
لا تبدو ملفات الفساد المرتبطة بالعقارات في العراق حالات منفردة أو حوادث متفرقة، فمع تكرار ظهور دوائر التسجيل العقاري والبلديات وعقارات الدولة في قضايا أعلنت عنها هيئة النزاهة بمحافظات مختلفة، تتكشف ملامح نمط متكرر يقوم على التلاعب بالتخصيص والبيع والقيود والسجلات، وصولاً إلى نقل ملكية العقارات الحكومية أو الخاصة بطرق غير مشروعة.
وفي قراءة اقتصادية للظاهرة، يرى مستشار رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية والمالية مظهر محمد صالح أن تكرار اسم التسجيل العقاري والبلديات وعقارات الدولة في ملفات الفساد بمحافظات مختلفة "ليس أمراً عرضياً"، بل يكشف عن طبيعة خاصة للفساد العقاري يمكن تسميتها بـ"اقتصاد الاستيلاء على الملكية العامة".
ويشير صالح خلال حديثه لـ"الاقتصاد نيوز" إلى أن الفساد العقاري يختلف عن كثير من أشكال الفساد المالي، لأن المستولي لا يحصل على مبلغ نقدي ينتهي أثره بالإنفاق، وإنما يحاول تحويل أصل من أصول الدولة والمجتمع إلى حق ملكية خاص، ثم إدخاله في الدورة الاقتصادية باعتباره ملكاً مشروعاً. ويؤكد أن الأرض الحكومية، ولا سيما الواقعة داخل المدن أو مناطق التوسع العمراني، تمثل ثروة اقتصادية هائلة، فيما يمكن أن يؤدي ضعف سجلات الملكية وتعدد الجهات صاحبة الولاية على الأراضي وتعقيد إجراءات التسجيل والتخصيص وتغيير جنس العقار، إلى جانب ضعف الرقابة وتداخل الصلاحيات، إلى خلق بيئة مناسبة للاستيلاء على الملكية العامة.
الناصرية.. التخصيص بوابة للتلاعب
كشفت ملفات هيئة النزاهة عن واحدة من أبرز صور التلاعب في الأراضي، بعد ضبط مخالفات في شعبة أملاك البلدية شملت توزيع 1299 قطعة أرض غير مفرزة بأرقام وهمية، لا توجد لها تسلسلات أو أضابير في دوائر التسجيل العقاري، إلى جانب تخصيص قطع لأشخاص وهميين والتلاعب في محاضر التوزيع والمعاملات الرسمية.
ولم يتوقف الأمر عند التلاعب بأرقام القطع وتخصيصها، إذ شهدت المحافظة ملفات أخرى تضمنت إدخال بيانات وتخصيص عقارات بصورة مخالفة للقانون، فيما اتخذت إجراءات قضائية وأصولية بحق عدد من المتورطين.
وتكشف هذه القضايا أن أولى حلقات الاستيلاء على العقار قد تبدأ من مرحلة التخصيص نفسها، عندما يجري إدخال معلومات غير صحيحة أو إنشاء مسارات ورقية لا تتطابق مع الواقع العقاري.
ويؤكد مستشار رئيس الوزراء أن الآلية المؤسسية نفسها يمكن أن تكون قابلة للتكرار في أكثر من محافظة، مبيناً أن وجود ثغرة في إجراءات التسجيل أو التخصيص أو تغيير جنس العقار أو تثبيت الملكية يمكن أن يستفيد منها الفاسدون في مناطق مختلفة.
بابل.. التلاعب يصل إلى القيود العقارية
في بابل، أخذت ملفات الفساد العقاري شكلاً أكثر تعقيداً، مع تسجيل حالات استيلاء على عقارات مملوكة للدولة بالتواطؤ مع موظفين في جهات مرتبطة بالبلدية والتسجيل العقاري وعقارات الدولة، فضلاً عن بيع أسهم ومساحات من الأراضي الحكومية بصورة مخالفة للأصول. كما كشفت قضايا أخرى عن التلاعب بإضابير عقارية وصور قيود، واستبدال أسماء أصحاب الحقوق بأسماء أخرى، رغم وجود إشارات قانونية تمنع التصرف بالعقار.
وفي ملف آخر، أعلنت هيئة النزاهة ضبط مسؤولين في بلدية الطليعة على خلفية إصدار كتب لرفع الحجز عن عدد من العقارات وتسجيلها بأسماء مستفيدين بالاستناد إلى وصولات مالية وهمية، من دون تسديد المبالغ المستحقة للبلدية. وتوضح هذه الحالات أن التلاعب لا يتوقف عند تخصيص الأرض، وإنما قد ينتقل إلى مرحلة تغيير وضعها القانوني ورفع الحجز عنها وتمرير معاملات التسجيل، بما يفتح الطريق أمام تحويل العقار من أصل حكومي إلى ملكية قابلة للتداول.
ويشير محمد إلى أن "العملية قد لا تنتهي عند لحظة الاستيلاء الأولى، إذ يمكن أن تمر الملكية غير المشروعة بعدة حلقات من التصرف والبيع والتسجيل، ما يجعل كشف أصلها أكثر تعقيداً".
ويضيف أن "الفساد في هذه الحالة يتحول من مجرد سرقة للأرض إلى إعادة تصنيع للشرعية القانونية لملكية بدأت أصلاً بوسيلة غير مشروعة، وهو ما يصفه بأنه نمط يقود إلى غسل الأموال".
الديوانية.. من العقار إلى منظومة تزوير كاملة
في الديوانية، كشفت التحقيقات عن شبكة للتزوير والتلاعب ارتبطت بالاستيلاء على قطع أراضٍ والحصول على قروض بطرق غير قانونية، وأسفرت عن ضبط متهمين وحجز عقارات وإيقاف إجراءات تمليكها. كما أظهرت القضية استخدام وثائق وتأييدات وصور قيود مزورة، في واحدة من الحالات التي تكشف امتداد الفساد العقاري إلى مؤسسات ووثائق متعددة.
ويؤكد مستشار رئيس الوزراء أن العقار يمكن أن يتحول إلى أداة لإعادة تدوير الأموال والحقوق غير المشروعة، خصوصاً عندما تنتقل الملكية عبر سلسلة من البيوع والتسجيلات، بحيث يصعب لاحقاً تتبع نقطة البداية. ويعني ذلك أن العقار لا يكون دائماً نهاية عملية الفساد، بل قد يصبح أداة مالية واقتصادية تحفظ قيمة الأموال غير المشروعة وتتيح إعادة إدخالها في النشاط الاقتصادي.
صلاح الدين.. التسجيل العقاري في قلب الملف
في صلاح الدين، ظهرت ملفات أكثر ارتباطاً بآليات التسجيل العقاري نفسها، إذ كشفت هيئة النزاهة عن تلاعب وتزوير في بيع عشرات العقارات المملوكة للدولة، من خلال تزوير كتب البيع والادعاء باستحصال الموافقات الرسمية، بالتعاون مع موظفين ومعقبين. كما رصدت الهيئة في ملفات أخرى محاولات لترويج معاملات بيع عقارات رغم ارتباطها بأراضٍ مخصصة لأغراض خضراء ومتنزهات.
وفي أحدث الملفات، اتسعت القضية لتشمل شبهات تتعلق بإخفاء العائدية الحقيقية لعقارات وتسجيلها بأسماء أشخاص آخرين، مع ضبط سندات وأوليات وعقود شراء لعشرات العقارات في صلاح الدين وبغداد وديالى. وتكشف هذه القضية جانباً بالغ الحساسية من الفساد العقاري، يتمثل في استخدام أسماء الأقارب والأشخاص الوسيطين لإخفاء المستفيد الحقيقي من الملكية.
ويرى المستشار الاقتصادي أن العقار الذي تنتقل ملكيته عبر عدة أشخاص وعمليات بيع وتسجيل يصبح أكثر تعقيداً من ناحية كشف مصدره، خصوصاً عندما تتراكم فوق الملكية الأصلية معاملات جديدة تمنحها مظهراً قانونياً.
ملايين الأضابير خارج المنظومة الإلكترونية
في هذا السياق، يربط الخبير المالي والمصرفي مصطفى حنتوش بين حماية الملكية ومعالجة الفساد العقاري وبين سرعة استكمال الأرشفة الإلكترونية للعقارات.
ويؤكد حنتوش لـ"الاقتصاد نيوز" أن ملف عقارات وممتلكات المواطنين المسجلة يمثل ملفاً كبيراً، مبيناً أن أغلب تسجيلات العقارات في وزارة العدل ودائرة التسجيل العقاري ما تزال مرتبطة بالإجراءات الورقية.
ويوضح أن منصة عقاري مرتبطة بالعقد الخارجي لفتح البيان ولا علاقة لها بعملية فتح البيان نفسها، مشيراً إلى أن وزارة العدل قطعت شوطاً في تحويل بعض الإجراءات إلى الأنظمة الإلكترونية، ومنها عمليات فتح البيان والنكول.
لكن حنتوش يلفت إلى أن المشكلة الأساسية تتمثل في وجود ملايين الأضابير العقارية التي لم تؤرشف حتى الآن ولم توضع ضمن نظام إلكتروني متكامل.
ويرى أن أرشفة عقارات المواطنين ومطابقتها ووضعها ضمن منظومات إلكترونية متكاملة ستوفر قاعدة بيانات أساسية يمكن الرجوع إليها في قضايا إثبات حقوق الملكية، وتساعد على كشف التناقضات بين الوثائق والقيود والمعاملات.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل الملفات التي كشفت عن التلاعب بالأضابير وصور القيود والوثائق العقارية، إذ إن وجود قاعدة بيانات رقمية مترابطة يمكن أن يجعل تغيير البيانات أو تمرير معاملات متعارضة مع أصل الملكية أكثر صعوبة.
غياب الجرد الوطني يعقّد تقدير حجم الظاهرة
ولا تعكس أرقام القضايا المكتشفة بالضرورة الحجم الحقيقي للفساد العقاري، إذ إن ما أعلنته هيئة النزاهة يمثل ملفات جرى اكتشافها والتحقيق فيها، وليس جرداً وطنياً شاملاً لجميع الأراضي والعقارات التي تعرضت للتلاعب.
ويرى مستشار رئيس الوزراء أن إعلان رقم وطني دقيق لحجم الأراضي والعقارات الحكومية التي تعرضت للاستيلاء أو التلاعب يحتاج إلى جرد عقاري شامل ومحدث، وربط سجلات وزارة المالية والبلديات والتسجيل العقاري والجهات المالكة للدولة في قاعدة بيانات موحدة.
ويحذر من أن غياب هذه القاعدة يجعل الدولة تطارد الحالات المكتشفة بدلاً من معرفة الحجم الحقيقي للمشكلة.
وتتفق هذه الرؤية مع مقترح حنتوش بشأن الأرشفة الإلكترونية، باعتبار أن قاعدة البيانات الموحدة لا تؤدي دوراً في حفظ الملكية فقط، وإنما توفر أساساً يمكن من خلاله تتبع تاريخ العقار وتحديد مسار انتقاله والجهات التي تعاملت معه.
الملكية اللاحقة.. الحلقة الأكثر تعقيداً
من أبرز تعقيدات الفساد العقاري تلك المتعلقة بالعقارات التي تنتقل لاحقاً إلى أشخاص آخرين، اذ يشدد المستشار الاقتصادي على ضرورة التفريق قانونياً بين حسن النية وسوء النية لدى المالك اللاحق، وبين الملكية التي نشأت بصورة صحيحة والملكية التي بنيت على وثيقة أو معاملة باطلة.
ويؤكد أن الحالات التي يثبت فيها أن أصل التصرف غير مشروع يمكن للدولة، وفق القانون والقضاء المختص، المطالبة بإبطال التصرفات واسترداد المال العام، مع مراعاة الحقوق التي يحميها القانون للأطراف حسني النية. وهنا تتضح أهمية تتبع سلسلة الملكية بالكامل، وليس الاكتفاء بالبحث عن المالك الأخير للعقار.
ويؤكد المستشار أن مكافحة الفساد العقاري يجب ألا تقتصر على ملاحقة الموظف أو الوسيط أو المستفيد الأخير، وإنما ينبغي تفكيك السلسلة كاملة، بدءاً من مصدر الملكية، ومن أصدر القرار، ومن غيّر صفة العقار، ومن سجل المعاملة، ومن استفاد مالياً، وكيف انتقلت الملكية بعد ذلك.
لجان متخصصة لحسم نزاعات الملكية إلى جانب الأتمتة والأرشفة
يطرح حنتوش مساراً آخر لمعالجة مشكلة العقارات، يتمثل في تشكيل لجان متخصصة لحل منازعات الملكية بصورة سريعة. ويقول إن استمرار الدعاوى القضائية لسنوات قد لا يكون مجدياً في بعض حالات استغلال العقار، داعياً إلى تشكيل لجان تضم المحاكم والقضاة وأصحاب الاختصاص، تكون لديها خبرة متخصصة في النزاعات العقارية وقادرة على حسمها بصورة أسرع.
ويرى حنتوش أن الأتمتة الكاملة لملف العقارات إلى جانب تشكيل لجان لحل نزاعات الملكية يمثلان الطريق الأمثل لمعالجة الإشكالات العقارية وحماية حقوق المواطنين.
من استرداد العقار إلى منع الاستيلاء
الملفات التي ظهرت في الناصرية وبابل والديوانية وصلاح الدين، رغم اختلاف تفاصيلها، تكشف حلقات متقاربة تبدأ من التخصيص أو تغيير جنس العقار، ثم التلاعب بالوثائق والقيود، مروراً بالتسجيل والبيع، وصولاً إلى محاولة تثبيت ملكية جديدة يصعب معها كشف أصلها.
ومن الناحية الاقتصادية، يؤكد مظهر صالح محمد أن الأرض تجمع بين ثلاث مزايا تجعلها هدفاً مغرياً للفساد: الندرة، وارتفاع القيمة، وإمكانية الاحتفاظ بالثروة عبر الزمن، ولهذا فإن الاستيلاء على قطعة أرض حكومية قد يحقق عائداً يفوق بكثير عائد اختلاس مبلغ نقدي مماثل، خصوصاً إذا كانت الأرض داخل المدن أو في مناطق مرشحة للتوسع والاستثمار.
ويؤكد أن الخسارة الناتجة عن نهب الأرض لا تقتصر على سعرها عند لحظة الاستيلاء، بل تشمل أيضاً قيمتها المستقبلية وفرص استخدامها في الإسكان والخدمات والاستثمار والتخطيط الحضري.
وبذلك تتجه المعالجة المقترحة إلى الانتقال من سياسة استرداد العقار بعد الاستيلاء عليه إلى سياسة تمنع تحويل الملكية العامة إلى خاصة من الأساس، من خلال سجل عقاري رقمي وموحد، وربط قواعد بيانات مؤسسات الدولة، وتدقيق سلسلة الملكية، وإظهار المستفيد الحقيقي من التصرفات العقارية، وتشديد الرقابة على تغيير جنس العقار وتخصيص الأراضي العامة ذات القيمة العالية.
فالفساد العقاري، وفق هذه القراءة، لا يمثل مجرد تجاوز على قطعة أرض، وإنما عملية قد تبدأ بورقة أو معاملة وتنتهي بتحويل أصل عام إلى ثروة خاصة، ثم إعادة إدخاله في السوق عبر سلسلة من التصرفات التي تمنحه غطاءً قانونياً ظاهرياً.
ولهذا فإن حماية العقارات العامة تتجاوز استرداد الأملاك بعد اكتشاف التجاوز، لتصبح جزءاً من إصلاح منظومة التسجيل والتخصيص والرقابة والأرشفة، بما يحمي الملكية العامة وحقوق المواطنين والثروة الوطنية والأجيال المقبلة.
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام