حين يدخل الـAI مرحلة التنفيذ

الاقتصاد نيوز — بغداد

المؤشر الذي يستحق الانتباه في تطور الذكاء الاصطناعي ليس فقط ارتفاع مستوى ذكائه، بل انخفاض عدد الأشخاص والوقت والخبرة المطلوبة لتنفيذ أعمال كانت، قبل فترة قصيرة، تحتاج إلى فرق متخصصة.

هذا ما يوضحه تقرير Anthropic الأخير، الذي يستعرض عمليات رصدتها الشركة وعطلتها بين ديسمبر 2025 وأغسطس 2026، شملت الهجمات السيبرانية، والمراقبة، وعمليات التأثير، والاحتيال، وإساءة الاستخدام البيولوجي، وتطوير الأسلحة التقليدية، ومحاولات استخلاص قدرات نماذج الذكاء الاصطناعي.

المهم في التقرير أن عدداً من هذه الحالات تجاوز مرحلة السؤال والجواب. أصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً من التنفيذ نفسه: يجمع المعلومات، يحلل الأهداف، يطور الأدوات، يعالج البيانات ويعمل على عدة مهام بالتوازي، بينما يبقى الإنسان مسؤولاً عن اختيار الهدف والقرار النهائي.

الذي يتغير هنا ليس نوع التهديد فقط، بل اقتصاد القدرة.

أعمال كانت تحتاج إلى فرق متخصصة وموارد كبيرة، بدأت تصبح ممكنة بعدد أقل من الأشخاص ووقت أقصر.

في مالي مثلاً، استخدم مستشار واحد Claude كقوة هندسية رئيسية لبناء منصة مراقبة واعتراض اتصالات لصالح جهاز أمني حكومي. وصُممت المنصة للتعامل مع شبكات الهاتف المحمول الثلاث في البلاد، التي تضم نحو 25 مليون شريحة اتصال.

والأهم أن النظام نُشر محلياً. فعندما أوقفت Anthropic الحساب المستخدم في تطويره، استطاعت وقف المساعدة اللاحقة، لكنها لم تستطع إيقاف النظام الذي أصبح يعمل خارج منصتها.

وهذه نقطة تستحق التوقف عندها: ما يساعد الذكاء الاصطناعي على بنائه اليوم، قد يستمر في العمل من دونه غداً.

في الاحتيال، كانت الصورة مختلفة لكن المبدأ نفسه.

شبكة تضم أكثر من 20 تطبيق مواعدة استخدمت أكثر من 4,700 شخصية مدعومة بالذكاء الاصطناعي. وخلال أسبوعين، تواصلت مع ما لا يقل عن 25 ألف مستخدم، وأنتج Claude نحو 2.36 مليون رسالة. أما البشر، فتركز دورهم في اللحظات التي تحتاج إلى إثبات واقعي، مثل مكالمات الفيديو أو التواصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

هنا جرى تقسيم العمل بوضوح: الذكاء الاصطناعي للحجم والسرعة والاستمرارية، والإنسان للنقاط التي تحتاج إلى الثقة والحكم البشري.

وفي تطوير الأسلحة التقليدية، رصد التقرير ست حالات مرتبطة بالصين وروسيا واليمن. إحدى الحالات تضمنت تطوير نحو 16 وحدة برمجية للحرب الإلكترونية وقمع الدفاعات الجوية، بينما استُخدم Claude في حالات أخرى في أعمال مرتبطة بالتوجيه والمحاكاة والطائرات المسيّرة.

هذا لا يعني أن الذكاء الاصطناعي أصبح بديلاً عن المهندس أو الخبير العسكري، لكنه يعني أن جزءاً من الخبرة التي كانت نادرة ومكلفة أصبح أسهل في الوصول وأكثر قابلية للتكرار.

حتى نماذج الذكاء الاصطناعي نفسها أصبحت هدفاً.

فقد عطلت Anthropic حملات لاستخلاص قدرات نماذجها عبر ما يعرف بالـDistillation. وفي أكبر حملة نسبتْها إلى Alibaba، رصدت أكثر من 151 مليون تبادل بين مايو ويوليو 2026 بهدف استخلاص قدرات في التفكير والبرمجة والمهام المعقدة.

الصورة التي تخرج من هذه الحالات واضحة: الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة لزيادة الإنتاجية، بل بدأ يتحول إلى مضاعف للقدرة؛ يرفع قدرة الفرد، ويقلل حجم الفرق المطلوبة، ويوسع نطاق ما يمكن تنفيذه.

وهذا يطرح سؤالاً أكبر أمام المؤسسات والدول: كيف ستتغير موازين القدرة عندما تصبح الخبرة والتحليل والتنفيذ أسرع وأقل كلفة وأكثر قابلية للتوسع؟

بالنسبة للعراق، من الأفضل ألا يبقى النقاش حول الذكاء الاصطناعي محصوراً في الخدمات والاستخدامات اليومية.

المطلوب بناء مؤسسات تعرف أين تستخدمه، وما البيانات التي تسمح له بالوصول إليها، وما القرارات التي يجب أن تبقى بيد الإنسان، وكيف تستخدمه أيضاً لحماية نفسها من الجهات التي تستخدمه ضدها.

الفجوة المقبلة لن تكون فقط بين من يستخدم الذكاء الاصطناعي ومن لا يستخدمه، بل بين من حوّله إلى قدرة مؤسسية حقيقية، ومن بقي يتعامل معه كأداة إضافية.


ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام


مشاهدات 53
أضيف 2026/09/28 - 2:14 PM