إسبانيا تخفّض ضرائب البنزين والديزل 20 سنتاً للتر الواحد   الإقتصاد نيوز   موازنة 2027.. 200 تريليون دينار على طاولة العراق والعجز يفتح اختباراً مالياً جديداً   الإقتصاد نيوز   المالية النيابية تطمئن: الرواتب مؤمنة والاحتياطي جاهز لسد العجز   الإقتصاد نيوز   أميركا توجه تحذيراً شديد اللهجة للمؤسسات المالية التي تتعامل مع إيران   الإقتصاد نيوز   الطيران المدني السعودي: مطارا جازان ونجران تعرضا لاعتداءين استهدفا مرافقهما   الإقتصاد نيوز   تراجع استخدام المطارات المحورية في الرحلات الجوية من ألمانيا   الإقتصاد نيوز   النفط: إنجاز شبكات الغاز في 180 موقعاً سكنياً وخدمياً وتجارياً   الإقتصاد نيوز   العمل "تنسق" مع اقليم كردستان لتوحيد برامج الحماية الاجتماعية   الإقتصاد نيوز   الحصار الأميركي يجمد حركة 50 ناقلة نفط أمام سواحل إيران   الإقتصاد نيوز   النزاهة: ضبط وتوقيف وصدور أوامر قضائية بحق (٣١) متهماً في شركة زراعية بكركوك   الإقتصاد نيوز  
موازنة 2027.. 200 تريليون دينار على طاولة العراق والعجز يفتح اختباراً مالياً جديداً

الاقتصاد نيوز - بغداد

تتجه موازنة العراق الاتحادية لعام 2027 إلى أن تكون واحدة من أكثر الموازنات تعقيداً خلال السنوات الأخيرة، ليس بسبب حجم الإنفاق المتوقع فحسب، وإنما لأنها تأتي وسط ضغوط متزامنة تشمل تقلب إيرادات النفط، واتساع النفقات الجارية، وارتفاع فاتورة الرواتب، ومحدودية خيارات تمويل العجز، بالتزامن مع محاولة حكومية للانتقال تدريجياً من موازنة البنود التقليدية إلى موازنة البرامج والأداء.

وبحسب آخر المعطيات المتاحة، أنهت وزارة المالية مسودة الموازنة، فيما أوصى المجلس الوزاري للاقتصاد في 27 أيلول بإحالتها إلى مجلس الوزراء مع الأخذ بملاحظات أعضائه، قبل أن تناقش اللجنة المالية النيابية في 4 تشرين الأول مشروع القانون ومستجداته وتطلب بيانات إضافية من وزارات المالية والتخطيط والنفط والبنك المركزي.

200 تريليون دينار.. والعجز يقارب 65 تريليونا

عضو اللجنة المالية النيابية جمال كوجر كشف، استناداً إلى ما أبلغ به وزير المالية، أن حجم الموازنة المتوقع يبلغ نحو 200 تريليون دينار، تتوزع بواقع 150 تريليون دينار ضمن موازنة البنود التقليدية، ونحو 50 تريليون دينار ضمن موازنة البرامج والأداء.

وتحدثت عضو اللجنة المالية إخلاص الدليمي عن عجز متوقع يقارب 65 تريليون دينار، فيما كانت تقديرات أخرى تضع العجز عند نحو 64 تريليوناً.

هذه الأرقام، في حال اعتمادها بصيغتها النهائية، تعني أن العجز المخطط قد يعادل قرابة ثلث حجم الإنفاق الكلي، وهي نسبة تجعل طريقة تمويله واحدة من أهم القضايا التي ستواجه الحكومة والبرلمان خلال مناقشة القانون.

لكن المستشار المالي والاقتصادي لرئيس الوزراء مظهر محمد صالح دعا إلى عدم التعامل مع الأرقام الأولية باعتبارها صورة نهائية للموازنة، مشيراً إلى أن الحكم على السياسة المالية لعام 2027 يتطلب معرفة الإيرادات الفعلية المتوقعة وسقف النفقات التشغيلية والاستثمارية وحجم العجز وسعر النفط المفترض وكميات التصدير التي ستُبنى عليها الحسابات.

النفط.. المعادلة التي تتحكم بكل شيء

ورغم محاولات زيادة الإيرادات غير النفطية، ما يزال النفط العامل الأكثر تأثيراً في قدرة الدولة العراقية على تمويل موازنتها. وهنا تظهر واحدة من أبرز مشكلات موازنة 2027: ما السعر الذي يمكن اعتماده لبرميل النفط من دون تضخيم الإيرادات أو فرض تقديرات شديدة التحفظ؟

تصريحات نيابية حديثة أشارت إلى نطاق يتراوح بين 60 و70 دولاراً للبرميل، بينما تحدثت تقديرات أخرى داخل اللجنة المالية خلال أيلول عن مستويات أقل تتراوح بين 53 و56 دولاراً. كما بحث وزيرا النفط والمالية في 26 أيلول آلية تحديد سعر البرميل بما يتناسب مع ظروف السوق العالمية، ما يؤكد أن هذا الملف ظل موضع مراجعة خلال المراحل الأخيرة من الإعداد.

ويرى الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي أن تحديد سعر النفط وحجم الصادرات يمثل أول التحديات أمام الموازنة، لاسيما مع الضبابية المرتبطة بالتوترات الإقليمية ومسارات التصدير. ويحذر من أن بناء الموازنة على إيرادات نفطية مرتفعة ثم تراجع الأسعار أو الصادرات فعلياً قد يوسع الفجوة التمويلية خلال السنة.

من هنا، فإن الخلاف لا يتعلق فقط بالسعر الافتراضي للبرميل، وإنما بالفارق بين الإيرادات المكتوبة على الورق وبين الأموال التي تصل فعلياً إلى الخزينة.

الرواتب.. نحو نصف الموازنة تحت الضغط

المعضلة الثانية تتمثل في تضخم الالتزامات التشغيلية للدولة، وفي مقدمتها الرواتب والأجور والتقاعد والرعاية الاجتماعية. وتضع تقديرات منشورة فاتورة الرواتب وحدها عند حدود 100 تريليون دينار سنوياً، أي ما يقارب نصف حجم الموازنة المتداول البالغ 200 تريليون دينار.

وقد تزداد الضغوط إذا أُقرت ملفات وظيفية جديدة. فعضو اللجنة المالية علي الموسوي أعلن إدراج قرار لتثبيت نحو مليون موظف من العقود والأجراء اليوميين على الملاك الدائم، فيما تحدثت لجنة الاقتصاد النيابية عن تضمين تعيين دفعة جديدة من الخريجين الأوائل بعد تحديد الأعداد والكلف المالية.

هذه الالتزامات تحمل بعداً اجتماعياً واضحاً، لكنها من الناحية المالية تزيد حجم الإنفاق الثابت الذي يصعب تقليصه عندما تتراجع إيرادات النفط، وهو ما يقلل المساحة المتاحة للإنفاق الاستثماري والمشاريع الجديدة.

هل يمكن تمويل عجز بـ65 تريليوناً؟

تمويل العجز يمثل الاختبار الأكثر حساسية، فالمرسومي يرى أن تجاوز العجز المخطط مستوى 60 تريليون دينار يأتي في وقت ارتفع فيه الدين الداخلي وأصبحت خيارات التمويل الخارجي أكثر محدودية. فيما أشار مظهر محمد صالح إلى أهمية عدم النظر إلى العجز بمعزل عن مصادر تمويله وقدرة المالية العامة على الاستمرار في تحمل خدمة الدين.

وتشير بعض التقديرات المنشورة إلى تجاوز الدين الداخلي مستوى 114 تريليون دينار، الأمر الذي يجعل التوسع الكبير في الاقتراض المحلي خياراً يحمل تكاليف مستقبلية على الخزينة وقد يزيد ارتباط تمويل الحكومة بالجهاز المصرفي.

في المقابل، قد لا يتحول كامل العجز المخطط إلى عجز فعلي؛ إذ يرى خبراء أن الحكومة قد تضطر، إذا لم تتحقق الإيرادات المتوقعة، إلى خفض الإنفاق الفعلي وتأجيل بعض المصروفات والمشاريع بدلاً من اقتراض كامل مبلغ العجز.

موازنة البرامج.. التغيير الأهم

بعيداً عن حجم الأموال، تحمل موازنة 2027 تغييراً هيكلياً يتمثل في بدء تطبيق موازنة البرامج والأداء بصورة أوسع، وهي صيغة تربط التخصيص المالي بهدف محدد ونتيجة قابلة للقياس بدلاً من الاكتفاء بتسجيل الأموال ضمن أبواب الإنفاق.

وزارة المالية أبلغت اللجنة المالية بأن الانتقال سيكون تدريجياً، مع استمرار موازنة البنود لأغراض الاعتماد والصرف والمحاسبة والرقابة، وإضافة ملحق إلزامي للتخطيط وقياس الأداء وترتيب الأولويات. كما يجري الفصل بصورة أوضح بين الموازنتين التشغيلية والاستثمارية وربط البرامج والمشاريع بجداول قابلة للمتابعة.

وقال عضو اللجنة المالية حسين الدراجي إن المرحلة الأولى ستشمل وزارة الكهرباء ومحافظتي الديوانية وصلاح الدين، قبل توسيع التجربة لاحقاً، معتبراً أن الهدف منها تعزيز الرقابة على المال العام وربط الإنفاق بالأولويات الحكومية والنتائج المتحققة.

أما كوجر، فيشير إلى أن نحو 50 تريليون دينار قد تدخل ضمن هذا النظام مقابل 150 تريليوناً تبقى ضمن موازنة البنود، ما يعني أن التجربة، حتى في حال إقرارها، لن تمثل انتقالاً كاملاً وفورياً إلى النظام الجديد.

هل تكفي الإيرادات غير النفطية؟

المحور الآخر الذي تكرر في النقاشات الحكومية والنيابية يتعلق بتعظيم الإيرادات غير النفطية. وفي 5 تشرين الأول، بحثت اللجنة المالية مع وفد من البنك الدولي أتمتة النظام الضريبي وتطوير الإيرادات غير النفطية والتحول إلى موازنة البرامج والأداء. كما شددت اللجنة على تقليل الاعتماد على النفط وتنويع منافذ التجارة والتصدير.

وفي اجتماعات سابقة مع وزارة المالية طُرحت إجراءات تشمل تفعيل نظام "أسيكودا" الجمركي، وزيادة كفاءة التحصيل، ومراجعة الرسوم والأجور ونسب تحصيل الإيرادات الحكومية، وهي إجراءات يمكن أن تدعم الخزينة، لكنها تحتاج إلى قدرة تنفيذية ورقابية حتى تتحول من تقديرات مسجلة في الموازنة إلى إيرادات محصلة فعلياً.

بغداد وأربيل.. عقدة حاضرة مجدداً

ملف حصة إقليم كردستان يمثل بدوره أحد الملفات التي قد تؤثر في سرعة تمرير الموازنة. ويقول المرسومي إن الخلافات تتركز في آلية احتساب حصة الإقليم، والكميات النفطية التي تسلم إلى الحكومة الاتحادية، والنسبة التي يعتمدها القانون لتحديد حصة كردستان.

ووفق القراءة التي نشرها المرسومي، يطالب الإقليم برفع حصته إلى نحو 14.1% بالاستناد إلى نتائج التعداد، مقابل استمرار الجدل بشأن اعتماد نسبة 12.67% وآلية حساب الإنفاق الفعلي أو المخطط. كما توجد اختلافات بشأن كمية النفط المطلوب تسليمها للحكومة الاتحادية.

وفي اجتماع اللجنة المالية في 4 تشرين الأول، طُرح كذلك ملف تخصيصات شبكة الحماية الاجتماعية في الإقليم، مع الحديث عن نحو 30 ألف عائلة من ذوي الاحتياجات الخاصة تحتاج إلى تخصيصات ضمن الموازنة.

بين الإصلاح والالتزامات.. ماذا تحسم موازنة 2027؟

تبدو موازنة 2027 حتى الآن محكومة بمعادلتين متعارضتين نسبياً: الأولى تدفع باتجاه إصلاح طريقة إدارة المال العام وضبط الإنفاق وربطه بالنتائج، والثانية تفرض على الدولة كتلة كبيرة من الرواتب والتعيينات والرعاية الاجتماعية والمشاريع المتراكمة.

ليركز الموقف الحكومي على الاستدامة المالية وتعظيم الإيرادات والتحول إلى موازنة البرامج والأداء، بينما يركز النواب على ضمان الرواتب والتثبيت والتخصيصات الاجتماعية وحصص المحافظات والإقليم. أما الخبراء فيحذرون أساساً من اتساع فجوة العجز ومن الاعتماد على افتراضات متفائلة بشأن النفط أو اللجوء المفرط إلى الاقتراض.

وبين هذه الاتجاهات، ستكون أربعة أرقام حاسمة عند نشر النسخة النهائية للمشروع: سعر برميل النفط، حجم الصادرات، الإيرادات غير النفطية، والعجز القابل للتمويل فعلياً.

فإذا اقترب الإنفاق من 200 تريليون دينار والعجز من 65 تريليوناً، فإن نجاح الموازنة لن يُقاس فقط بتمريرها داخل البرلمان، وإنما بقدرة الدولة على تمويلها من دون تراكم التزامات جديدة، وبمقدار ما تستطيع تحويل الإنفاق العام من رواتب ونفقات ثابتة إلى استثمار وخدمات ونمو اقتصادي قابل للقياس.

وعليه، فإن موازنة 2027 يمكن أن تشكل أول اختبار حقيقي لتحول العراق نحو إدارة مالية قائمة على النتائج، لكنها في الوقت ذاته ستكون اختباراً لقدرة الحكومة والبرلمان على التوفيق بين مطالب الإنفاق المتزايدة وواقع الإيرادات التي لا تزال شديدة الارتباط بالنفط.


ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام


مشاهدات 73
أضيف 2026/10/06 - 12:13 PM