
في الوقت الذي تشهد فيه العديد من المحافظات العراقية ازدحاماً ملحوظاً أمام محطات الوقود وارتفاعاً في أسعار البنزين لدى بعض الباعة المتجولين، تتباين التفسيرات الرسمية والنيابية والاقتصادية بشأن أسباب هذه الظاهرة، بين من يؤكد عدم وجود أزمة حقيقية في الوقود، ومن يرى أن المشكلة ترتبط بخلل في التوزيع والإدارة، فيما يشير آخرون إلى وجود فجوة بين الإنتاج المحلي والطلب الفعلي تتطلب حلولاً عاجلة.
وزارة النفط سارعت إلى طمأنة المواطنين بشأن توفر الوقود، مؤكدة امتلاكها مخزوناً كافياً لتلبية احتياجات السوق. وقال مدير الإعلام والعلاقات في الشركة العامة لتوزيع المنتجات النفطية بوزارة النفط العراقية، رافد صادق، إن الطلب على البنزين ارتفع بشكل ملحوظ خلال عطلة عيد الأضحى نتيجة الحركة السياحية الكبيرة وزيارات المواطنين من وسط وجنوب العراق إلى إقليم كوردستان والأماكن المقدسة في النجف وكربلاء.
وأوضح صادق أن الوزارة تضخ حالياً نحو 34 مليون لتر من البنزين يومياً في الأسواق، مشيراً إلى وجود مخزون استراتيجي كبير يتيح زيادة الكميات المجهزة متى ما استدعت الحاجة. ونفى وجود أزمة وقود، مؤكداً أن الازدحام الذي يلاحظ في بعض المحطات يرتبط غالباً بفترات المساء، حين يتجه عدد أكبر من السائقين للتزود بالوقود، فيما تستمر عمليات التوزيع بصورة طبيعية.
وتأتي هذه التصريحات في وقت رصدت فيه طوابير طويلة أمام عدد من محطات الوقود في مناطق مختلفة من البلاد، الأمر الذي دفع إلى تداول تساؤلات بشأن أسباب الازدحام ومدى ارتباطه بتراجع الإمدادات، خصوصاً مع ارتفاع أسعار البنزين لدى الباعة المتجولين على الطرقات.
من جانبها، أشارت رئيسة لجنة النفط والغاز في مجلس محافظة البصرة، إيمان المالكي، إلى أن جزءاً من الأزمة يرتبط بعوامل لوجستية تتعلق بنقل المشتقات النفطية، موضحة أن ارتفاع كلف النقل انعكس بصورة مباشرة على كميات البنزين الواصلة إلى المحافظة. وأضافت أن هناك مخاوف من تأخر دخول البصرة مرحلة الإنتاج الواسع للبنزين المحسن بعد تشغيل مشروع FCC، الذي لم يصل حتى الآن إلى مرحلة الإنتاج الفعلي للبنزين المحسن بالشكل المتوقع.
وفي قراءة اقتصادية للمشهد، يرى الخبير الاقتصادي مصطفى فرج أن معدلات إنتاج البنزين في العراق تصل إلى نحو 30 مليون لتر يومياً، مع مخزون يناهز 135 مليون لتر، مؤكداً أن هذه الأرقام تكفي عملياً لتغطية حاجة السوق، وأن المشكلة لا ترتبط بقدرة الإنتاج أو بانقطاع جوهري في الكميات المتوفرة. ويشير إلى أن الطاقة الإنتاجية الحالية تتجاوز الطلب الرسمي، ما يرجح وجود خلل إداري وتنظيمي أكثر من كونه نقصاً فعلياً في الوقود.
ويضيف فرج أن الأسباب الحقيقية للأزمة تتمثل في ضعف إدارة التوزيع ونظم الحصص، وهو ما أثر بشكل مباشر في انسيابية التجهيز، فضلاً عن زيادة الاستهلاك المفاجئة في بعض المناطق، ولا سيما مع ارتفاع حركة المركبات خلال العطل والتوافد إلى المدن المقدسة، حيث ارتفع الاستهلاك إلى نحو 33.5 مليون لتر يومياً. كما لفت إلى وجود تعقيدات إدارية مرتبطة بالسياسات المالية، موضحاً أن أي نظام توزيع يهدف إلى ترشيد الإنفاق قد ينعكس على شكل تقليص للكميات المخصصة للمحطات رغم توفر الإنتاج نظرياً.
ويرى الخبير الاقتصادي أن امتداد تداعيات الأزمة إلى بعض القطاعات الخدمية لا يرتبط بنقص الإنتاج بقدر ما يرتبط بإشكالات تنظيمية وإدارية. وأشار إلى أن ما جرى في مطار النجف من تعليق لبعض الرحلات كان نتيجة تلك الإشكالات، لافتاً في الوقت ذاته إلى أن قطاع الكهرباء يعاني أصلاً من نقص في الغاز الطبيعي وتراجع في قدرات بعض المحطات، الأمر الذي يزيد الاعتماد على المولدات العاملة بالديزل ويضاعف الضغط على الوقود المتاح.
في المقابل، قدم النائب محمد جاسم الخفاجي تفسيراً مختلفاً للأزمة، معتبراً أن الشحة المؤقتة التي شهدتها بعض المحافظات خلال الأيام الماضية تعود إلى التزام وزارة النفط بحصص الوقود المقررة للمحافظات من دون زيادتها، رغم الارتفاع الكبير في أعداد الزائرين الوافدين إلى المدن الدينية، وفي مقدمتها كربلاء.
وقال الخفاجي إن كربلاء استقبلت أعداداً كبيرة من الزائرين خلال الفترة الماضية، ما أدى إلى زيادة الطلب على البنزين بصورة فاقت الحصة المخصصة للمحافظة، الأمر الذي تسبب بظهور شحة محدودة في التوزيع. وأضاف أن هناك تحركات لمعالجة الملف والسعي إلى زيادة حصة المحافظة خلال المناسبات والزيارات المقبلة.
وأوضح أن الإنتاج المحلي يبلغ نحو 30 مليون لتر يومياً، في حين يصل الاستهلاك الفعلي إلى نحو 34 مليون لتر يومياً، ما يعني وجود عجز يقدر بنحو أربعة ملايين لتر يومياً كان يجري تعويضه عبر الاستيراد. وبين أن الاستيراد يواجه حالياً تحديات متعددة، من بينها التوجهات الحكومية وصعوبات الاستيراد في الوقت الراهن، فضلاً عن ارتفاع كلفة الوقود المستورد، الأمر الذي دفع وزارة النفط إلى اعتماد حصص محددة للمحافظات تمثل الحد الأدنى من احتياجاتها اليومية.
وأكد الخفاجي أن أي زيادة في الطلب نتيجة المناسبات الدينية أو الزيارات المليونية تؤدي إلى ظهور اختناقات مؤقتة في التزويد، ما يتسبب في نفاد كميات البنزين لدى بعض المحطات وتوقفها عن التجهيز بشكل مؤقت. كما أشار إلى أن وجود خزين استراتيجي أكبر كان من شأنه أن يسهم في سد العجز الحاصل، إلا أن الكميات المتاحة لا تكفي لتغطية الزيادة في الطلب خلال فترات الذروة.
وأشار إلى أن وزارة النفط تعمل حالياً على إيجاد حلول للأزمة، سواء عبر استئناف الاستيراد أو زيادة كميات الإنتاج، مرجحاً أن يكون خيار الاستيراد هو الأقرب في المرحلة الحالية، نظراً إلى أن المصافي تعمل بطاقاتها الإنتاجية القصوى. وختم بالتأكيد أن الجهات المعنية تتابع الملف بهدف ضمان استقرار تجهيز الوقود وتحسين انسيابية التوزيع خلال الفترة المقبلة.
وبين الرواية الرسمية التي تؤكد وفرة الوقود وعدم وجود أزمة حقيقية، والتقديرات الاقتصادية التي تعزو الازدحام إلى مشكلات في الإدارة والتوزيع، ورؤية بعض المسؤولين المحليين والنواب الذين يتحدثون عن فجوة بين الإنتاج والاستهلاك وقيود على الحصص المخصصة للمحافظات، يبقى المشهد مرتبطاً بقدرة الجهات المعنية على إدارة الطلب المتزايد خلال مواسم الزيارات والعطل، وضمان وصول الوقود إلى جميع المناطق بالكميات المطلوبة، بما يمنع تحول الازدحام المؤقت إلى أزمة أوسع نطاقاً خلال الفترة المقبلة.
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام