الاقتصاد نيوز - بغداد
يُعد مؤشر أسعار المستهلك (CPI) في التحليل الاقتصادي الكلي الأداة الأساسية لقياس التضخم وتطور تكاليف المعيشة ، إلا أن قيمته التحليلية قد لا تكمن في دقته الحسابية فحسب، بل في مدى قدرته على تمثيل تقلبات الوضع الاقتصادي والاجتماعي، لاسيما في الواقع العراقي، من هنا تبرز الحاجة إلى قراءة نقدية لهذا المؤشر، ليس للتشكيك في منهجيته، بل لتقييم مدى ملاءمته لهيكل الاقتصاد المحلي وخصوصياته.
تشير البيانات الرسمية إلى أن مؤشر أسعار المستهلك في العراق يعكس استقراراً نسبياً في المستوى العام للأسعار، حيث يتحرك التضخم ضمن نطاق منخفض يقارب 1% إلى 2% سنوياً، مع زيادات شهرية محدودة في اغلبها لا تتجاوز 0.1%–0.3%. هذه الأرقام تعكس، من الناحية الظاهرية، نجاحاً في تحقيق الاستقرار النقدي، مدعوماً باستقرار سعر الصرف وغياب صدمات تضخمية كلية واسعة. إلا أن هذا الاستقرار الإحصائي يثير تساؤلا حقيقيا حول مدى تعبيره عن الواقع الفعلي للأسواق.
أولى الإشكاليات تتعلق ببنية سلة الاستهلاك المستخدمة في احتساب المؤشر. إذ يعتمد مؤشر أسعار المستهلك على أوزان نسبية تعكس أنماط الإنفاق ، غير أن هذه الأوزان رغم أهميتها كميا فمن الممكن انها لا تعكس بدقة التغيرات الحديثة في سلوكيات المستهلك العراقي، خاصة في ظل التحولات الاقتصادية وارتفاع حصة الإنفاق على سلة الغذاء. ففي الواقع، تمثل المواد الغذائية نسبة مرتفعة من إنفاق الأسر، تتراوح بين 35% و45%، وهي فئة تتسم بتقلبات سعرية عالية مقارنة ببقية المكونات.
وهنا تظهر الإشكالية الثانية، هي أن المؤشر الكلي، بحكم كونه متوسطاً مرجحاً، يميل إلى امتصاص الصدمات القطاعية، خصوصاً عندما تكون هذه الصدمات محصورة في مكونات معينة مثل الغذاء. فعلى الرغم من أن بعض السلع الغذائية تسجل ارتفاعات شهرية قد تصل إلى 10%- 20% في فترات معينة، إلا أن تأثيرها يُخفف داخل المؤشر العام نتيجة استقرار أو بطء تغير أسعار مكونات أخرى مثل السكن أو الخدمات. وبهذا، يظهر التضخم العام منخفضاً، بينما يكون التضخم الملامس للمستهلك أعلى بكثير.
الإشكالية الثالثة ترتبط بطبيعة التغيرات السعرية في العراق، والتي لا تتخذ غالباً مساراً تدريجياً، بل تظهر في شكل صدمات قصيرة الأجل وتقلبات حادة. هذه الطبيعة تجعل المؤشر أقل قدرة على التقاط ديناميكية عدم الاستقرار، اذ يركز على الاتجاه العام أكثر من تذبذب الأسعار. وتشير التقديرات إلى أن تذبذب أسعار الغذاء يفوق بثلاث إلى خمس مرات تذبذب المؤشر العام، ما يعني أن المؤشر لا يعكس درجة المخاطر السعرية التي يواجهها المستهلك في معيشته اليومية.
أما الإشكالية الرابعة، فتتعلق بالفجوة بين التضخم المقاس والتضخم المعاش. واذ تشير البيانات الرسمية إلى تضخم منخفض، نرى ان المستهلك يواجه تقلبات يومية في أسعار السلع الأساسية، مما يخلق معاناة من ارتفاع تكلفة المعيشة يتجاوز ما تعكسه الأرقام. هذه الفجوة هي نتيجة مباشرة لهيكل السلة، وطبيعة الأوزان، وآلية التجميع.
من منظور اقتصادي نقدي، يمكن القول إن مؤشر أسعار المستهلك في العراق يؤدي وظيفته الحسابية بكفاءة، لكنه يعاني من قصور تمثيلي في بيئة اقتصادية تتسم بارتفاع وزن الغذاء، وضعف استقرار العرض، واعتماد كبير على الاستيراد. ومن ثم فإن الاعتماد عليه كمؤشر وحيد لاتخاذ القرار الاقتصادي قد يؤدي إلى قراءات ناقصة أو مضللة. وعليه نقترح تطوير أدوات قياس مكملة، مثل:
1. مؤشرات فرعية لأسعار الغذاء ذات تردد أعلى أسبوعيا كان او يوميا.
2. مقاييس للتقلب السعري (Volatility Indicators) وليس فقط الاتجاه العام.
3. مؤشرات للتضخم المعاش تأخذ في الحسبان السلوك الفعلي للمستهلك.
لذا يمكن القول، لا تكمن المشكلة في مؤشر أسعار المستهلك بحد ذاته، بل في استخدامه خارج سياقه التحليلي. فالمؤشر يقول إن الأسعار مستقرة، لكن الاقتصاد يقول إن الاستقرار غير متكافئ. وبين هذين المستويين، تتشكل فجوة تحليلية تتطلب إعادة النظر في كيفية قراءة التضخم في العراق، ليس فقط كرقم، بل كبنية ديناميكية تعكس تفاعلات السوق مع الواقع المعيشي.
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام