إيثيلين الذي يستخدم في إنتاج جميع أنواع الأكياس البلاستيكية، وأنابيب المياه، وتغليف المواد الغذائية، والبولي بروبيلين الذي هو المادة الخام لتصنيع الأوعية ذات الاستخدام الواحد، وقطع غيار السيارات، والألياف الاصطناعية، وحتى البولي فينيل كلوريد (PVC) الذي يستخدم في أنابيب الصرف الصحي والقطاعات الإنشائية، كلها مدرجة في قائمة واردات العراق الطويلة. هذا في حين أن عملية إنتاج هذه البوليمرات – خاصة في الدرجات العامة – لا تعتبر من أعقد التقنيات البتروكيماوية، وكان بإمكان العراق، بامتلاكه للمواد الخام الرخيصة، أن يصبح بسهولة منتجاً وحتى مصدراً إقليمياً لها. بدلاً من ذلك، يتم استيراد الجزء الأكبر من هذه المنتجات من دول أخرى، مما يصب مليارات الدولارات الإضافية من رأس المال الوطني في جيوب صناعات الدول الأخرى.
لهذه الدورة المفرغة عواقب متعددة، كل واحدة منها كافية لإطلاق ناقوس الخطر لاقتصاد أي بلد. أولاً، يؤدي التدفق المستمر للعملة الأجنبية خارج البلاد لشراء منتجات تستورد موادها الخام من الأراضي العراقية نفسها إلى عجز كبير في الميزان التجاري غير النفطي، مما يجعل قيمة الدينار أكثر هشاشة أمام الدولار. ثانياً، مع استيراد المنتجات النهائية، تُحرم الشباب العراقي من فرصة خلق آلاف الوظائف المباشرة وغير المباشرة في صناعات التكرير والبتروكيماويات والصناعات التكميلية. ثالثاً، هذا الاعتماد على الواردات يجعل أمن الطاقة في البلاد هشاً وعرضة بشدة لأي توترات إقليمية أو تقلبات في أسعار الصرف. رابعاً، وربما الأكثر مرارة، يرسل هذا النمط رسالة إلى المستثمرين المحليين والأجانب مفادها أن العراق قرر أن يظل "مصدراً للمواد الخام ومستورداً للمنتجات المصنعة.
ماذا يجب أن نفعل؟
يتطلب كسر هذه الدورة الخبيثة ضخاً مستهدفاً للاستثمار في الصناعات التحويلية للنفط والغاز. فبدلاً من تصدير النفط والغاز المسال الخام، يمكن للعراق أن يصبح منتجاً للبولي إيثيلين والبولي بروبيلين والـ PVC من خلال بناء وحدات بتروكيماوية متكاملة بالقرب من الحقول الجنوبية، بل ويمكنه التصدير إلى الأسواق الإقليمية. بالإضافة إلى ذلك، يضمن تطوير مصافي التكرير الخارجية في البلدان المستوردة أن تعود أرباح المعالجة إلى العراق. إن وقف حرق الغاز وجمع الغازات المصاحبة من خلال الشراكة مع الشركات الدولية لا يقلل فقط من واردات الغاز والكهرباء، بل يوفر أيضاً مواد خام رخيصة ومستقرة لهذه الصناعات الناشئة. كل دولار يُنفق اليوم على هذه البنى التحتية سيمنع غداً استيراد المنتجات باهظة الثمن وخروج العملة الأجنبية، وسيخلق آلاف الوظائف للشباب العراقي.
الخلاصة
في النهاية، يجب أن نسأل أنفسنا: إذا لم يتمكن العراق غداً، بسبب أزمة عالمية أو عقوبات أو أي عامل آخر، من تصدير النفط الخام، فهل سيكون قادراً على توفير البنزين لسياراته، والديزل لمولداته، والأكياس البلاستيكية التي يحتاجها؟ الإجابة على هذا السؤال سلبية حالياً، ولكن يمكن تغيير هذه الإجابة؛ بشرط أن يُنظر إلى آبار النفط ليس كغطاء للكسل الصناعي، بل كمنصة انطلاق نحو التنمية المستدامة.


ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام


مشاهدات 52
أضيف 2026/06/30 - 4:51 PM