قراءة في السياستين المالية والنقدية لتقرير صندوق النقد الدولي – ايار 2024 

الاقتصاد نيوز — بغداد


اظهر التقرير بيانات مهمة للاقتصاد العراقي خلال المدة (2020-2023) فعلية وتوقعات عام 2024 ومن ثم تنبؤات مسار السياسة الاقتصادية خلال المدة (2025 – 2029) ، وحسب بيانات الجدول الرئيس المدرج ادناه ، فقد جاءت بيانات حقوق السحب الخاصة SDR والتضخم وانتاج النفط الخام مستقرة الى حد ما ، لكن البيانات الاخرى جاءت غير مستقرة ، لا بل بعضها ينذر بخطر قادم السنوات ، ولاسيما للسياسة المالية والتي برز فيها حجم الحكومة التدخلية في الاقتصاد من حيث النفقات الكبيرة وبالتحديد فقرتي الرواتب والاجور والتقاعد ، فضلا عن ارتفاع الدين العام الى مستويات منطقة الخطر والبالغة (60%) من الناتج المحلي الاجمالي .
وعلى الرغم من ان الناتج النفطي  يمثل نحو 40% من إجمالي الناتج المحلي الحقيقي ، الا ان الناتج غير النفطي لا يمثل سوى جزء بسيط من الإيرادات والصادرات الكلية ، مما يجعل العراق شديد التأثر بتقلبات أسعار النفط. فضلا عن ذلك ، لا تزال فاتورة أجور القطاع العام  (تحت ضغط متزايد من سياسات التوظيف الإلزامي) هي الأعلى في المنطقة. 
ويتفاقم هذا التحدي بسبب نقص التنمية في القطاع الخاص ، الذي تعوقه عوامل منها بصمة الدولة الكبيرة والفساد والبيروقراطية والبنية التحتية المتخلفة وسوء الوصول إلى الائتمان . ولا تزال معدلات البطالة مرتفعة ومستويات المشاركة في القوى العاملة منخفضة ، لا سيما بين الشباب والنساء ، وعلى الرغم من تحسن الاستقرار المحلي ، إلا أن الإصلاحات العامة لا تزال متأخرة في مجالات رئيسة .


*يشير اللون الاحمر الى خطورة تواجه الاقتصاد العراقي ، اللون الاصفر الى الاستقرار النسبي ، اللون الاخضر الى النمو الاقتصادي .
 اولا : مناقشات السياسة الاقتصادية
تزيد السياسات الحالية بشكل كبير من تبعية الاقتصاد العراقي لأسعار النفط ، ولحماية الاستقرار الاقتصادي الكلي والاستدامة ، لابد من اصلاح (تعديل) مالي يركز على التحكم في فاتورة الأجور وتعبئة الإيرادات الضريبية غير النفطية مع حماية الاحتياجات الاجتماعية والاستثمارية الحيوية ، ويجب أن يستكمل ذلك تسريع الإصلاحات الهيكلية لتحفيز تطوير القطاع الخاص ، بما في ذلك من خلال إصلاحات سوق العمل وإعادة هيكلة المصارف المملوكة للدولة (الرافدين والرشيد على وجه الخصوص) والجهود المستمرة لمكافحة الفساد .
ثانيا :  السياسة المالية
من المتوقع أن يتدهور الوضع المالي عام 2024 وما بعده مما يزيد من نقاط الضعف ، وعلى الرغم من أن موظفي صندوق النقد الدولي لا يتوقعون سوى تنفيذ جزئي للموازنة الاستثمارية بسبب قيود القدرة ، إلا أنه من المتوقع أن يظل إجمالي الإنفاق الحكومي في تزايد بنسبة 3.8% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2024 ، منها 3.4% ترجع إلى ارتفاع الرواتب والمعاشات التقاعدية (بما في ذلك التحويلات إلى حكومة إقليم كردستان) . 
بالتالي يتوقع أن يرتفع العجز إلى نحو 7.6% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2024 بسبب ارتفاع النفقات الحكومية ، وفي ظل ضعف الايرادات غير النفطية واستمرار الاعتماد على الايرادات النفطية ، فمن المتوقع أن يتعمق العجز المالي بشكل أكبر في ظل افتراض عدم وجود تغييرات في السياسة المالية ، مما يجبر الحكومة الاعتماد على التمويل النقدي والذي يعني تمويل البنك المركزي لنفقات الحكومة مقابل اوراق مالية (خصم حوالات الخزينة) . 
وهذا يعمل على زيادة الدين الحكومي من 44% من الناتج المحلي الإجمالي في نهاية عام 2023 إلى أكثر من 86% بحلول عام 2029 ، مما يؤدي إلى إشارة عالية بالمخاطر في المدى المتوسط .
يتطلب اصلاح السياسة المالية عددًا من التدابير التالية منها (تعبئة الإيرادات غير النفطية والقيود على النفقات الجارية ، مع حماية الاستثمار الرأسمالي وربما توسيع التحويلات الاجتماعية المستهدفة) . اذ تشير تقديرات العائد المؤقتة إلى أن قائمة التدابير التالية يمكن أن توفر مدخرات كافية :
أ‌-    يجب أن يكون محور أي استراتيجية تعديل هو البحث عن مدخرات في فاتورة الأجور. يمكن أن تبدأ المدخرات بالتخلص التدريجي لمتطلبات التوظيف الإلزامية، ويمكن متابعة ذلك باستراتيجية تعتمد على الاستنزاف لتعديل حجم التوظيف الحكومي. ونظرًا لدور التوظيف في القطاع العام في العقد الاجتماعي العراقي والفجوات الكبيرة القائمة في التوظيف بين الجنسين، فإن مثل هذه التدابير يجب أن تكون متوازنة من حيث النوع الاجتماعي ومدعومة بالإصلاح في سوق العمل لتوسيع فرص التوظيف في القطاع الخاص .
ب‌-    يجب أن يكون تعبئة ايرادات غير نفطية اضافية . من خلال ازالة الاعفاءات الضريبية على مؤسسات الدولة المربحة ، واصلاح ضريبة المرتبات ومراجعة الرسوم الجمركية على المدى القريب . ويمكن تحقيق زيادات مادية في الايرادات من خلال جعل ضرائب المرتبات اكثر تصاعدية ، وخضوع بدلات القطاع العام للضريبة والتي يمكن ان تكون كبيرة بقدر الرواتب حيث يتم حجز ضريبة الدخل الشخصي من المصدر. يمكن لمراجعة هيكل التعريفة الجمركية، إلى جانب توحيد اللوائح الجمركية مع حكومة إقليم كردستان، وفرض رسوم جديدة (على سبيل المثال، على السجائر) وضرائب المبيعات على السلع الكمالية أن تساهم أيضًا في الإيرادات غير النفطية. ويمكن أن يساعد التعاون الفني المستهدف في السياسة الضريبية على إثراء وتطوير تصميم تدابير تعبئة هذه الايرادات. كما يمكن أن تؤدي المزيد من التحسينات في إدارة الايرادات والجمارك أيضًا إلى جلب ايرادات إضافية. وينبغي للسلطات ان تبني على التقدم الملحوظ الذي احرز في تجربة نظام اسيكودا من خلال توسيع استخدامه في نقاط مراقبة الحدود الاخرى وضبط العمليات الجمركية بما يتفق مع النظام الجديد. وعلى المدى المتوسط، يمكن لفرض ضريبة على المبيعات العامة أو ضريبة القيمة المضافة أن يعزز ايرادات غير النفطية.
ثالثا : السياسة النقدية
 لجأ البنك المركزي العراقي الى استخدام سياسة نقدية متشددة  لتحسين إطار إدارة السيولة ، وقد تكون هناك حاجة لمزيد من امتصاص السيولة لدعم انتقال السياسة النقدية. واستجابة للزيادة الحادة في فائض السيولة، فقد رفع البنك المركزي سعر الفائدة على السياسة من 4% إلى نحو 7.5% وخفض اموال المبادرات الإقراض المدعومة في منتصف عام 2023 ، ومع ذلك ، كان نفاذ سعر السياسة ضعيفًا بسبب فائض السيولة ونقص الحوافز السوقية في الوسطاء الماليين ، ولاسيما في المصارف الحكومية . اذ تمت زيادة متطلبات الاحتياطي أيضًا من 15% إلى 18% وتم تقديم مرفق فواتير البنك المركزي العراقي لمدة 14 يومًا. 
وبعد هذه الاجراءات من قبل السلطة النقدية ، انخفض فائض السيولة في البداية ، لكنه ارتفع مرة أخرى في شهر اب 2023 نتيجة لتنفيذ الموازنة العامة ، الامر الذي يعني الحاجة إلى مزيد من الإجراءات لامتصاص فائض السيولة ، بما في ذلك تحسين التنسيق بين السياسة المالية والنقدية نحو تحقيق هدف استقرار الأسعار . حيث ان السياسة المالية توسعية من خلال الحجم الضخم للنفقات يقابلها سياسة نقدية انكماشية من خلال رفع الفائدة لمواجهة فائض السيولة في الاقتصاد .
 بالتالي يمكن النظر في زيادة متطلبات الاحتياطي على ودائع الحكومة ، مما سيساعد على امتصاص فائض السيولة في المصارف الحكومية دون الإضرار بالمصارف الخاصة.
كما إن تنظيم وتأمين علاقات المصارف المراسلة أمر بالغ الأهمية لضمان انتقال سهل إلى نظام تمويل التجارة الجديد . اذ يجب على السلطات تكثيف الجهود لتحديث القطاع المصرفي لتسهيل إنشاء علاقات المراسلة المصرفية . اذ ان تمويل التجارة قبل عام 2023 كان يتم بطريقة التعزيز المالي ، لكن بعد ادخال منصة الامتثال تغير تمويل التجارة وقام المركزي العراقي بتمويل مسبق لحسابات الدولار في الخارج للبنوك التجارية المحلية التي لديها علاقات مراسلة مصرفية مع بنك سيتي لتمويل التجارة. سمح هذا بزيادة حصة المدفوعات عبر الحدود التي تتم تسويتها من خلال المصارف التجارية. 
ويخطط البنك المركزي العراقي بداية عام 2025 للانتقال الكامل إلى دور إشرافي في تسوية المدفوعات عبر الحدود (تمويل الاستيرادات) ولتسهيل هذا التحول ساعد البنك المركزي العراقي المصارف الخاصة في تأمين علاقات المراسلة المصرفية ، بما في ذلك تقديم الإرشادات حول اعتماد البنوك وتقييمها بما يتماشى مع أفضل الممارسات الدولية. ولغاية كتابة المقال ، أقامت (6) مصارف علاقات مراسلة مع بنوك أمريكية ، والعديد غيرها لديها علاقات مراسلة مصرفية مع بنوك غير أمريكية . اذ إن تعزيز هذه الجهود أمر ضروري لضمان انتقال ناجح إلى نظام تمويل التجارة الجديد.
بالإضافة لذلك ، فقد حققت السياسة النقدية طفرة مهمة في توسيع نطاق المدفوعات الرقمية ، حيث تم اتخاذ العديد من التدابير لتعزيز المدفوعات الرقمية ، بما في ذلك توسيع استخدام أجهزة نقاط البيع وإلزام استخدام بطاقات الدفع الإلكترونية في معاملات معينة مثل شراء الوقود ورفع سقوف المعاملات في أجهزة الصراف الآلي وبطاقات المصارف وتقليل رسوم المصارف. وتُعد هذه الجهود موضع ترحيب وستساعد على تقليل اعتماد العراق على النقد وتحسين الشمول المالي، وخاصة بالنسبة للنساء اللواتي قد يكون وصولهن إلى الخدمات المالية مقيدًا بسبب محدودية الحركة والعقبات الأخرى .
كذلك عملت السياسة النقدية على دمج القطاع المصرفي ، حيث اتخذ البنك المركزي قرارا بزيادة الحد الأدنى لمتطلبات رأس المال المصرفي من 250 إلى 400 مليار دينار عراقي. ويتعين على المصارف (التي يتسم العديد منها بصغر حجمها) إما ضخ المزيد من رأس المال أو تقديم خطة للاندماج والاستحواذ بحلول بداية عام 2025 ، وسيكون التخطيط الدقيق والتواصل العام أمرًا بالغ الأهمية لتحقيق الهدف المنشود للإصلاح المتمثل في تحسين كفاءة وتنافسية القطاع المصرفي الخاص دون إيجاد حالة من عدم اليقين بشأن قابلية المصارف للاستمرار.
ومع ذلك، فإن تنفيذ أنظمة الخدمات المصرفية الأساسية وإصدار شهادات القوائم المالية السابقة وتعديل اللوائح لتعزيز حوكمة المصارف الحكومية ما زالت ضعيفة ، ويعوق البطء في إحراز تقدم في إصلاح تلك المصارف الحكومية التخصيص الفعال للائتمان ونقل السياسة النقدية.
يجب على السلطات الاستمرار في تعزيز إطار مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وفعاليته بما في ذلك في القطاع المصرفي. يجب أن تسترشد هذه الجهود بالإجراءات ذات الأولوية الصادرة من التقييم المتبادل لمجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (MENAFATF) والذي سينتهي في الربع الثالث عام 2024 ، بمجرد تحديد المجالات الرئيسة لمزيد من التحسينات ، فإن السعي للحصول على مزيد من المساعدة الفنية المستهدفة يمكن أن يساعد في دعم هذه الجهود.


مشاهدات 2402
أضيف 2024/05/17 - 9:59 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 4425 الشهر 65535 الكلي 8822866
الوقت الآن
الإثنين 2024/6/17 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير