من يتحمل المخاطر؟

الاقتصاد نيوز - بغداد

عندما نتحدث عن الاستثمار في العراق، يذهب النقاش سريعاً إلى التمويل: كم تستطيع المصارف أن تقرض؟ ما حجم الضمانات؟ وكيف نجذب المستثمر المحلي والأجنبي؟

هذه أسئلة مهمة، لكن هناك سؤالاً يسبق قرار التمويل في كثير من الأحيان: إذا لم يسر المشروع كما هو مخطط له، من سيتحمل الخسارة؟

الأرقام تجعل هذا السؤال أكثر أهمية. ففي تموز 2026 بلغ إجمالي الائتمان النقدي المباشر الممنوح من المصارف التجارية نحو 71.4 تريليون دينار، ذهب منها نحو 47 تريليون دينار إلى القطاع الخاص، أي ما يقارب ثلثي الإجمالي، وفق بيانات البنك المركزي العراقي.

هذا الحجم يعكس الدور الذي أصبح الائتمان يؤديه في تمويل النشاط الاقتصادي. لكن زيادة التمويل تعني أيضاً زيادة حجم المخاطر التي تدخل إلى الاقتصاد. لذلك لا يكفي أن نسأل كم نستطيع أن نمول، بل كيف ندير المخاطر التي تأتي مع هذا التمويل؟

لنفترض أن لدينا مشروعاً استثمارياً بقيمة 100 مليون دولار. لا يعني ذلك أن جهة واحدة يجب أن تتحمل مخاطر المشروع بالكامل. المستثمر يضع جزءاً من رأس المال، والمصرف يمول جزءاً وفق قدرة المشروع على السداد ومعاييره الائتمانية، وهناك مخاطر يمكن تأمينها أو ضمانها أو توزيعها، وأخرى تبقى بطبيعتها على المستثمر.

فالمشروع يحمل مخاطر الإنشاء والتشغيل والتوريد والأسعار والعقود والأصول، وقد يواجه مخاطر تنظيمية أو إجرائية لا يملك السيطرة عليها.

المهم هنا ليس كيف نلغي المخاطر، بل كيف نحددها ونسعّرها ونوزعها على من يستطيع إدارتها وتحملها.

المستثمر يتحمل مخاطر استثماره، والمصرف يقيّم ويتحمل مخاطر الائتمان ضمن حدوده ومعاييره، وشركات التأمين وإعادة التأمين تتعامل مع المخاطر القابلة للتأمين، ويمكن للضمانات أن تعالج مخاطر محددة.

أما الدولة، فليس من المفترض أن تتحمل المخاطر التجارية للمستثمر أو أن تضمن نجاح المشروع. دورها أن تخفض المخاطر التي تنتج من البيئة التي يعمل فيها: عدم وضوح الإجراءات أو تغيرها، التأخير، تعدد الجهات، ضعف البيانات، وصعوبة تنفيذ العقود والالتزامات.

رأس المال لا يرفض المخاطر، فهو يدخل أصلاً بحثاً عن عائد مقابل تحملها. لكنه يحتاج أن يعرف ما الخطر، وكم يكلف، ومن سيتحمله إذا وقع.

والخطر الذي يصعب قياسه لا يختفي. غالباً ما يعود إلى المشروع بصورة أخرى: ضمانات أكبر، تكلفة تمويل أعلى، مدة أقصر، مساهمة رأسمالية أكبر، أو قرار بعدم الدخول في الاستثمار من الأساس.

لهذا فإن إدارة المخاطر تبدأ قبل قرار التمويل، وليس بعده.

فالمشروع القابل للتمويل لا تكفيه دراسة جدوى جيدة أو عائد متوقع. الممول يريد أن يرى تدفقات نقدية واضحة، وهيكلاً رأسمالياً مناسباً، وعقوداً قابلة للتنفيذ، وضمانات عند الحاجة، وأن يعرف أين تقع المخاطر ومن سيتحملها.

وهذا يفسر لماذا قد تكون لدينا مشاريع جيدة من حيث الفكرة والحاجة الاقتصادية، لكنها تصل إلى المصرف أو المستثمر قبل أن تصبح جاهزة للتمويل بشروط مناسبة.

هنا أعتقد أننا بحاجة إلى تطوير ما يمكن أن نسميه القدرة الوطنية على استيعاب المخاطر.

ولا أقصد بذلك إنشاء مؤسسة جديدة أو جهاز حكومي آخر. المقصود هو قدرة الاقتصاد على قياس المخاطر وتسعيرها وتوزيعها بين الأطراف الأقدر على إدارتها وتحملها.

المصارف جزء من هذه القدرة، والتأمين وإعادة التأمين جزء منها، وكذلك الضمانات والمعلومات الائتمانية وأسواق رأس المال والعقود والأطر التنظيمية. وكلما تطورت هذه الأدوات وعملت بصورة أكثر تكاملاً، أصبح الاقتصاد أقدر على التعامل مع مشاريع واستثمارات أكبر من دون ترك المخاطر تتجمع لدى طرف واحد.

وهذه القضية مهمة للعراق تحديداً. فزيادة دور القطاع الخاص لا ترتبط بتوفير التمويل فقط، بل بكفاءة القطاع المالي وبيئة الأعمال والحوكمة وقدرة المستثمر على فهم البيئة التي سيعمل فيها والمخاطر التي سيتحملها.

أما التطبيق، فيمكن أن يبدأ من المشروع نفسه.

قبل الوصول إلى قرار التمويل النهائي، يجب أن تكون أمام المستثمر والممول خريطة واضحة للمخاطر: ما المخاطر الرئيسية؟ ما أثرها المحتمل؟ من يتحمل كل خطر؟ ما الذي يمكن تخفيفه؟ ما الذي يمكن تأمينه أو ضمانه؟ وما الذي سيبقى على المستثمر؟

هذه ليست طبقة إضافية من الإجراءات، بل جزء من إعداد المشروع للتمويل.

قوة البيئة الاستثمارية لا تقاس فقط بحجم الأموال التي تستطيع جذبها، بل بقدرتها على توزيع المخاطر على الأطراف الأقدر على إدارتها.

إذا تحسنت هذه القدرة، سينعكس ذلك على قابلية المشاريع للتمويل، وتسعير المخاطر، وحجم الضمانات المطلوبة، وقدرة المصارف والمستثمرين والمؤسسات المالية على الدخول في مشاريع أكبر.

في النهاية، لا يكفي أن نسأل: كم نستطيع أن نمول؟

علينا أن نسأل أيضاً: كم من المخاطر يستطيع اقتصادنا أن يستوعب، وكيف نزيد هذه القدرة؟

لأن كل خطر لا نعرف من سيتحمله، سيظهر لاحقاً في سعر التمويل، أو تكلفة المشروع، أو قرار الاستثمار نفسه


ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام


مشاهدات 77
أضيف 2026/10/17 - 11:56 AM