
أثارت تقارير نُشرت خلال الأيام الأخيرة بشأن بحث احتمال تجميد الحسابات الخارجية لصناديق التقاعد الإيرانية اهتماماً متجدداً إزاء الوضع الهش لهذه المؤسسات المالية، التي تواجه في الوقت ذاته ضغوطاً ناجمة عن العقوبات الخارجية وأزمات داخلية عميقة.
ويأتي ذلك في وقت عانت فيه صناديق التقاعد في إيران خلال السنوات الماضية من تحديات هيكلية جسيمة، من بينها عجز الموارد، وتراجع نسبة الدعم، والاعتماد المتزايد على الموازنة العامة.
وأفادت تقارير بأن سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأمريكي، أعلن أن واشنطن تدرس تجميد الحسابات الخارجية لصناديق التقاعد الإيرانية. ويأتي هذا التوجه في إطار تشديد الضغوط الاقتصادية على إيران، واستكمالاً لسياسات العقوبات التي انتهجتها إدارة دونالد ترامب. وبحسب المسؤول الأمريكي، تسعى الولايات المتحدة كذلك إلى فرض عقوبات ثانوية على البنوك والصناعات المرتبطة بشراء النفط الإيراني، بهدف توسيع نطاق الضغط الاقتصادي على طهران.
ولم تُنشر حتى الآن تفاصيل دقيقة بشأن حجم الأصول المستهدفة أو آلية تنفيذ هذه السياسة، غير أن بعض المحللين اعتبروا الخطوة محاولة لاستهداف الموارد المالية طويلة الأجل للدولة الإيرانية. في المقابل، فسّرت بعض وسائل الإعلام والخبراء في الداخل الخبر ضمن سياق الحرب الاقتصادية، محذرين من تداعيات محتملة على سداد التزامات التقاعد.
صناديق خاسرة؛ من الاعتماد على الموازنة إلى خطر الإفلاس
تعاني صناديق التقاعد في إيران منذ سنوات أزمة مالية مزمنة. ووفقاً لبيانات رسمية، بلغت نسبة الدعم، أي نسبة عدد المشتركين الدافعين للاشتراكات إلى عدد المتقاعدين المستفيدين، مستويات حرجة في العديد من هذه الصناديق، متراجعة إلى ما دون الحد الأدنى المقبول. فعلى سبيل المثال، انخفضت هذه النسبة في صندوق التقاعد الحكومي إلى نحو 0.5، وهو ما يراه خبراء مؤشراً على إفلاس فعلي للصندوق.
وتشير تقارير إلى أن حصة ملحوظة من الموازنة العامة خُصصت في السنوات الأخيرة لتعويض عجز صناديق التقاعد. ففي مشروع موازنة عام 2025، جرى تخصيص نحو 777 تريليون تومان، أي ما يعادل 17 في المئة من إجمالي الموازنة العامة، لهذا الغرض. كما تفيد التقديرات بأن مساهمة دعم الصناديق من بند عجز الموازنة بلغت نحو 81 في المئة.
وحذر خبراء اقتصاديون من أن استمرار هذا المسار قد يرفع العجز المالي للصناديق إلى مستوى يعادل 1.8 ضعف الموازنة العامة للدولة، في وضع قد يتحول، بحسب وصفهم، إلى “حفرة مالية” تستنزف موارد السنوات المقبلة بالكامل.
ووصفت بعض التقارير أوضاع صناديق التقاعد بأنها “قنبلة موقوتة”. ووفق هذه التقارير، فإن نحو 15 صندوقاً من أصل 17 صندوقاً نشطاً في البلاد وصلت إلى مستوى من الأزمة يمكن وصفه بأنه قريب من الإفلاس. ويُستثنى من ذلك صندوقان فقط، من بينهما صندوق المحامين وصندوق القرويين والبدو الرحل، اللذان يتمتعان بتركيبة عمرية أصغر نسبياً، وإن كانت مساراتهما على المدى الطويل تُعد مثار قلق أيضاً.
جذور الأزمة؛ من إدارة الشركات غير الكفوءة إلى الاختلالات الهيكلية
يرى خبراء أن مجموعة من العوامل أسهمت في تشكل الوضع الراهن لصناديق التقاعد. ويُعد التوسع في إدارة الشركات والاستثمارات ذات العائد المنخفض خلال العقدين الماضيين أحد أبرز هذه العوامل. فالكثير من الصناديق تمتلك شركات قابضة اقتصادية كبرى، غير أن مساهمة عائدات هذه الأصول في تمويل مواردها بقيت محدودة. وفي بعض الحالات، لم تتجاوز عائدات الاستثمار 15 في المئة من إجمالي الموارد.
ومن العوامل الأخرى المؤثرة الزيادة السريعة في عدد المتقاعدين، والتحولات في البنية الديموغرافية، وتطبيق سياسات التقاعد المبكر، وتراكم ديون الحكومة تجاه الصناديق، وضعف الحوكمة الاقتصادية وإدارة الأصول، إضافة إلى اتخاذ قرارات سياسية مكلفة من دون غطاء مالي.
وأدى مجموع هذه العوامل إلى نشوء ما يُعرف بـ”الخسارة الهيكلية”. وبحسب محللين، يُعد هذا الوضع أحد العوامل الرئيسية في زعزعة الاستقرار الاقتصادي الكلي واستمرار التضخم المزمن في إيران.
وفي ظل هذه المعطيات، فإن استمرار المسار الحالي قد يقود إلى سيناريو يُوصف بـ”الإفلاس المتسلسل”، حيث يؤدي عجز أحد الصناديق عن الوفاء بالتزاماته إلى تحميل الصناديق الأخرى والموازنة العامة أعباء إضافية، بما يخلق حلقة متواصلة من الأزمات المالية.
وبوجه عام، ومع إخفاق الحكومات السابقة في احتواء هذا المسار، يرى بعض المحللين أن الحديث عن احتمال تجميد الأصول الخارجية لصناديق التقاعد لا يشكل تهديداً مستقلاً بقدر ما يعكس عمق هشاشة هذه المؤسسات. فالصناديق التي عانت لسنوات من اختلالات مالية وسوء إدارة واعتماد متزايد على الموازنة العامة، باتت اليوم تواجه أيضاً ضغوطاً خارجية إضافية.
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام