
في وقت تتداخل فيه الضغوط الاقتصادية مع اضطرابات إقليمية أثّرت بشكل مباشر على تدفقات النفط والتجارة، اتجه العراق إلى تأسيس مجلس الاستقرار المالي كأعلى إطار تنسيقي بين السياسة المالية والسياسة النقدية، في محاولة لإعادة ضبط إدارة الاقتصاد في مرحلة توصف بأنها من الأكثر حساسية خلال السنوات الأخيرة.
تأتي هذه الخطوة بينما يواجه الاقتصاد العراقي انعكاسات حادة لتقلبات أسواق الطاقة وتعطل بعض مسارات التصدير، وهو ما أدى إلى خسائر كبيرة في الإيرادات النفطية خلال فترات سابقة، وصلت إلى تراجع واسع في الصادرات مقارنة بالمعدلات الطبيعية، ما انعكس على السيولة العامة وقدرة الدولة على الإيفاء بالتزاماتها، خصوصاً مع اعتماد الموازنة على النفط بنسبة تقارب 90%.
وفي هذا السياق، كشف وزير النفط أن العراق كان يصدر نحو 93 مليون برميل شهرياً عبر مضيق هرمز، إلا أن التوترات الإقليمية أدت إلى تراجع حاد في الصادرات خلال أبريل إلى نحو 10 ملايين برميل فقط، ما يعكس حجم التأثير المباشر للأزمات الجيوسياسية على أحد أهم مصادر الإيراد في البلاد.
كما أشار الوزير إلى أن العراق يعتزم التعاون مع منظمة أوبك لتعزيز الإنتاج ورفع القدرة التصديرية، مستهدفاً الوصول إلى 5 ملايين برميل يومياً، مؤكداً أن الحكومة تركز على جذب الشركات الأجنبية وتطوير البنى التحتية ورفع كفاءة الكوادر الفنية، مع تشديد واضح على ملف مكافحة الفساد وعدم التساهل مع غير الكفوئين في القطاع النفطي.
هذه التطورات تضع المالية العامة أمام ضغوط مزدوجة: تراجع الإيرادات من جهة، وارتفاع الالتزامات التشغيلية من جهة أخرى، وهو ما دفع نحو البحث عن إطار مؤسسي أعلى لإدارة التوازنات الاقتصادية.
في المقابل، جاء تأسيس مجلس الاستقرار المالي كاستجابة تنظيمية تهدف إلى توحيد القرار بين وزارة المالية والبنك المركزي، وضبط إدارة السيولة، والسيطرة على التضخم، وتنظيم الإنفاق العام، ضمن رؤية واحدة تقلل من تشتت السياسات الاقتصادية.
وترأس رئيس الوزراء علي فالح الزيدي، أول مساء السبت، الاجتماع الأول لمجلس الاستقرار المالي، بعد ساعات من توجيهه بتأسيس المجلس ضمن أول جلسة لمجلس الوزراء.
ويضم المجلس، وزير المالية ومحافظ البنك المركزي العراقي.
ونقل بيان حكومي، عن الزيدي تأكيده أهمية تحقيق الاستقرار المالي لما له من آثار تنموية واقتصادية، مشدداً على ضرورة التنسيق العالي بين وزارة المالية والبنك المركزي.
وأشار الزيدي إلى أهمية اتخاذ قرارات مالية تدعم الاستقرار الاقتصادي وتنعكس إيجاباً على الخطط الحكومية التنموية والخدمية والاقتصادية.
المستشار الاقتصادي لرئاسة الوزراء مظهر محمد صالح أكد أن تشكيل المجلس “يمثل خطوة مؤسساتية مهمة لتعزيز التنسيق بين السياسة المالية والسياسة النقدية، ووضع وتنفيذ استراتيجية وطنية متكاملة للاستقرار المالي”.
وأضاف صالح خلال حديثه لـ"الاقتصاد نيوز" أن الهدف الأساسي يتمثل في “الحفاظ على استقرار المستوى العام للأسعار وضمان استقرار الحياة المعيشية للمواطنين، إلى جانب دعم استدامة التنمية الاقتصادية وتعزيز الثقة بالاقتصاد الوطني”.
وأوضح أن تأسيس المجلس، استناداً إلى البرنامج الحكومي الذي أقره البرلمان في 14 أيار، “يعكس توجهاً حكومياً استباقياً للتعامل مع المتغيرات الاقتصادية والمالية الداخلية والخارجية، وليس استجابة لأزمة مالية مباشرة، بل إطار وقائي لمواجهة التحديات المحتملة وتعزيز قدرة الاقتصاد على الصمود أمام الصدمات، خصوصاً في ظل التوترات الجيوسياسية والأزمات الإقليمية التي تؤثر على الأسواق المالية وحركة التجارة والطاقة”.
وبيّن أن “التنسيق بين وزارة المالية والبنك المركزي عبر المجلس من شأنه أن يسهم في توحيد السياسات والإجراءات المتعلقة بإدارة السيولة، والسيطرة على معدلات التضخم، وتنظيم الإنفاق العام، وتحقيق التوازن بين الاستقرار النقدي ومتطلبات النمو الاقتصادي، بما يعزز الاستقرار المالي طويل الأجل ويحد من المخاطر قصيرة الأجل”.
وأضاف أن المجلس من المتوقع أن يناقش ملفات محورية تشمل “إدارة الدين العام، واستقرار سعر الصرف، ومراقبة معدلات التضخم، وتعزيز سلامة القطاع المصرفي، ومتابعة الإصلاحات المالية، إضافة إلى تقييم تداعيات التطورات الاقتصادية العالمية والإقليمية على الاقتصاد الوطني، بما يضمن حماية المكتسبات الاقتصادية وتحقيق أهداف التنمية والاستقرار في الاقتصاد الكلي للبلاد”.
في سياق متصل، أشار النائب عن ائتلاف الإعمار والتنمية علي فيصل الفياض إلى أن “المنهاج الحكومي الذي صوّت عليه البرلمان يتضمن معالجات وحلولاً مهمة للأزمات، وفي مقدمتها الأزمة المالية”، مؤكداً أن “الحكومة والبرلمان يسيران باتجاه تنفيذ تلك المعالجات”، في إشارة إلى وجود توافق سياسي على ضرورة دعم المسار الإصلاحي الاقتصادي.
تأتي هذه التطورات في ظل بيئة اقتصادية شديدة الحساسية، حيث يعتمد العراق بشكل شبه كامل على النفط كمصدر رئيسي للإيرادات، فيما تمر النسبة الأكبر من صادراته عبر ممرات بحرية شهدت اضطرابات انعكست على حجم التبادل التجاري وارتفاع كلف النقل والتأمين.
كما تشير المعطيات إلى أن العراق واجه خلال فترات التوتر تراجعاً حاداً في صادراته النفطية، وهو ما كشف هشاشة الاعتماد الأحادي على مورد واحد، وأبرز الحاجة إلى أدوات مالية أكثر مرونة وتنسيقاً بين المؤسسات الاقتصادية العليا.
في ضوء ذلك، يبدو مجلس الاستقرار المالي محاولة لإعادة هندسة القرار الاقتصادي في العراق، عبر رفع مستوى التنسيق إلى إطار أعلى، قادر على إدارة الصدمات بدل الاكتفاء بردود الفعل المتأخرة، في مرحلة تتطلب استجابة مالية ونقدية أكثر انسجاماً لمواجهة تحديات الداخل والخارج معاً.
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام