عودة المياه تُنعش الأهوار.. لكن "زهرة النيل" تهدد مكاسب العراق المائية

الاقتصاد نيوز - بغداد

بعد سنوات من الجفاف القاسي الذي حوّل أجزاء واسعة من أهوار جنوب العراق إلى أراضٍ متشققة ومهجورة، بدأت مؤشرات التعافي المائي تعيد الحياة تدريجياً إلى تلك المناطق التاريخية، مع ارتفاع مناسيب المياه وزيادة الإطلاقات المائية، الأمر الذي شجع عودة الصيادين ومربي الجاموس إلى مناطق كانوا قد غادروها تحت ضغط الشحّ المائي.

هذا التحسن، الذي وصفه مختصون بأنه "فرصة نادرة لإنقاذ النظام البيئي"، تزامن مع بروز تحدٍ بيئي خطير يتمثل بالانتشار المتسارع لنبات “زهرة النيل”، الذي بات يهدد الأنهر والأهوار ويستنزف كميات كبيرة من المياه في وقت يحاول العراق فيه استعادة توازنه المائي.

قفزة بالخزين المائي

وزارة الموارد المائية أعلنت أن الاحتياطي الاستراتيجي للعراق ارتفع هذا العام بنحو 6 مليارات متر مكعب، ما منح السلطات مرونة أكبر لإدارة الإمدادات خلال الصيف.

وفي السياق ذاته، كشف خبير الموارد المائية تحسين الموسوي عن قفزة كبيرة في الخزين المائي، إذ ارتفع من مستويات حرجة لم تتجاوز ملياري متر مكعب إلى نحو 20 مليار متر مكعب، نتيجة الأمطار والسيول العابرة للحدود وزيادة الإطلاقات المائية من الجانب التركي.

الموسوي أكد أن “التدخل الإلهي عبر الأمطار أنقذ العراق من أزمة خانقة كانت قد تهدد حتى مياه الشرب”، لكنه حذر في الوقت نفسه من أن ملف المياه ما يزال “تهديداً وجودياً” يتطلب إعادة هيكلة كاملة للإدارة المائية وتطوير تقنيات الري وإنشاء عشرات السدود لحصاد مياه الأمطار.

ارتفاع المناسيب انعكس بشكل مباشر على مناطق الأهوار في ذي قار وميسان والبصرة، حيث بدأت المياه بالتدفق مجدداً إلى مناطق كانت شبه جافة، ما أعاد النشاط البيئي والحياتي تدريجياً.

لكن هذا التعافي ترافق مع أزمة بيئية متصاعدة تمثلت بالانتشار الكثيف لنبات "زهرة النيل"، الذي وجد في وفرة المياه بيئة مثالية للتكاثر السريع.

"زهرة النيل".. الخطر الأخضر

رغم شكلها الجمالي، تُعد “زهرة النيل” واحدة من أخطر النباتات الغازية في العالم. هذا النبات الدخيل، الذي يعود أصله إلى أميركا الجنوبية، دخل العراق قبل نحو عقدين وانتشر تدريجياً في الأنهر والمسطحات المائية.

وتحذر الجهات البيئية من أن النبتة تشكل تهديداً مباشراً للثروة المائية، إذ تغطي سطح المياه بطبقات كثيفة تمنع وصول الضوء والأوكسجين إلى الأعماق، ما يؤدي إلى اختناق الكائنات المائية وتراجع التنوع الحيوي.

كما تستهلك كميات كبيرة من المياه، في وقت يعاني العراق أصلاً من شحّ مائي مزمن.

رئيس لجنة الصحة والبيئة في مجلس محافظة ذي قار أحمد الخفاجي أكد أن “النبتة الواحدة تستهلك ما يقارب لتراً من المياه”، مبيناً أن انتشارها يعيق انسيابية الجريان داخل الأنهر ويؤثر بشكل مباشر على النظام البيئي.

أما رئيسة لجنة الزراعة في مجلس المحافظة زينب الأسدي، فوصفت النبات بأنه "من أخطر النباتات المائية بسبب استهلاكه الكبير للمياه وتأثيره السلبي على الأنهر".

حملة واسعة في ذي قار

في مواجهة هذا التهديد، أطلقت مديرية الموارد المائية في ذي قار حملة واسعة لتنظيف مجرى نهر الفرات داخل مدينة الناصرية، بالتعاون مع الحكومة المحلية.

مدير الموارد المائية في المحافظة هاشم الأسدي أوضح أن الحملة تستهدف إزالة زهرة النيل والترسبات الطينية والقصب لضمان انسيابية المياه ووصول الحصص المائية إلى ذنائب الجداول ومناطق الأهوار.

وأشار إلى مشاركة 12 آلية تخصصية، بينها حفارات برمائية وآليات بذراع طويل وشفلات وقلابات، مع توزيع العمل بين دائرتي كري الأنهر والصيانة على جانبي النهر.

الحملة شملت مناطق تمتد من جسر فهد في ناحية البطحاء مروراً بجسر الزيتون وصولاً إلى الجسر الحديدي والجسر السريع في الناصرية.

من جهته، أوضح المهندس عباس چاسب أن عمليات الكري والتنظيف تستهدف مقاطع بعرض يصل إلى 50 متراً وبعمق يقارب 60 سنتيمتراً، مؤكداً أن الهدف هو "الاستفادة القصوى من الإطلاقات المائية الحالية ومنع انتشار النبات الدخيل".

وبحسب مدير قسم صيانة مشاريع الري والبزل حسين عبد الرضا، فإن الإصابات وصلت إلى ذي قار عبر نهر الفرات من محافظة المثنى بسبب غياب المصدات المائية الكافية.

ولاحتواء الأزمة، نصبت الفرق الهندسية عدة مصدات رئيسية قرب الجسر الحديدي وجسر فهد، إضافة إلى العمل على إنشاء مصد ثالث في منطقة الهويشيلي على الحدود مع المثنى.

عبد الرضا أكد أن الإصابات “تراجعت بشكل واضح” بعد عمليات العزل والتنظيف، مشيراً إلى استمرار المراقبة اليومية لمنع عودة الانتشار.

تهديد يتجاوز استهلاك المياه

الخبير الزراعي الدكتور صالح هادي يرى أن خطورة زهرة النيل لا تقتصر على استنزاف المياه فقط، بل تمتد إلى تهديد الثروة السمكية والأمن الغذائي.

وأوضح أن النبات يحجب أشعة الشمس عن المياه ويقلل نسبة الأوكسجين، ما يؤدي إلى تدهور البيئة المائية، فضلاً عن تحوله إلى بيئة حاضنة للطفيليات والأمراض التي تصيب الأسماك والكائنات الحية.

هادي دعا إلى اعتماد الإزالة الميكانيكية باستخدام البرمائيات والآليات التخصصية، مع الاستفادة من النباتات المزالة بتحويلها إلى سماد عضوي بعد تجفيفها وطحنها.

المفارقة التي تواجه العراق اليوم تكمن في أن تحسن الواقع المائي، الذي كان يُفترض أن يمثل بداية مرحلة تعافٍ بيئي، أصبح في الوقت نفسه عاملاً ساعد على تسارع انتشار النباتات الغازية.

ومع استمرار أزمة التغير المناخي والتذبذب في الإيرادات المائية، تبدو المعركة ضد “زهرة النيل” جزءاً من معركة أكبر يخوضها العراق للحفاظ على أمنه المائي والبيئي.

وبينما تستعيد الأهوار بعضاً من أنفاسها، يبقى التحدي الحقيقي في قدرة المؤسسات المعنية على إدارة الوفرة المؤقتة للمياه ومنع تحولها إلى بيئة خصبة لأزمات جديدة قد تهدد ما تحقق من تعافٍ.


ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام


مشاهدات 49
أضيف 2026/05/18 - 12:28 PM