
مع تصاعد التوترات الإقليمية وإغلاق مضيق مضيق هرمز، عاد خط أنبوب كركوك – جيهان إلى واجهة المشهد النفطي العراقي بوصفه المنفذ الأكثر أهمية خارج الخليج، في وقت يواجه فيه العراق ضغوطاً اقتصادية ومالية متزايدة نتيجة تعطل الجزء الأكبر من صادراته النفطية عبر موانئ البصرة.
وكانت الحكومة العراقية قد أعلنت في آذار من العام الحالي استئناف تصدير نفط كركوك عبر ميناء ميناء جيهان التركي، إضافة إلى الطرق البرية، بعد توقف استمر منذ عام 2023 على خلفية قرار محكمة التحكيم الدولية في باريس بشأن صادرات النفط بين العراق وتركيا.
وذكر بيان للمجلس الوزاري للاقتصاد أن المجلس استضاف مدير عام شركة تسويق النفط “سومو” شركة تسويق النفط العراقية سومو، علي نزار الشطري، للاستماع إلى خطة الوزارة الخاصة بتصدير النفط العراقي، حيث أشار إلى استئناف تصدير النفط من حقول كركوك عبر الأنبوب العراقي – التركي إلى ميناء جيهان، وكذلك عبر الطرق البرية.
وأوضح البيان أن شركة “سومو” تدرس عروضاً مقدمة من شركات نقل بحرية محلية وعالمية لنقل النفط عبر المنافذ الحدودية الجنوبية، بهدف الاستفادة من ارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية، فيما شدد المجلس الوزاري على ضرورة تكثيف الجهود لتصدير النفط والمنتجات النفطية، مؤكداً في الوقت نفسه استمرار عمل المصافي العراقية لتأمين المشتقات النفطية للسوق المحلية.
وفي 18 مارس/آذار الجاري أعلنت شركة نفط الشمال استئناف تصدير النفط عبر ميناء جيهان بطاقة 250 ألف برميل يومياً، فيما أكد وزير النفط السابق حيان عبد الغني أن بغداد وأربيل توصلتا إلى اتفاق لإعادة تصدير النفط عبر الأراضي التركية، بالتزامن مع إعلان رئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني التوصل إلى تفاهم مع الحكومة الاتحادية بشأن الملف النفطي.
لكن رغم أهمية استئناف الخط، يرى مختصون أن قدرته الحالية لا تزال محدودة مقارنة بحجم الصادرات العراقية المعتادة، والتي تعتمد بصورة شبه كاملة على الموانئ الجنوبية.
وفي هذا السياق، أكد المختص بشؤون الطاقة كوفند شيرواني أن مجموع النفط المصدر عبر أنبوب ميناء جيهان، الذي يمر عبر إقليم كردستان ثم إلى فيشخابور وصولاً إلى الأراضي التركية، يبلغ حالياً نحو 250 ألف برميل يومياً، مبيناً أن هذه الكمية تبقى محدودة مقارنة بإجمالي الصادرات النفطية العراقية السابقة.
وأوضح شيرواني لـ"الاقتصاد نيوز" أن وزارة النفط أشارت في بيان لها إلى إمكانية وصول مجموع الصادرات عبر الخط إلى خمسة ملايين برميل خلال شهر واحد، إلا أن هذا الرقم لا يمثل سوى نسبة ضئيلة من إجمالي الصادرات العراقية التي كانت تتجاوز في السابق ما بين 90 إلى 100 مليون برميل شهرياً، مضيفاً أن نسبة الـ5 ملايين برميل لا تشكل سوى نحو 7% من إجمالي الصادرات، الأمر الذي يعني أن خط جيهان بوضعه الحالي لا يمكن اعتباره بديلاً استراتيجياً كاملاً لتصدير النفط العراقي.
وبيّن أن الخط يمتلك طاقة نقل أكبر بكثير من الكميات الحالية، إذ يمكنه استيعاب ما يصل إلى مليون برميل يومياً في حال تمكنت وزارة النفط من ربط إنتاج حقول الجنوب والوسط بالخط الشمالي المؤدي إلى ميناء جيهان التركي.
وأضاف أن تحقيق هذا الربط سيمكن العراق من تصدير نحو 30% من إجمالي صادراته النفطية عبر هذا المسار، ما يسهم في تخفيف الآثار السلبية المحتملة لأي إغلاق لمضيق هرمز أو توقف التصدير عبر موانئ البصرة.
وأشار شيرواني إلى أن العراق ما يزال بحاجة إلى إيجاد منافذ تصدير إضافية، لافتاً إلى أن وزارة النفط تعمل على تسريع مشروع أنبوب بصرة – حديثة، الذي يمكنه نقل أكثر من مليوني برميل يومياً، مع إمكانية إنشاء تفرعات تمتد نحو الموانئ السورية في بانياس وطرطوس، وربطه مستقبلاً بخط جيهان عبر المنفذ الشمالي.
وبين المختص بشؤون الطاقة إن إنجاز هذا المشروع خلال فترة زمنية قصيرة يعد أمراً ضرورياً لتقليل الخسائر الاقتصادية المستمرة التي يتكبدها العراق نتيجة توقف تصدير أكثر من 3.3 مليون برميل يومياً كانت تصدر عبر موانئ البصرة، والتي شهدت تراجعاً شبه تام منذ بداية شهر آذار الماضي.
وتزامناً مع هذه التطورات، أعلنت وزارة النفط الإحصائية النهائية للصادرات النفطية لشهر نيسان الماضي، مشيرة إلى أن كمية الصادرات من النفط الخام والمكثفات بلغت 9 ملايين و884 ألفاً و130 برميلاً، بإيرادات تجاوزت ملياراً و87 مليون دولار.
وبحسب الإحصائية، بلغت صادرات نفط البصرة 4 ملايين و587 ألفاً و610 براميل، فيما بلغت صادرات نفط إقليم كردستان عبر ميناء جيهان 339 ألفاً و64 برميلاً، بينما وصلت صادرات نفط كركوك عبر ميناء جيهان إلى 4 ملايين و957 ألفاً و456 برميلاً.
في المقابل، بدأت تداعيات الأزمة تظهر بشكل واضح على الوضع المالي والنقدي للعراق، إذ كشف الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي عن تراجع احتياطي البنك المركزي العراقي بأكثر من 3 تريليونات دينار خلال أسبوعين فقط، محذراً من اتساع الفجوة بين الإيرادات النفطية والإنفاق الحكومي.
ويرى المرسومي أن الأزمة الحالية ترتبط مباشرة بتداعيات التوترات الإقليمية وتعطل حركة التجارة والطاقة، ولا سيما بعد إغلاق مضيق هرمز وتراجع الصادرات النفطية العراقية بصورة كبيرة، ما أدى إلى انخفاض الإيرادات إلى مستويات لا تكفي لتغطية الرواتب والنفقات التشغيلية الأساسية.
وبحسب تقديراته، يحتاج العراق شهرياً إلى نحو 7 تريليونات دينار لتغطية الإنفاق التشغيلي، في حين أن الإيرادات النفطية الحالية لا توفر سوى جزء محدود من هذا المبلغ، ما يضع الحكومة أمام خيارات صعبة، أبرزها التوسع بالاقتراض الداخلي أو اللجوء إلى أدوات نقدية قد تؤثر لاحقاً على الاستقرار النقدي ومستوى التضخم.
ويشير مراقبون إلى أن أزمة مضيق هرمز كشفت خللاً بنيوياً في نموذج التصدير العراقي القائم على الاعتماد شبه الكامل على موانئ البصرة، إذ انعكس أي اضطراب في الخليج مباشرة على مستويات الإنتاج والإيرادات والمالية العامة للدولة.
من جانبه، أكد الخبير النفطي عاصم جهاد أن العراق يعد من أكثر الدول تضرراً من أي إغلاق لمضيق هرمز، وربما الأكثر هشاشة مالياً بين كبار المنتجين في المنطقة، بسبب اعتماده شبه الكامل على تصدير النفط عبر المنافذ الجنوبية، إضافة إلى أن أكثر من 90% من إيرادات الموازنة العامة تأتي من القطاع النفطي.
وأشار جهاد إلى أن بعض الدول تمتلك منافذ تصدير بديلة خارج مضيق هرمز تمنحها مرونة نسبية في مواجهة الأزمات، في حين يعتمد العراق بصورة شبه كلية على هذا الممر الحيوي.
وبيّن أن العراق صدّر خلال شهر فبراير الماضي نحو 99.87 مليون برميل، بمعدل يومي يقارب 3.57 مليون برميل، ما يعكس حجم الاعتماد الكبير على التصدير الخارجي، إلا أن تعطل الملاحة عبر مضيق هرمز أدى إلى تراجع حاد في الإيرادات النفطية.
وأوضح أن البدائل الحالية لا تزال محدودة، إذ يقتصر التصدير على المنفذ الشمالي عبر ميناء جيهان بطاقة تتراوح بين 170 و250 ألف برميل يومياً، إضافة إلى كميات محدودة تنقل عبر الشاحنات، وهي مستويات لا يمكن أن تعوض خسارة الصادرات عبر الجنوب.
وأضاف أن العراق يواجه أزمة مزدوجة تتمثل في توقف منفذ التصدير الرئيسي، إلى جانب الاعتماد المالي الكبير على النفط، ما يضع المالية العامة تحت ضغط شديد، ويحد من قدرة البلاد على الاستفادة من ارتفاع أسعار النفط العالمية أو تلبية الطلب المتزايد.
وحذر جهاد من أن استمرار الأزمة لفترة طويلة قد يدفع الحكومة إلى الاقتراض أو إصدار السندات لتغطية النفقات، مؤكداً أن قدرة العراق على الصمود تبقى محدودة زمنياً ما لم يتم الإسراع بتنفيذ مشاريع الأنابيب البديلة وتنويع منافذ التصدير.
ومع استمرار التوترات الإقليمية والحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، تبدو بغداد أمام اختبار اقتصادي صعب، إذ لم يعد ملف خطوط التصدير مجرد مشروع استراتيجي مؤجل، بل تحول إلى ضرورة ملحة لحماية الاقتصاد العراقي من أي اضطرابات مستقبلية في الخليج أو مضيق هرمز، الذي يمر عبره يومياً نحو 20 مليون برميل نفط من صادرات المنطقة.
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام