الطلب الصيني على الطاقة يعيد رسم خريطة مسارات النفط والغاز عالمياً

 

مع تصاعد التوترات والهجمات التي طالت منشآت نفطية في إيران وعدد من دول الخليج، تعود مسألة أمن الطاقة إلى واجهة الاهتمام العالمي، وسط مخاوف من اضطراب الإمدادات القادمة من واحدة من أهم مناطق إنتاج النفط في العالم.

وفي هذا السياق، يبرز الطلب الصيني المتزايد على الطاقة كعامل رئيسي يعيد ترتيب مسارات النفط والغاز، ويدفع بكين إلى تسريع شراكاتها مع روسيا ودول آسيا الوسطى لتأمين احتياجاتها المتنامية.

البحث عن بدائل آمنة

تُعد الصين أكبر مستورد للنفط في العالم، وتعتمد بشكل كبير على الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط، حيث يمر جزء كبير منها عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل الطاقة عالمياً.

ومع تصاعد المخاطر الأمنية في المنطقة، تسعى بكين إلى تقليل اعتمادها على هذا المسار، عبر تنويع مصادر الطاقة وتعزيز خطوط الإمداد البرية.

ورغم كونها دولة منتجة للنفط، إلا أن الصين تواجه فجوة كبيرة بين الإنتاج والاستهلاك، إذ تنتج نحو 4.2 إلى 4.3 ملايين برميل يومياً، في حين يتراوح استهلاكها بين 14 و16 مليون برميل يومياً، ما يعني أن الإنتاج المحلي يغطي أقل من 30% من احتياجاتها، وبالتالي تعتمد بكين على استيراد أكثر من 70% من احتياجاتها النفطية من الخارج، وهو ما يجعل أمن الإمدادات مسألة استراتيجية للاقتصاد الصيني والصناعة العالمية المرتبطة به.

وفي هذا الإطار، عززت الصين تعاونها مع روسيا التي أصبحت خلال السنوات الأخيرة أحد أبرز موردي النفط والغاز إليها، وخصوصاً بعد التحولات التي شهدتها أسواق الطاقة العالمية عقب الأزمة الأوكرانية والعقوبات الغربية على موسكو.

شريك الطاقة الأول

وأصبحت روسيا في السنوات الأخيرة المورد الأكبر للنفط إلى الصين، مستفيدة من الخصومات السعرية التي قدمتها موسكو لجذب المشترين الآسيويين بعد العقوبات الغربية عليها، ما دفع المصافي الصينية إلى زيادة مشترياتها من النفط الروسي.

كما يشكل خط أنابيب “قوة سيبيريا” أحد أبرز مشاريع الطاقة بين البلدين، حيث ينقل الغاز الروسي مباشرة إلى السوق الصينية عبر شبكة أنابيب برية تقلل من المخاطر المرتبطة بالممرات البحرية الحساسة.

وتشير تقديرات قطاع الطاقة إلى أن إمدادات الغاز الروسي إلى الصين مرشحة للارتفاع بشكل ملحوظ خلال السنوات المقبلة، مع توقع زيادة صادرات الغاز عبر خطوط الأنابيب بنسبة تصل إلى 75% بحلول عام 2030، في إطار توسيع الشراكة الطاقية بين موسكو وبكين.

آسيا الوسطى.. ممر الطاقة البديل

إلى جانب روسيا، تنظر الصين إلى دول آسيا الوسطى بوصفها مصدراً مهماً للطاقة، وممراً بديلاً لنقلها، فتركمانستان مثلاً تُعد من أكبر موردي الغاز إلى الصين عبر شبكة أنابيب تمتد عبر أوزبكستان وكازاخستان وصولاً إلى إقليم شينجيانغ الصيني.

وتأتي هذه الخطوط ضمن مشاريع البنية التحتية المرتبطة بمبادرة “الحزام والطريق”، والتي تهدف إلى إنشاء شبكة واسعة من طرق التجارة والطاقة تربط الصين بأوراسيا، بما يعزز أمنها الطاقي، ويقلل تعرضها لتقلبات الأسواق العالمية.

احتياطيات ضخمة لمواجهة الأزمات

وفي إطار استعدادها لمواجهة أي اضطرابات في الإمدادات، تمتلك الصين احتياطياً كبيراً من النفط الخام يقدر بما بين 1.1 و1.4 مليار برميل، في حين تبلغ السعة التخزينية الإجمالية للبلاد نحو ملياري برميل.

ويرى خبراء في مراكز أبحاث الطاقة أن هذه الاحتياطيات قد تكون كافية لتغطية واردات الصين لفترة قد تصل إلى ستة أشهر حتى في حال انقطاع الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط.

وتشير بيانات رسمية صادرة عن الإدارة العامة للجمارك الصينية إلى أن واردات الصين من النفط الخام ارتفعت خلال شهري كانون الثاني وشباط الماضيين بنحو 16% على أساس سنوي لتصل إلى نحو 97 مليون طن، أي ما يعادل قرابة 12 مليون برميل يومياً، في مؤشر على سعي بكين إلى تعزيز احتياطياتها الاستراتيجية، تحسباً لأي اضطرابات محتملة في سوق الطاقة العالمية.

ورصدت شركات تتبع حركة الناقلات وجود نحو 40 مليون برميل من النفط الإيراني والروسي والفنزويلي مخزنة على متن ناقلات قبالة السواحل الصينية، وهو ما يُنظر إليه على أنه مخزون احتياطي إضافي للمصافي الصينية في حال تعطل تدفقات النفط العالمية.

اضطرابات المنطقة تعيد الحسابات

ورغم البحث عن مصادر متنوعة يبقى الشرق الأوسط المصدر الأهم للطاقة بالنسبة للصين، إذ تشير التقديرات إلى أن نحو نصف واردات الصين النفطية تأتي من دول الخليج العربي، فيما يمر ما يقارب ثلث وارداتها من النفط وربع وارداتها من الغاز عبر مضيق هرمز.

كما تستورد الصين نحو 90 بالمئة من صادرات النفط الخام الإيراني، إذ تشتري ما يقارب 43 مليون برميل شهرياً، وهو ما يعادل نحو 13 بالمئة من إجمالي وارداتها النفطية.
ويرى محللون أن أي اضطراب كبير في صادرات النفط الإيرانية أو الخليجية قد يدفع بكين إلى الاعتماد بشكل أكبر على الإمدادات القادمة من روسيا وآسيا الوسطى، وهو ما قد يؤدي بدوره إلى إعادة رسم خريطة تجارة الطاقة العالمية.

إعادة تشكيل سوق الطاقة

في ضوء هذه التحولات، تشير التقديرات إلى أن أسواق النفط والغاز قد تشهد خلال السنوات المقبلة تغيرات عميقة في مسارات الإمداد، مع تزايد الاعتماد على خطوط الأنابيب البرية وتوسع الشراكات الطاقية بين دول أوراسيا.

وبينما يظل الشرق الأوسط أحد أهم مصادر الطاقة في العالم، فإن التحركات الصينية لتأمين بدائل استراتيجية قد تسهم في تخفيف أثر أي اضطرابات محتملة في المنطقة، وفي الوقت نفسه تعزز موقع آسيا بوصفها مركز الثقل الجديد في الطلب العالمي على الطاقة، في ظل الدور المتنامي للصين في تحديد اتجاهات السوق العالمية.


ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام


مشاهدات 334
أضيف 2026/03/16 - 6:24 PM