
في ظل التحذيرات المتصاعدة من تفاقم أزمة الكهرباء خلال صيف 2026، تتجه الحكومة العراقية إلى تعزيز دور المولدات الأهلية بوصفها الخيار الأكثر واقعية لتقليل ساعات الانقطاع وتخفيف الضغوط على المواطنين، وذلك عبر توفير الوقود المدعوم وضمان استمرارية تشغيلها لساعات طويلة.
وكان مجلس الوزراء قد وافق على تجهيز المولدات الأهلية بواقع 40 لتراً من مادة الغاز أويل لكل كيلو فولت وبسعر مدعوم يبلغ 200 دينار للتر الواحد بدلاً من 400 دينار، ولمدة ثلاثة أشهر، في خطوة تهدف إلى الحفاظ على استقرار أجور الاشتراكات وضمان استمرار الخدمة خلال ذروة الطلب الصيفي.
تحذيرات دولية من صيف صعب
وتأتي هذه الإجراءات في وقت حذرت فيه منصة "طاقة" العالمية من تفاقم أزمة الكهرباء في العراق نتيجة استمرار الاعتماد الكبير على الغاز الإيراني الذي باتت إمداداته تواجه تحديات متزايدة بسبب التطورات السياسية والإقليمية.
وأشارت المنصة إلى أن العراق يحتاج إلى نحو 40 غيغاواط من الكهرباء لتلبية الطلب المحلي، في حين لا تزال القدرات المتاحة أقل من الحاجة الفعلية، ما يهدد بزيادة ساعات الانقطاع خلال أشهر الصيف.
وتُظهر بيانات القطاع أن الطلب على الكهرباء تجاوز 55 ألف ميغاواط يومياً، بينما يتراوح الإنتاج الفعلي بين 16 و17 ألف ميغاواط فقط، الأمر الذي يضع المنظومة الكهربائية أمام ضغوط تشغيلية كبيرة.
وفي هذا السياق أكد المتحدث الرسمي باسم وزارة النفط، سليم الركابي، أن الوزارة تواصل جهودها لضمان توفير الوقود اللازم لمحطات الكهرباء والمولدات الأهلية.
وقال الركابي لـ"الاقتصاد نيوز" إن "وزارة النفط تحرص كل الحرص على إيصال جميع المشتقات النفطية اللازمة لتغذية محطات الطاقة الكهربائية وإدامة عملها، فضلاً عن تجهيز المولدات السكنية بكامل احتياجاتها من الوقود وبالأسعار المدعومة دعماً للمواطنين الكرام".
وأوضح أن شركة توزيع المنتجات النفطية تمتلك هيئة متخصصة تسمى "هيئة التجهيز"، تتولى الإشراف الكامل على عمليات تجهيز الوقود لجميع المستهلكين ومتابعة انسيابية التوزيع وضمان وصول الكميات المقررة إلى الجهات المستفيدة.
وأضاف أن الشركة تمتلك أيضاً هيئة رقابية أخرى هي "هيئة التفتيش"، وتتولى مهمة متابعة استلام الكميات المخصصة والتأكد من عدم المتاجرة بها أو التلاعب أو الغش في عمليات التوزيع.
وأشار الركابي إلى أن الجهات المختصة في الوزارة تتخذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق المخالفين في حال رصد أي تجاوزات تتعلق بعمليات التجهيز والتوزيع، مؤكداً استمرار الرقابة الميدانية لضمان وصول الوقود إلى مستحقيه والمحافظة على استقرار تجهيز الطاقة والخدمات المقدمة للمواطنين.
خبراء الطاقة: المولدات ستتحمل العبء الأكبر
من جانبه يرى الخبير في شؤون الطاقة كوفند شيرواني أن المولدات الأهلية ستكون العنصر الأهم في مواجهة أزمة الكهرباء خلال الأشهر المقبلة.
وأكد شيرواني لـ"الاقتصاد نيوز" أن تراجع إنتاج الطاقة الكهربائية الوطنية إلى أقل من 18 ألف ميغاواط، مقابل طلب يتجاوز 50 ألف ميغاواط خلال أشهر الصيف، سيؤدي بالضرورة إلى زيادة الاعتماد على المولدات الأهلية لتعويض النقص الحاصل في تجهيز الكهرباء الوطنية.
وأوضح أن توجيه الحكومة ووزارة الكهرباء لأصحاب المولدات الأهلية بتشغيل مولداتهم لمدة تصل إلى 20 ساعة يومياً يمثل إجراءً مهماً للتخفيف من آثار الانقطاعات المتوقعة في التيار الكهربائي، خصوصاً مع ارتفاع درجات الحرارة وزيادة الاستهلاك خلال فترة الذروة الصيفية.
وأضاف أن توفير حصص من مادة الغاز أويل للمولدات الأهلية يسهم في الحد من الأعباء المالية على المواطنين ويمنع ارتفاع أسعار الاشتراكات، فضلاً عن ضمان استمرار تشغيل المولدات لساعات أطول مقارنة بالفترات السابقة.
وأشار إلى أن نجاح هذه الخطة يعتمد بصورة أساسية على انسيابية تجهيز الوقود واستمراره طوال أشهر الصيف، معرباً عن أمله في أن يمتد دعم المولدات خلال شهر آب أيضاً نظراً لاستمرار الحاجة المرتفعة للطاقة الكهربائية خلال تلك الفترة.
وبيّن شيرواني أن المولدات الأهلية تؤدي دوراً أساسياً في تعويض النقص الحاصل في منظومة الكهرباء الوطنية وتخفيف الأضرار التي قد تلحق بالمواطنين والأنشطة الاقتصادية والخدمية، إلا أنها تبقى حلاً مؤقتاً لمعالجة الأزمة.
وأكد أن الحل الدائم يتطلب إصلاحات شاملة في قطاع الكهرباء تشمل زيادة قدرات التوليد وتطوير شبكات النقل والتوزيع وتحسين كفاءة المنظومة الكهربائية، بما يضمن تقليل الاعتماد على المولدات وتحقيق استقرار مستدام في تجهيز الطاقة الكهربائية.
تحديات إضافية تضغط على قطاع الطاقة
وتتزامن أزمة الكهرباء الحالية مع تراجع إمدادات الغاز الإيراني إلى نحو 15 مليون متر مكعب يومياً بعد أن كانت بحدود 20 مليون متر مكعب، ما يزيد المخاوف من فقدان جزء من الطاقة المنتجة في حال استمرار الانخفاض أو حدوث انقطاع كامل للإمدادات.
كما تعرض القطاع الكهربائي خلال الفترة الماضية إلى عدة انتكاسات تمثلت بتأجيل مشروع الغاز المسال الذي تنفذه شركة إكسيليريت إنرجي الأميركية إلى عام 2027، وتأجيل مشروع الربط الكهربائي الخليجي، فضلاً عن تعثر الربط مع تركيا، ما أضعف البدائل المتاحة أمام الحكومة لمعالجة النقص الحالي.
تراجع الصادرات النفطية يضاعف التحديات
وتواجه الحكومة تحدياً إضافياً يتمثل في تراجع الصادرات النفطية بعد توقف التصدير عبر موانئ البصرة، الأمر الذي أدى إلى فقدان نحو 3.3 مليون برميل يومياً، أي ما يعادل قرابة 94% من إجمالي الصادرات النفطية العراقية.
وأصبح خط الأنابيب الواصل إلى ميناء جيهان التركي المنفذ التصديري الأكثر أهمية في المرحلة الحالية، إلا أن طاقته التشغيلية الحالية لا تتجاوز نحو 250 ألف برميل يومياً، رغم إمكانية رفعها إلى نحو مليون برميل يومياً في حال استكمال المتطلبات الفنية والتشغيلية اللازمة.
كما يواصل المختصون طرح مشاريع استراتيجية لإنشاء منافذ تصدير إضافية، من بينها مشروع خط نفطي جديد باتجاه ميناء بانياس السوري، بهدف تقليل المخاطر المرتبطة بالاعتماد على منفذ واحد للتصدير وتأمين بدائل استراتيجية للصادرات العراقية مستقبلاً.
وفي ظل اتساع فجوة الإنتاج الكهربائي وتأخر المشاريع الاستراتيجية وتراجع إمدادات الوقود والغاز، تبدو المولدات الأهلية خلال صيف 2026 الوسيلة الأكثر أهمية لتخفيف آثار الأزمة على المواطنين.
ورغم أهمية الدعم الحكومي وتوفير الوقود المدعوم وتشديد الرقابة على عمليات التوزيع، فإن المختصين يجمعون على أن المولدات تبقى حلاً مرحلياً لا يمكن أن يحل محل المعالجات الجذرية المطلوبة لقطاع الكهرباء، والتي تشمل تطوير البنية التحتية للطاقة وزيادة الإنتاج المحلي للغاز وتوسيع مشاريع الطاقة المتجددة وتنويع مصادر الوقود ومنافذ تصدير النفط.
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام