
د. هيثم حميد مطلك المنصور
- خبير اقتصادي-
شهد سوق الائتمان الخاص في الولايات المتحدة خلال العام 2025 ارتفاعاً ملحوظاً في حالات التعثر، في مؤشر يعكس تزايد حجم الضغوط المالية التي تواجهها الشركات المقترضة في ظل استمرار أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة. فوفقاً للتقرير الصادر عن وكالة Fitch Ratings، فقد ارتفع معدل التعثر بين الشركات الأميركية التي تعتمد على التمويل عبر الائتمان الخاص إلى نحو 9.2% في العام الماضي مقارنة بنحو 8.1% عام 2024، وهو مستوى يعد مرتفعاً نسبياً ضمن هذا النوع من أدوات التمويل.
واعتمد التقرير على متابعة أوضاع شركات لديها التزامات دين قائمة ضمن سوق الائتمان الخاص، اذ سجل 38 حالة تعثر تعود إلى 28 شركة من بين 302 شركة مدينة ، ما يدل على أن بعض الشركات واجهت صعوبات في الايفاء بأكثر من التزام تمويلي في الوقت نفسه. يعكس هذا التطور هشاشة نسبية في قدرة العديد من الشركات على خدمة ديونها، ولا سيما في ظل البيئة النقدية المتشددة التي يشهدها الاقتصاد الأميركي الناتجة عن سياسات أسعار الفائدة التي انتهجها بنك الاحتياطي الفيدرالي خلال الفترة الماضية.
يرتبط هذا الارتفاع في معدلات التعثر اساساً بطبيعة القروض المقدمة في سوق الائتمان الخاص، إذ إن نسبة كبيرة منها تمنح بفائدة متغيرة ترتبط بمؤشرات السوق. ومع قيام الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي برفع أسعار الفائدة خلال السنوات الأخيرة لمواجهة التضخم، نجم عنه ارتفاعا تلقائياً في تكلفة خدمة هذه الديون، مما أدى إلى زيادة الأعباء المالية على الشركات المقترضة، خاصة تلك التي تعاني أساساً من هوامش ربحية محدودة أو مستويات مرتفعة من الرفع المالي.
كما أن العديد من الشركات لم تعتمد أدوات كافية للتحوط من مخاطر تقلبات أسعار الفائدة، مثل عقود المقايضة أو تثبيت معدلات الفائدة ، اذ يرجع ذلك الى الاسباب الآتية :
1. ضعف استخدام أدوات التحوط اثناء تقلبات أسعار الفائدة ، مما جعل تدفقاتها النقدية أكثر حساسية لارتفاع تكاليف التمويل. وفي مثل هذه الظروف، باتت الشركات أكثر عرضة للتعثر مع استمرار أسعار الفائدة عند مستوياتها الحالية لفترة أطول.
2. ارتفاع تكلفة التحوط، فالعقود المستخدمة للتحوط مثل مقايضات أسعار الفائدة (Interest Rate Swaps) أو العقود الآجلة تفرض كلفة إضافية على الشركة، ولذلك تفضل بعض الشركات تحمل المخاطر بدلاً من دفع هذه الكلفة.
3. الرغبة في تقليل القيود التعاقدية ذلك ان أدوات التحوط قد تفرض التزامات إضافية أو شروطاً مع المؤسسات المالية، وهو ما تفضل بعض الشركات تجنبه للحفاظ على مرونة أكبر في إدارة السيولة.
4. ضعف الخبرة المالية لدى بعض الشركات، خصوصاً الشركات المتوسطة التي تعتمد على الائتمان الخاص. هذه الشركات لا تمتلك دائماً فرقاً مالية متخصصة لإدارة المخاطر المعقدة.
لذلك، عندما بدأت دورة التشديد النقدي وارتفعت الفائدة بسرعة، وجدت هذه الشركات نفسها أمام تكاليف تمويل أعلى بكثير من المتوقع، ما زاد من احتمالات التعثر.
وتثير هذه التطورات قلقاً متزايداً في الأوساط المالية، نظراً للنمو السريع الذي شهده سوق الائتمان الخاص خلال العقد الماضي، اذ ان توسع دور مؤسسات إدارة الأصول الكبرى مثل BlackRock و Blue Owl Capital في تمويل الشركات خارج النظام المصرفي التقليدي. قد جاء جزئياً نتيجة تشديد القواعد التنظيمية على البنوك بعد الأزمة المالية العالمية 2008، ما دفع العديد من الشركات إلى اللجوء إلى مصادر تمويل بديلة.
ورغم أن هذا النمو أسهم في تنويع مصادر التمويل للشركات وتقليل الاعتماد المباشر على البنوك، فإن تعقيد هيكل سوق الائتمان الخاص وانخفاض مؤشرات شفافيته قد يستبطنان مخاطر كامنة، خاصة مع تزايد حالات التعثر في البيئة النقدية المتشددة. وعلى الرغم من ان المؤشرات الحالية لا تظهر بوادر أزمة مالية واسعة النطاق، إلا أن استمرار الضغوط على الشركات المقترضة قد يدفع الجهات التنظيمية إلى مراقبة هذا القطاع عن كثب خلال المرحلة المقبلة.
لذا ينظر الى تصاعد حالات التعثر في سوق الائتمان الخاص على انها ظاهرة تبلورت في إطار السياسة النقدية التي انتهجها الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي خلال السنوات الأخيرة. ذلك ان التشدد النقدي الذي بدأ عام 2022 لكبح التضخم المرتفع أدى إلى نمو أسعار الفائدة عند مستويات لم تشهدها الأسواق منذ ما يقرب من عقدين، مما انعكس بشكل مباشر على تكلفة التمويل في الاقتصاد ، خصوصاً في القطاعات التي تعتمد على القروض ذات الفائدة المتغيرة مثل سوق الائتمان الخاص. ذلك ان استراتيجية الفيدرالي في تلك المرحلة قامت على كبح الطلب الكلي عبر رفع سعر الفائدة الأساس وتقليص السيولة في الأسواق، بهدف استقرار التضخم عند المستوى المستهدف. غير أن هذه الاستراتيجية، رغم نجاحها النسبي في تخفيف الضغوط التضخمية، فإنها أدت أيضا إلى ارتفاع تكلفة خدمة الديون على الشركات المقترضة. وبما أن نسبة كبيرة من القروض في سوق الائتمان الخاص مرتبطة بأسعار فائدة متغيرة، فإن كل زيادة في سعر الفائدة تنتقل تقريباً بشكل مباشر إلى المقترضين، ما يرفع مدفوعات الفائدة ويضغط على التدفقات النقدية للشركات.
واستنتاجاً مما سبق، يمكن تفسير ارتفاع معدل التعثر إلى نحو 9.2% وفق بيانات وكالة Fitch Ratings باعتباره أحد الآثار الجانبية لدورة التشديد النقدي. فالسياسة النقدية تعمل تقليدياً عبر ما يسمى “قناة الائتمان”، حيث يؤدي رفع الفائدة إلى تقليص قدرة الشركات والأسر على الاقتراض والإنفاق، وبالتالي تهدئة النشاط الاقتصادي. لكن في حالة سوق الائتمان الخاص، يكون تأثير هذه القناة أكثر حدة بسبب اعتماد القروض على معدلات فائدة متغيرة وارتفاع مستويات الرفع المالي لدى العديد من الشركات المقترضة. فضلا عن ان بنية هذا السوق تزيد من حساسيته لقرارات السياسة النقدية. فالمؤسسات التي تدير صناديق الائتمان الخاص، مثل BlackRock وBlue Owl Capital، تقدم التمويل غالباً لشركات متوسطة الحجم أو شركات استحواذ ممولة بديون مرتفعة، وهي شركات تكون قدرتها على امتصاص صدمات الفائدة أقل من الشركات الكبرى التي تستطيع الوصول إلى أسواق السندات أو إعادة تمويل ديونها بشروط أفضل. لذلك فإن ارتفاع الفائدة لا يرفع فقط تكلفة الاقتراض، بل قد يؤدي أيضاً إلى تراجع تقييمات الشركات وقدرتها على إعادة التمويل، ما يزيد احتمالات التعثر.
يعكس هذا التطور ما يعرف في الاقتصاد النقدي بمرحلة "اختبار المتانة المالية" التي تظهر عادة بعد فترات التشديد النقدي. فحين ترتفع الفائدة بسرعة، تبدأ القطاعات الأكثر اعتماداً على الائتمان الرخيص في إظهار نقاط الضعف أولاً. كما حدث شيء مشابه في مراحل سابقة من التاريخ المالي، وإن كان في قطاعات مختلفة، مثلما حدث قبيل الأزمة المالية العالمية 2008 عندما كشفت دورة رفع الفائدة حينها عن هشاشة سوق الرهن العقاري عالي المخاطر.
لذا ففي ضوء هذا التحليل، يمكن القول إن ارتفاع حالات التعثر في الائتمان الخاص قد لا يمثل بالضرورة فشلاً للسياسة النقدية، بل هو جزء من آلية انتقالها إلى الاقتصاد الحقيقي.
ومنه فإن استمرار التعثر قد يضع الفيدرالي أمام هدفين: الاستمرار في إبقاء السياسة النقدية متشددة لضمان كبح التضخم والحفاظ على استقرار الأسعار ، أو تخفيف القيود النقدية لتجنب انتقال الضغوط من قطاع الائتمان الخاص إلى النظام المالي الأوسع . فبلوغ احدهما او الموازنة بينهما ، يعتمد على متابعة هذه المؤشرات لما لها من أهمية في توقيت أي تحول مستقبلي في دورة أسعار الفائدة.
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام