8.5 ملايين سائق في إيران.. ماذا يكشف "سناب" عن سوق العمل؟

الاقتصاد نيوز - متابعة

تكشف الأرقام السنوية التي تنشرها شركة «سناب» الإيرانية لخدمات التاكسي عبر الإنترنت عن ظاهرة تتجاوز حدود تطبيقات النقل عبر الإنترنت، وتقدم صورة لافتة عن سوق العمل الإيراني. فملايين الأشخاص سجلوا للعمل سائقين على المنصة، فيما يبدو أن العمل الذي كان يُنظر إليه في السابق بوصفه وظيفة ثانية أو وسيلة للحصول على دخل إضافي، أصبح بالنسبة إلى شريحة من الإيرانيين مصدراً رئيسياً للدخل.

وفي الوقت نفسه، تتزايد مشاركة النساء والمتقاعدين في هذا النوع من العمل، ما يطرح أسئلة أوسع حول القدرة الشرائية، ومستقبل الوظائف الرسمية، والضغط المتزايد على الأسر الإيرانية.

عادة ما تحمل التقارير السنوية للمنصات الخدمية معلومات مهمة عن سلوك المستهلكين واتجاهات السوق. لكن بعض الأرقام الواردة في التقرير السنوي الأخير لـ«سناب» تبدو أكثر دلالة، لأنها تفتح نافذة على التحولات التي يشهدها سوق العمل في إيران.

فمنذ بدء نشاط المنصة وحتى نهاية العام الماضي، تجاوز عدد المستخدمين الذين سجلوا أنفسهم كسائقين 8.5 ملايين شخص، فيما انضم أكثر من 1.1 مليون سائق جديد خلال عام واحد فقط. وبحسب تقديرات وتقارير غير رسمية، يقترب العدد التراكمي للمسجلين من 10 ملايين سائق.

وللمقارنة، يُقدّر عدد السائقين المسجلين لدى «أوبر» عالمياً بنحو 10 ملايين سائق، ما يجعل حجم الإقبال الإيراني على هذا النوع من العمل لافتاً، وإن كانت المقارنة بين المنصتين لا تعكس بالضرورة العدد الفعلي للسائقين النشطين في كل منهما.

والأهم من الرقم نفسه هو ما قد يخفيه وراءه: هل يعكس انتشار العمل عبر المنصات توسع الاقتصاد الرقمي فقط، أم أنه يعكس أيضاً تراجع قدرة الاقتصاد الإيراني على توفير وظائف مستقرة وذات دخل كاف؟

عندما يصبح العمل الإضافي مصدر الدخل الأساسي

وفقاً للأرقام الواردة في تقرير الشركة الإيرانية، عمل نحو 3.9 ملايين سائق نشط على نقل الركاب عبر المنصة خلال العام الماضي.

ولا يعني ذلك أن جميع هؤلاء يعتمدون على «سناب» كمصدر دخلهم الوحيد، لكن حجم المشاركة يوضح مدى انتشار اقتصاد المنصات في سوق العمل الإيراني.

في السنوات الماضية، كان العمل كسائق عبر تطبيقات النقل يُنظر إليه غالباً باعتباره وظيفة مؤقتة أو دخلاً إضافياً إلى جانب وظيفة أخرى. أما اليوم، فتشير مؤشرات اقتصادية وسلوكية إلى أن بعض العاملين باتوا يعتمدون عليه كمصدر رئيسي للدخل، خصوصاً في ظل تراجع قيمة الأجور وارتفاع تكاليف المعيشة.

وتبدو المسألة أكثر وضوحاً لدى بعض الشباب وحملة الشهادات الذين يجدون أنفسهم أمام سوق عمل لا يوفر لهم بالضرورة وظائف تتناسب مع مؤهلاتهم.

فعندما لا يكفي الراتب الرسمي لتغطية النفقات الأساسية، يصبح العمل الذي يوفر دخلاً يومياً نقدياً خياراً أكثر جاذبية، حتى لو كان يتطلب ساعات طويلة خلف عجلة القيادة.

وهنا تظهر المفارقة: كلما ارتفع عدد الأشخاص الذين يجدون في العمل عبر المنصات ملاذاً لتأمين دخلهم، قد يبدو الاقتصاد الرقمي أكثر نشاطاً، لكن الرقم نفسه يمكن أن يعكس في الوقت ذاته ضعف سوق العمل التقليدي.

النساء خلف المقود.. فرصة أم مؤشر على الضغوط؟

من أكثر الأرقام اللافتة في التقرير ارتفاع عدد النساء المنضمات إلى العمل كسائقات في سناب.

فمن بين أكثر من 1.1 مليون سائق جديد انضموا إلى المنصة خلال العام الماضي، كانت نحو 101 ألف امرأة، أي ما يقارب 8.6% من الوافدين الجدد.

ويمثل ذلك، بحسب التقرير، أعلى مستوى لانضمام النساء خلال خمس سنوات.

ويمكن قراءة هذا التطور بأكثر من طريقة. فمن جهة، قد يعكس اتساع مشاركة النساء في سوق العمل ودخولهن إلى مجالات كانت أقل حضوراً فيها في السابق.

لكن هناك قراءة أخرى لا يمكن تجاهلها، خصوصاً في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة. فارتفاع عدد النساء اللواتي يلجأن إلى قيادة السيارات للحصول على دخل قد يكون مرتبطاً أيضاً بارتفاع تكاليف المعيشة والحاجة إلى مصادر إضافية للدخل داخل الأسرة.

ومع اتساع الفجوة بين الإيرادات والنفقات، يمكن أن تتغير أنماط توزيع الأدوار الاقتصادية داخل الأسرة. فالعمل الذي كان يُنظر إليه باعتباره خياراً إضافياً قد يصبح ضرورة بالنسبة إلى بعض النساء، خصوصاً في الأسر التي لا يكفي فيها دخل واحد لتغطية النفقات الأساسية.

لذلك، لا يمكن اعتبار ارتفاع مشاركة النساء في هذا القطاع خبراً إيجابياً أو سلبياً بصورة مطلقة. فهو يجمع بين جانب يتعلق باتساع فرص العمل للنساء، وجانب آخر يعكس الضغوط الاقتصادية التي تدفع المزيد من الأشخاص إلى البحث عن مصادر دخل بديلة.

المتقاعدون يعودون إلى الشوارع

الفئة الأخرى التي تثير الانتباه هي المتقاعدون.

فبعد عقود من العمل، يفترض أن توفر مرحلة التقاعد قدراً من الاستقرار والراحة. لكن ارتفاع التضخم وتراجع القوة الشرائية للمعاشات يدفع بعض المتقاعدين إلى العودة إلى سوق العمل، ومن بين الخيارات المتاحة أمامهم العمل في خدمات النقل عبر التطبيقات.

ويمتاز هذا النوع من العمل بأنه لا يتطلب إجراءات توظيف معقدة، كما أنه يوفر دخلاً يومياً ويمكن ممارسته بمرونة أكبر من الوظائف التقليدية.

وهذا يجعله خياراً عملياً لبعض المتقاعدين الذين يجدون أن معاشاتهم لم تعد كافية لتغطية نفقات الحياة.

لكن استمرار العمل لساعات طويلة في الشوارع، بعد عقود من الخدمة، يطرح أيضاً أسئلة تتعلق بالجانب الاجتماعي والصحي لهذه الظاهرة.

فالمتقاعد الذي كان يفترض أن ينتقل إلى مرحلة أكثر استقراراً يجد نفسه مضطراً إلى قضاء ساعات إضافية في حركة المرور لتغطية نفقات أسرته.

وتتحول صورة كبار السن خلف مقود سيارات النقل عبر التطبيقات إلى مؤشر بصري على مشكلة أكبر: ماذا يعني التقاعد في اقتصاد تتآكل فيه القوة الشرائية للدخل الثابت بسرعة؟

الوظيفة المرنة وكلفتها الخفية

يوفر اقتصاد المنصات مرونة لا توفرها بعض الوظائف التقليدية، ويسمح للأشخاص بالعمل وفق ساعات يحددونها بأنفسهم. كما يمكن أن يشكل منفذاً سريعاً أمام من فقدوا وظائفهم أو يبحثون عن دخل إضافي.

لكن هذه المرونة لها كلفة أيضاً.

فالعمل عبر المنصات لا يوفر بالضرورة للعامل الحماية نفسها التي يحصل عليها الموظف في وظيفة رسمية، مثل التأمين الاجتماعي المستقر والإجازات المدفوعة ومزايا نهاية الخدمة وغيرها من أشكال الحماية المرتبطة بالتوظيف التقليدي.

كما يتحمل السائق جزءاً كبيراً من تكاليف العمل، من الوقود وصيانة السيارة إلى استهلاكها وتأمينها والوقت الذي يقضيه في الطرقات.

وتظهر هنا كلفة أخرى أقل وضوحاً: عندما يعتمد ملايين الأشخاص على أعمال قصيرة الأجل أو غير رسمية لتأمين احتياجاتهم اليومية، تصبح قدرتهم على الادخار والتخطيط للمستقبل محدودة.

وقد يوفر العمل دخلاً يكفي لتغطية نفقات اليوم، لكنه لا يضمن بالضرورة مساراً مهنياً أو حماية اجتماعية طويلة الأمد.

ومن هذه الزاوية، لا تكمن المشكلة في وجود اقتصاد المنصات بحد ذاته، بل في احتمال تحوله من خيار مرن ومكمل إلى البديل الرئيسي عن الوظائف الرسمية والمستقرة.

ماذا تخبرنا أرقام «سناب» عن الاقتصاد الإيراني؟

من الصعب اختزال أسباب الإقبال على العمل كسائق في عامل واحد. فبعض السائقين قد يبحثون عن دخل إضافي، وآخرون قد يفضلون مرونة العمل، بينما قد يكون العمل بالنسبة إلى آخرين مصدر دخلهم الأساسي.

لكن الاتجاه العام يظل لافتاً.

فارتفاع أعداد المسجلين والسائقين النشطين في وقت يعاني فيه الاقتصاد الإيراني من التضخم وتراجع القوة الشرائية، يمكن أن يقدم مؤشراً على تغير طبيعة سوق العمل.

والرقم الكبير لا يعني بالضرورة أن ملايين الإيرانيين أصبحوا «سائقين بسبب الفقر»، كما لا يعني أن كل وظيفة عبر المنصة تمثل فشلاً في سوق العمل الرسمي. لكن من الصعب أيضاً تجاهل العلاقة بين توسع هذا النوع من العمل وبين الضغوط الاقتصادية التي تدفع الأفراد إلى البحث عن دخل سريع ومرن.

في النهاية، قد يكون أهم ما تكشفه أرقام «سناب» ليس نجاح شركة تكنولوجية في جذب ملايين المستخدمين، وإنما التحول في معنى العمل نفسه داخل إيران.

فحين يصبح العمل الإضافي وظيفة أساسية، ويعود المتقاعد إلى الشارع بحثاً عن دخل، وتنضم أعداد متزايدة من النساء إلى قيادة السيارات، فإن المسألة تتجاوز تطبيقاً للنقل.

إنها صورة لسوق عمل يتغير تحت ضغط التضخم وتراجع الدخل وغياب البدائل الكافية.

ويبقى التحدي الأكبر أمام الاقتصاد الإيراني هو ضمان ألا تتحول المنصات الرقمية من خيار للعمل المرن إلى ملاذ اضطراري لملايين الأشخاص. فاقتصاد قادر على توفير فرص عمل منتجة ومستقرة هو وحده الذي يجعل قيادة السيارة خياراً، لا ضرورة، ويمنح العامل فرصة للتخطيط للغد بدلاً من الاكتفاء بتأمين نفقات اليوم.


ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام


مشاهدات 51
أضيف 2026/08/28 - 12:22 PM