
عاد ملف الاستقرار المالي في العراق إلى الواجهة مجدداً، مع تصاعد المخاوف من اتساع العجز المالي وتراجع الإيرادات النفطية بالتزامن مع ارتفاع الدين الداخلي وانخفاض الاحتياطي الأجنبي للبنك المركزي، في وقت تؤكد فيه الحكومة أن الوضع النقدي ما يزال تحت السيطرة وأن الاحتياطيات قادرة على حماية الاقتصاد من الصدمات الخارجية.
وزارة المالية كشفت أن إجمالي الدين الداخلي العراقي بلغ 96 تريليوناً و629 مليار دينار حتى نهاية نيسان 2026، مقابل دين خارجي يبلغ 13.039 مليار دولار، في وقت تشير فيه البيانات إلى استمرار اعتماد الدولة على الاقتراض الداخلي لتغطية النفقات التشغيلية، ولا سيما الرواتب والدعم الحكومي وملف الطاقة.
وبحسب بيانات دائرة الدين العام، فإن الحكومات العراقية اقترضت داخلياً أكثر من 46 تريليون دينار منذ عام 2023 وحتى نيسان الماضي، سُدد منها نحو 43% فقط، بينما ما يزال الجزء الأكبر من الدين يمثل التزامات متراكمة من الحكومات السابقة.
ورغم ذلك، تؤكد السلطات المالية أن نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي ما تزال ضمن الحدود المقبولة عالمياً.
في المقابل، برزت مؤشرات ضغط واضحة على السيولة والاحتياطي النقدي، بعد تسجيل تراجع بأكثر من 3 تريليونات دينار في احتياطي البنك المركزي خلال أسبوعين فقط، وفق بيانات رسمية أشار إليها الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي، الذي حذر من أن الفجوة بين الإيرادات النفطية والإنفاق الحكومي بدأت تتسع بشكل غير مسبوق.
ويرى المرسومي أن الأزمة الحالية ترتبط مباشرة بتداعيات التوترات الإقليمية وتعطل حركة التجارة والطاقة في المنطقة، ولا سيما بعد إغلاق مضيق هرمز وتراجع الصادرات النفطية العراقية بصورة كبيرة، الأمر الذي أدى إلى انخفاض الإيرادات النفطية إلى مستويات لا تكفي لتغطية الرواتب والنفقات التشغيلية الأساسية.
وبحسب تقديراته، فإن العراق يحتاج شهرياً إلى ما يقارب 7 تريليونات دينار لتغطية الإنفاق التشغيلي، في حين أن الإيرادات النفطية الحالية لا توفر سوى جزء محدود من هذا المبلغ، ما يضع الحكومة أمام خيارات مالية صعبة، أبرزها التوسع بالاقتراض الداخلي أو اللجوء إلى أدوات نقدية قد تؤثر لاحقاً على الاستقرار النقدي ومستوى التضخم.
كما يحذر خبراء من أن استمرار انخفاض الإيرادات النفطية سيؤدي إلى استنزاف إضافي للاحتياطي الأجنبي، خاصة مع استمرار البنك المركزي بتمويل التجارة الخارجية والحفاظ على استقرار سعر الصرف، في ظل محدودية الإيرادات غير النفطية وتراجع النشاط التجاري نتيجة الاضطرابات الإقليمية.
في المقابل، يقلل مستشار رئيس الوزراء للشؤون المالية والاقتصادية مظهر محمد صالح من خطورة الوضع، مؤكداً أن الاحتياطي الأجنبي ما يزال يمثل خط الدفاع الأول عن الاقتصاد العراقي، وأن الإدارة النقدية تمتلك القدرة الفنية على امتصاص الصدمات المؤقتة.
ويشير صالح خلال حديثه لـ"الاقتصاد نيوز" إلى أن الاحتياطيات الأجنبية ما تزال تغطي نحو 12 شهراً من الاستيرادات، وهي نسبة تفوق بكثير المعايير الدولية الآمنة.
وأكد أن أي تذبذب قصير الأمد في الاحتياطيات يمكن التعامل معه ضمن السياسات النقدية المعتمدة، وأن البنك المركزي ما يزال يحتفظ بأدوات فعالة لضمان الاستقرار المالي والنقدي.
ورغم التطمينات الرسمية، يرى مراقبون أن التحدي الحقيقي لا يرتبط فقط بحجم الاحتياطي أو الدين العام، بل باستمرار اعتماد الاقتصاد العراقي شبه الكامل على النفط، في وقت تتعرض فيه أسواق الطاقة وخطوط الإمداد الإقليمية لهزات متكررة. كما أن تأخر مشاريع الغاز والطاقة وتزايد الإنفاق التشغيلي يضعان المالية العامة أمام ضغوط قد تتفاقم إذا استمرت الأزمة الإقليمية لفترة أطول.
وبين رؤية الحكومة التي تؤكد متانة الوضع النقدي، وتحذيرات الخبراء من اتساع فجوة العجز والسيولة، يبقى الاقتصاد العراقي أمام اختبار صعب يعتمد بدرجة كبيرة على استقرار أسواق النفط، وقدرة الدولة على تنويع مواردها وتقليل اعتمادها على الإنفاق الريعي في مواجهة المتغيرات الإقليمية المتسارعة.
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام