
لم تكن الأشهر الستة الماضية مجرد فترة صعبة بالنسبة للصناعة الإيرانية، بل مرحلة تراكمت خلالها مجموعة من الضغوط التي لم تظهر جميع تكاليفها بعد في أسعار المنتجات أو القوائم المالية للشركات. الحرب، واضطراب إمدادات الطاقة، وتقلب سعر الصرف، وصعوبة الوصول إلى المواد الأولية والمعدات، وارتفاع تكاليف النقل والتجارة، كلها عوامل دفعت قطاع الإنتاج إلى العمل في بيئة أكثر هشاشة.
لكن التحدي الأكبر في النصف الثاني من العام الإيراني قد لا يكون استمرار هذه الضغوط منفردة، بل احتمال اجتماعها في الوقت نفسه. فارتفاع تكاليف الإنتاج يضغط على الشركات من جهة، بينما يهدد نقص السيولة والطاقة واستمرار اضطراب التجارة الخارجية قدرتها على تمويل عملياتها من جهة أخرى.
يرى علي هوشمند، وهو ناشط في القطاع الصناعي، في مقابلة صحفية، أن جزءاً كبيراً من آثار الصدمات التي تعرض لها الإنتاج الإيراني خلال النصف الأول لم ينعكس بعد بصورة كاملة على الأسعار، ما يعني أن انتقال ارتفاع تكاليف المواد الأولية والطاقة والنقل إلى المنتجات النهائية قد يستمر خلال الأشهر المقبلة.
فاتورة النصف الأول لم تصل كاملة إلى الأسعار
تعمل الصناعة عادة بفارق زمني بين ارتفاع تكلفة المدخلات وانعكاسها على أسعار المنتجات. ولا تستطيع الشركات في كثير من الحالات تمرير الزيادة كاملة وفوراً إلى المستهلك، خصوصاً عندما تكون قدرتها الشرائية ضعيفة أو عندما تكون السوق نفسها تحت ضغط تضخمي.
لكن استمرار ارتفاع تكلفة المواد الأولية والمعدات والنقل والطاقة يضيق هذا الهامش تدريجياً. ومع ارتفاع سعر الصرف، تصبح الشركات التي تعتمد على المدخلات المستوردة أمام تكلفة أعلى حتى قبل وصول المواد إلى خطوط الإنتاج.
وهذا يعني أن جزءاً من الضغوط التي تعرض لها القطاع خلال الأشهر الماضية قد يتحول تدريجياً من مشكلة في هوامش أرباح الشركات إلى ارتفاع في أسعار السلع الصناعية. وكلما طال الوقت الذي تبقى فيه الشركات مضطرة إلى تمويل الفارق بين تكلفة الإنتاج وسعر البيع، زادت حاجتها إلى رأس المال العامل.
وهنا تظهر إحدى أكثر حلقات الأزمة حساسية: ارتفاع التكاليف يرفع الحاجة إلى السيولة، بينما التضخم نفسه يقلص القيمة الحقيقية للسيولة المتاحة، ويجعل تمويل دورة الإنتاج أكثر تكلفة وصعوبة.
سعر الصرف يعيد تشكيل حسابات الإنتاج
كان سعر الصرف أحد أبرز مصادر عدم اليقين بالنسبة إلى الشركات الإيرانية خلال النصف الأول من العام. وتكمن المشكلة بالنسبة إلى القطاع الصناعي في أن تقلب العملة لا يؤثر فقط على السلع المستوردة، وإنما يمتد إلى المعدات وقطع الغيار والمواد الأولية والمدخلات التي ترتبط أسعارها بصورة مباشرة أو غير مباشرة بسوق العملات.
وكانت بعض التقديرات داخل القطاع تتوقع وصول سعر الصرف إلى مستويات مرتفعة في نهاية العام، إلا أن تلك المستويات ظهرت في السوق خلال وقت أبكر من المتوقع. وبالنسبة إلى المنتجين، لا تكمن المشكلة في مستوى السعر وحده، بل في سرعة تغيره، لأنها تجعل تسعير المنتجات والتخطيط للمشتريات والإنتاج أكثر صعوبة.
وتنعكس هذه الحالة أيضاً على الشركات التي لا تعتمد بشكل كامل على الاستيراد. فارتفاع تكلفة المدخلات المستوردة يمكن أن ينتقل إلى أسعار المواد المحلية، كما أن اضطراب السوق يدفع الموردين إلى إعادة تسعير مخزونهم تحسباً لتكاليف الاستبدال المستقبلية.
وبذلك يتحول سعر الصرف من متغير مالي إلى عامل مؤثر في دورة الإنتاج بأكملها، من شراء المدخلات إلى تحديد السعر النهائي للمنتج.
أزمة السيولة قد تصبح الحلقة الأضعف
مع ارتفاع أسعار المواد الأولية والمعدات وأجور العمال والنقل والطاقة، تحتاج الشركات إلى مبالغ أكبر للحفاظ على المستوى نفسه من الإنتاج.
المشكلة أن ارتفاع الحاجة إلى رأس المال العامل يأتي في وقت تتعرض فيه الشركات لضغوط متعددة على الإيرادات وهوامش الربح. وإذا لم تتمكن المنشآت من الحصول على التمويل بالسرعة المطلوبة، فقد تضطر إلى تقليص المخزون أو تأجيل عمليات الشراء أو خفض الإنتاج.
وهذا يخلق تأثيراً متسلسلاً: نقص السيولة يؤدي إلى انخفاض القدرة على شراء المواد الأولية، ما يحد من الإنتاج، ويقلل المعروض، ثم يضيف ضغطاً جديداً على الأسعار.
لذلك، فإن تطورات النصف الثاني من العام لن تقاس فقط بمؤشرات التضخم، وإنما أيضاً بقدرة الشركات على تمويل دورة الإنتاج والاستمرار في شراء المدخلات الضرورية.
الطاقة.. الخطر الذي يمكن أن يضرب الإنتاج مباشرة
إلى جانب التضخم وسعر الصرف، تواجه الصناعة الإيرانية مشكلة أكثر مباشرة تتمثل في إمدادات الغاز والكهرباء.
وكان نقص الطاقة تحدياً متكرراً أمام المصانع خلال السنوات الماضية، لكن استمرار الضغوط على قطاع الطاقة في ظل الحرب والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية يزيد المخاوف من تكرار عمليات تقليص الإمدادات خلال الأشهر الباردة.
وتكتسب مشكلة الغاز أهمية خاصة، لأن بعض الصناعات تعتمد عليه بصورة مباشرة في عمليات الإنتاج، بينما يرتبط توفر الغاز أيضاً بقدرة قطاع الكهرباء على تلبية الطلب.
وفي حال اضطرت الحكومة إلى إعطاء الأولوية لتوفير الطاقة للاستهلاك المنزلي خلال فصل الشتاء، فقد تواجه المنشآت الصناعية قيوداً على الغاز والكهرباء في الوقت نفسه. وهذا النوع من الانقطاعات لا يعني فقط توقف خطوط الإنتاج لساعات، إذ يمكن أن يؤدي في بعض القطاعات إلى خسائر إضافية مرتبطة بإعادة تشغيل المعدات وتأخر تسليم الطلبات واضطراب جداول الإنتاج.
وتزداد أهمية هذا العامل في ظل ارتفاع الطلب الموسمي المتوقع على بعض الصناعات، مثل قطاعات المرتبطة ببدء العام الدراسي أو صيانة أنظمة التدفئة. فارتفاع الطلب وحده لا يكفي لتحويل ذلك إلى انتعاش صناعي إذا لم تكن الشركات قادرة على تأمين المواد والطاقة والمعدات اللازمة لتلبية الطلب.
التجارة الخارجية تحت ضغط الحرب
لا تنحصر تداعيات الحرب على الصناعة في داخل المصانع. فكلما أصبحت حركة التجارة الخارجية أكثر صعوبة، ارتفعت تكلفة وصول المواد الأولية والمعدات إلى الشركات، كما أصبحت عملية تصدير المنتجات أكثر تعقيداً.
وقد أدت الاضطرابات في حركة الشحن عبر المنطقة خلال الأشهر الماضية إلى زيادة المخاطر المرتبطة بالنقل والتأمين والوقت اللازم لوصول الشحنات. كما أن استمرار القيود على صادرات النفط الإيرانية يضغط على تدفقات النقد الأجنبي التي تحتاجها البلاد لتمويل الواردات.
وأشارت تقارير حديثة إلى تراجع حاد في شحنات النفط الإيرانية خلال الصيف نتيجة القيود على الملاحة عبر مضيق هرمز، وهو ما يزيد الضغط على موارد العملة الأجنبية ويجعل تأمين الواردات أكثر صعوبة.
ولا يقتصر أثر اضطراب الشحن على قطاع النفط. فالصناعة التي تعتمد على استيراد المواد الأولية أو قطع الغيار أو المعدات تتأثر مباشرة بارتفاع تكاليف النقل وطول دورة الاستيراد وعدم اليقين بشأن موعد وصول الشحنات.
كما أن ارتفاع أسعار الوقود والنقل عالمياً يضيف طبقة أخرى من التكلفة إلى سلاسل الإمداد. وقد حذرت تقارير حديثة من استمرار شح الديزل وارتفاع أسعاره عالمياً إلى عام 2027، في ظل تأثير الحرب على سلاسل إمداد الوقود.
حتى انتهاء الحرب لن يعني انتهاء الضغوط
أحد أبرز التحديات التي تواجه الصناعة الإيرانية هو أن انتهاء الحرب، في حال تحقق، لن يعيد ظروف الإنتاج تلقائياً إلى ما كانت عليه قبل الأزمة.
فحتى في سيناريو تراجع التوتر وعودة حركة التجارة تدريجياً، ستبقى الشركات أمام تكاليف تراكمية نشأت خلال الأشهر السابقة. أسعار المواد الأولية ارتفعت، ورأس المال العامل أصبح أكثر حاجة، والمخزونات تعرضت للاستهلاك، وسلاسل التوريد تحتاج إلى وقت لإعادة تنظيمها.
كما أن أي تحسن في التجارة الخارجية يحتاج إلى وقت حتى ينعكس على الشركات. إعادة فتح مسارات الشحن أو تحسن الوصول إلى العملة الأجنبية لا تعني وصول المواد إلى المصانع في اليوم التالي، بل تمر العملية عبر التعاقد والتمويل والنقل والتخليص وإعادة بناء المخزون.
ولهذا يمكن أن يستمر أثر الصدمة الاقتصادية حتى بعد تراجع العامل الذي تسبب فيها.
ستة أشهر جديدة أمام اختبار مزدوج
الصورة التي تبرز للنصف الثاني من العام الإيراني الجاري 1405 الذي ينتهي في مارس 2027، ليست مجرد استمرار للصعوبات السابقة، وإنما احتمال تفاعلها مع بعضها البعض.
ارتفاع سعر الصرف يرفع تكلفة المواد والمعدات، وارتفاع تكلفة المواد يزيد حاجة الشركات إلى السيولة، ونقص السيولة يحد من قدرتها على تكوين المخزون، بينما يمكن أن تؤدي قيود الغاز والكهرباء إلى تقليص الإنتاج. وفي الوقت نفسه، تجعل اضطرابات التجارة الخارجية تأمين المدخلات وتصدير المنتجات أكثر تكلفة وأبطأ.
وهذه الحلقة هي ما قد يجعل الضغوط المؤجلة أكثر أهمية من الصدمات التي ظهرت بالفعل في النصف الأول.
أما بالنسبة إلى الأسعار، فإن السؤال لم يعد فقط ما إذا كانت تكلفة الإنتاج سترتفع، بل متى ستنتقل هذه الزيادة بالكامل إلى المنتجات النهائية، وإلى أي مدى تستطيع الشركات امتصاص جزء منها من هوامش أرباحها قبل أن تضطر إلى إعادة التسعير.
وفي هذا السياق، سيكون أداء الصناعة خلال الأشهر المقبلة مرتبطاً بثلاثة متغيرات رئيسية: مسار الحرب والتجارة الخارجية، قدرة قطاع الطاقة على تأمين احتياجات المصانع، ومسار سعر الصرف والتضخم.
إذا تحسن أكثر من عامل في الوقت نفسه، فقد تحصل الشركات على مساحة لإعادة بناء مخزونها واستعادة قدر من القدرة على التخطيط. أما استمرار الضغوط مجتمعة، فسيجعل النصف الثاني من العام اختباراً أصعب ليس فقط لحجم الإنتاج، وإنما لقدرة الشركات على البقاء قادرة على تمويل دورة الإنتاج وتحمل ارتفاع التكاليف.
وبذلك، فإن «الأشهر الستة الأصعب» قد لا تكون بالضرورة نتيجة صدمة واحدة جديدة، بل نتيجة وصول الفاتورة المتراكمة للأشهر الماضية إلى مرحلة لا تستطيع فيها الصناعة تأجيلها أو امتصاصها كما فعلت في السابق.
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام