
عندما تتصدر العناوين أخباراً عن خسارة إيلون ماسك 57 مليار دولار في أسبوع، أو تراجع ثروة مؤسسي "غوغل" لاري بيج وسيرغي برين بنحو 56 مليار دولار مجتمعين خلال أيام قليلة، يبدو الأمر وكأن مليارات الدولارات اختفت فجأة من حساباتهم المصرفية.
لكن الحقيقة أكثر تعقيداً بكثير، ففي عالم الثروات الضخمة، لا تعني كلمة "خسارة" بالضرورة خروج الأموال نقداً، بل تعكس في الغالب تغيراً في القيمة السوقية للأصول التي يملكونها.
وهنا يبرز سؤال جوهري: هل المليارديرات يملكون فعلاً كل هذه الأموال نقداً؟ وكيف يتم احتساب ثرواتهم أصلاً؟ ولماذا تختلف أحياناً تقديرات فوربس عن بلومبرغ بعشرات المليارات من الدولارات؟.
أول سوء فهم شائع يتعلق بثروات المليارديرات هو الاعتقاد بأنها أموال مودعة في الحسابات المصرفية، في الواقع، معظم أصحاب الثروات الكبرى يتركز الجزء الأعظم من ثرواتهم في حصص ملكية بشركات وأسهم واستثمارات طويلة الأجل.
إيلون ماسك على سبيل المثال لا يحتفظ بمئات المليارات نقداً، بل ترتبط ثروته أساساً بحصصه في "تسلا" و"سبيس إكس" وشركات أخرى.
الأمر نفسه ينطبق على لاري بيج وسيرغي برين اللذين تستند ثروتهما بشكل رئيسي إلى ملكيتهما في شركة "ألفابت" المالكة لغوغل، بينما تعتمد ثروة مارك زوكربيرغ على حصته في "ميتا".
لذلك فإن أي تغير في سعر السهم ينعكس فوراً على تقديرات الثروة، حتى لو لم يبع الملياردير سهماً واحداً.
كيف يخسر شخص 10 مليارات دولار في يوم واحد؟
آلية الحساب في غاية البساطة من الناحية النظرية، لنفترض أن مستثمراً يمتلك 10% من شركة تبلغ قيمتها السوقية تريليون دولار، وفي هذه الحالة تساوي حصته 100 مليار دولار.
إذا تراجعت القيمة السوقية للشركة بنسبة 10% فقط إلى 900 مليار دولار، فإن قيمة الحصة تنخفض إلى 90 مليار دولار.. النتيجة أن المستثمر خسر نظرياً 10 مليارات دولار خلال فترة قصيرة، رغم أن الشركة لم تغلق مصنعاً ولم تتراجع مبيعاتها بالضرورة.
هذا بالضبط ما يحدث لكبار المليارديرات عند تعرض أسهم شركات التكنولوجيا أو الذكاء الاصطناعي أو التجارة الإلكترونية لموجات بيع واسعة في الأسواق، فالثروة هنا مرتبطة بسعر السوق اللحظي، وليس بالأداء التشغيلي المباشر للشركة فقط.
لماذا تختلف التقديرات؟
قد يبدو غريباً أن تختلف الجهات المتخصصة في قياس الثروات بشأن قيمة ثروة الشخص نفسه بعشرات المليارات، لكن الواقع أن احتساب الثروة ليس عملية حسابية جامدة، بل يعتمد على مجموعة كبيرة من الافتراضات والتقديرات.
فعلى سبيل المثال، قدرت مجلة فوربس في بعض الفترات ثروة تشانغ بينغ تشاو، مؤسس منصة "بينانس"، عند نحو 114.6 مليار دولار، بينما جاءت تقديرات "بلومبرغ" أقل بكثير واقتربت من 91 مليار دولار.
ويرجع ذلك إلى عدة عوامل، أهمها؛ اختلاف طريقة تقييم الشركات الخاصة، احتساب الديون الشخصية من عدمه، كيفية التعامل مع الأصول غير السائلة، تقدير قيمة الحصص الكبيرة التي يصعب بيعها بسرعة، احتساب الأسهم المقيدة أو الأسهم ذات حقوق التصويت الخاصة، واختلاف توقيت تحديث البيانات والأسعار.
ولذلك لا توجد ثروة "حقيقية" واحدة متفق عليها بشكل مطلق، بل نطاق تقديري يعتمد على المنهجية المستخدمة.
الشركات الخاصة... أكبر تحدٍ في حساب الثروات
إذا كان تقييم ثروات ملاك الشركات المدرجة سهلاً نسبياً بسبب وجود سعر سوقي معلن للسهم، فإن الوضع يختلف جذرياً بالنسبة للشركات الخاصة، فهذه الشركات لا تمتلك سعراً يتغير كل ثانية كما يحدث في البورصة، وبالتالي لا يمكن معرفة قيمتها السوقية بدقة يومية.
ولهذا تعتمد الجهات المتخصصة على عدد من الأدوات التقديرية، مثل آخر جولة تمويل حصلت عليها الشركة، أسعار تداول الأسهم في الأسواق الثانوية الخاصة، مقارنة الشركة بشركات مدرجة مشابهة، وتقديرات الإيرادات والنمو والربحية المستقبلية.
لكن هذه الأساليب تبقى تقديرات وليست أسعاراً سوقية مباشرة، ما يجعل تقييم ثروات مؤسسي الشركات الخاصة أكثر عرضة للاختلاف والتقلب.
هل يستطيع الملياردير تحويل ثروته إلى نقد؟
الإجابة المختصرة: ليس بسهولة، فوجود ثروة نظرية بقيمة 100 مليار دولار لا يعني إمكانية الحصول على هذا المبلغ نقداً خلال أيام، وإذا حاول مالك حصة ضخمة بيع جميع أسهمه دفعة واحدة، فقد يؤدي ذلك إلى هبوط سعر السهم بشكل حاد نتيجة زيادة المعروض في السوق، وكلما انخفض السعر تراجعت القيمة الفعلية التي يمكن تحصيلها من البيع.
كما أن كبار التنفيذيين والمؤسسين يخضعون في كثير من الأحيان لقيود تنظيمية وإفصاحات مسبقة عند بيع حصصهم، ما يجعل عمليات التسييل عملية تدريجية قد تستغرق أشهراً أو حتى سنوات.
ولهذا السبب يعتمد العديد من المليارديرات على الاقتراض بضمان أسهمهم بدلاً من بيعها، وهي استراتيجية استخدمها عدد من كبار أثرياء التكنولوجيا خلال السنوات الأخيرة.
هل الثروة الورقية ثروة حقيقية؟
الإجابة الأدق هي أنها ثروة حقيقية اقتصادياً لكنها ليست نقداً جاهزاً للاستخدام، فهي حقيقية لأنها تمثل ملكية فعلية في شركات وأصول منتجة وتمنح أصحابها نفوذاً اقتصادياً هائلاً، ويمكن استخدامها كضمان للحصول على تمويلات ضخمة أو تنفيذ استحواذات واستثمارات.
لكنها في الوقت نفسه "ورقية" لأن قيمتها تعتمد على تقييم السوق في لحظة معينة، وقد ترتفع أو تنخفض بمليارات الدولارات خلال أيام من دون أي تغيير جوهري في الأعمال الأساسية.
لذلك عندما نقرأ أن ماسك أو زوكربيرغ أو بيج خسروا عشرات المليارات في أسبوع، فإن ما حدث غالباً ليس تبخر الأموال من حساباتهم، بل تراجع القيمة السوقية للأصول التي يمتلكونها، وقد تستعيد هذه الأصول قيمتها بعد أسابيع أو أشهر إذا تحسنت شهية المستثمرين وعادت الأسهم إلى الارتفاع.
وفي النهاية، تعكس قوائم المليارديرات القيمة التقديرية الحالية للأصول أكثر مما تعكس الأموال السائلة المتاحة بالفعل، ولهذا يمكن أن تختفي 50 مليار دولار من الثروة على الورق في أسبوع واحد، ثم تعود بالسرعة نفسها في الأسبوع التالي، بينما تظل الشركات والمصانع والموظفون والأعمال على حالها تقريباً.
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام