أزمة الدين الحكومي العالمي: بين الفائدة والنمو

 

 

دكتور / هيثم حميد مطلك المنصور

ربما لا تبدأ الأزمات المالية دائمًا بانهيار البورصات أو إفلاس البنوك؛ ففي كثير من الأحيان تظهر بوادرها الأولى في مؤشرات تبدو تقنية وبعيدة عن اهتمام الجمهور، مثل الارتفاع المتسارع في عوائد السندات الحكومية. غير أن هذه الحركة ليست مجرد تقلب عابر في الأسواق فحسب ، بل من الممكن ان تعكس تحولًا أعمق في نظرة المستثمرين إلى قدرة الدولة على إدارة دينها وعجزها المالي، وحفاظها على نمو اقتصادي يضمن استدامة التزاماتها في المستقبل.

فعادة ما تلجأ الحكومات إلى إصدار السندات عندما لا تكفي الإيرادات العامة لتغطية حجم الإنفاق. ويظل الاقتراض أداة طبيعية لإدارة المالية العامة ما دام يوجه نحو الاستثمار وتعزيز القدرة الإنتاجية للاقتصاد. غير أن الخطر يبدأ عندما يتحول من وسيلة لتمويل التنمية إلى اعتماد دائم لسد العجز وتسديد الالتزامات السابقة. فعندما تستحق السندات القديمة، قد تجد الدولة نفسها مضطرة إلى إصدار سندات جديدة لسدادها، فتدخل تدريجيًا في دائرة إعادة التمويل، حيث يصبح استمرار الاقتراض شرطًا للحفاظ على القدرة على الوفاء بالديون القائمة.

وتبدأ الأزمة عندما يتراجع الطلب على السندات. فبيع السندات يؤدي إلى انخفاض أسعارها، وانخفاض السعر يؤدي إلى ارتفاع العائد. وبالنسبة للحكومة، يعني ذلك أن الاقتراض الجديد أصبح أكثر كلفة. وهكذا تتشكل حلقة مغلقة: دين أكبر يؤدي إلى إصدار سندات أكثر، وارتفاع العوائد يزيد مدفوعات الفائدة، فتتسع فجوة العجز وتزداد الحاجة إلى الاقتراض مجددا.

قدم لنا عام 2022 مثالًا واضحًا على الدين في بريطانيا. فقد أثارت السياسات المالية التي أعلنتها حكومة ليز تراس مخاوف الأسواق بشأن حجم الاقتراض، فبدأ المستثمرون ببيع السندات الحكومية البريطانية، وارتفعت عوائدها بسرعة. وانتقل الاضطراب إلى بعض صناديق التقاعد والمؤسسات المالية، الأمر الذي دفع بنك إنجلترا إلى التدخل. لقد كشفت التجربة أن فقدان الثقة بالسياسة المالية وحده يمكن أن يرفع كلفة الاقتراض بسرعة، حتى في اقتصاد متقدم.

أما اليونان فنموذجها كان الاكثر خطورة. فمع ارتفاع الدين والعجز بدأت الأسواق تطالب بعوائد أعلى لشراء السندات الحكومية. لكن ارتفاع الفائدة جعل خدمة الدين أكثر صعوبة، فتراجعت الثقة أكثر، وازدادت الحاجة إلى التمويل الخارجي. وتحولت المشكلة إلى حلقة مغلقة: دين مرتفع، وفوائد أعلى، وعجز أكبر، وحاجة متزايدة إلى الاقتراض. وأظهرت التجربة أن حجم الدين لا يكون المشكلة وحده، بل كلفة تمويله وقدرة الاقتصاد على النمو.

وفي حالة الدين الحكومي في الولايات المتحدة فانها تختلف عن الحالتين السابقتين. فهي تمتلك أكبر اقتصاد في العالم، وتصدر ديونها بالدولار الذي يحتفظ بمكانة مركزية في النظام المالي العالمي، كما تعد سندات الخزانة الأميركية من أهم الأصول المالية عالميًا. ولذلك تتمتع بقدرة استثنائية على الاقتراض.

لكن هذه القوة لا تعني أن الدين بلا كلفة. فارتفاع أسعار الفائدة أدى إلى انخفاض القيمة السوقية للسندات القديمة ذات العوائد المنخفضة، وهو ما ظهر بوضوح خلال الأزمة المصرفية عام 2023، ومنها انهيار بنك وادي السيليكون. كما تواجه الحكومة الأميركية تحديًا آخر يتمثل في إعادة تمويل الدين القديم بأسعار فائدة أعلى، ما يؤدي تدريجيًا إلى ارتفاع مدفوعات الفائدة.

ومع تنامي الدين الحكومي عام 2026 الى 40تريليون دولار فان الولايات المتحدة تستطيع الاستمرار في الاقتراض بفضل قوة اقتصادها ومكانة الدولار، لكنها ليست معزولة عن العلاقة الأساسية بين "الدين والفائدة والنمو". فكلما ارتفع العجز، احتاجت الحكومة إلى إصدار مزيد من السندات، وكلما ارتفعت الفائدة أصبحت خدمة الدين أكثر كلفة.

باختصار، الأزمة الأميركية ليست أزمة سداد، بل أزمة استدامة: هل يستطيع الاقتصاد الأمريكي أن ينمو بالسرعة الكافية لمواكبة دين يتزايد وكلفة فائدة تستهلك جزءًا متناميا من الموازنة، أم أن الاقتراض سيصبح تدريجيًا وسيلة لتمويل كلفة الاقتراض السابق؟

تكشف التجارب الثلاث عن صور مختلفة للمشكلة نفسها. بريطانيا أظهرت كيف يمكن لفقدان الثقة أن يهز سوق السندات بسرعة، واليونان كشفت كيف يمكن أن يتحول اضطراب السوق إلى أزمة ديون، أما الولايات المتحدة فتوضح أن حتى الاقتصاد الأقوى في العالم يواجه تحدي ارتفاع كلفة تمويل دين ضخم.

لذا يمكن القول بان الدين ليس مشكلة بحد ذاته فيما إذا استخدم في بناء اقتصاد أكثر إنتاجية وقدرة على النمو . ذلك ان الخطر يبدأ عندما تصبح سرعة نمو الدين اكبر من سرعة نمو الاقتصاد .وهنا سيكون السؤال المنطقي : مع انخفاض إمكانية استدامة النمو فإلى أي مدى يستطيع المستقبل أن يستمر في دفع فاتورة الماضي؟


ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام


مشاهدات 103
أضيف 2026/08/28 - 9:46 PM