رئيس هيئة النزاهة: عملنا لا يستهدف أي جهة أو طرف بل هدفنا الفاسدين   الإقتصاد نيوز   إيران تدرج 45 ناقلة نفط على القائمة السوداء   الإقتصاد نيوز   الزيدي يهنئ بالمولد النبوي ويؤكد: ماضون في ترسيخ الأمن ومكافحة الفساد ودعم التنمية   الإقتصاد نيوز   إعصار يجتاح قرية فرنسية.. عشرات المصابين وانقطاع للكهرباء   الإقتصاد نيوز   الدولار يكسر حاجز 204 آلاف تومان.. الريال الإيراني يهبط إلى مستوى قياسي جديد   الإقتصاد نيوز   الشاحنات بدلاً من البراميل؟.. العراق يختبر ثروته الجغرافية عبر اتفاقية النقل العربية   الإقتصاد نيوز   فيحان والسفير النمساوي يتفقان على أهمية فتح خط جوي مباشر بين بغداد وفيينا   الإقتصاد نيوز   الصين ترد على تهديدات واشنطن: سنحمي تعاوننا مع إيران بإجراءات مضادة   الإقتصاد نيوز   العقوبات الأمريكية وقرار الإمارات يربكان تجارة إيران والهند   الإقتصاد نيوز   "إيزي جيت" للطيران البريطانية تطلق حملة لتوظيف "كبار السن"   الإقتصاد نيوز  
الشاحنات بدلاً من البراميل؟.. العراق يختبر ثروته الجغرافية عبر اتفاقية النقل العربية

الاقتصاد نيوز - بغداد

في وقت يبحث فيه العراق عن منافذ حقيقية لتقليل اعتماده المزمن على النفط، تتجه وزارة النقل إلى استكمال إجراءات انضمام البلاد إلى اتفاقية تنظيم نقل البضائع على الطرق البرية بين الدول العربية، في خطوة لا تقتصر آثارها المحتملة على زيادة حركة الشاحنات، بل تمتد إلى اختبار قدرة بغداد على تحويل موقعها الجغرافي من مساحة تعبرها التجارة إلى أصل اقتصادي يدر إيرادات ويوفر فرص عمل ويجذب الاستثمارات.

وتعتزم وزارة النقل توقيع الاتفاقية خلال الشهر المقبل، بعد استكمال مناقشة عدد من فقراتها وإبداء الجانب العراقي تحفظات وملاحظات عليها، بحسب حسين أحمد الكربلائي مدير إعلام الوزارة، الذي يؤكد أن الاتفاقية يمكن أن تعزز حضور العراق الإقليمي في التبادل التجاري وتفتح مساحات أوسع أمام القطاع الخاص وشركات النقل والخدمات اللوجستية.

ويقول الكربلائي لـ"الاقتصاد نيوز"، إن وجود خطوط نقل وسلاسل توريد أكثر انتظاماً يمكن أن يشجع الشركات الأجنبية على توطين جانب من أنشطتها وصناعاتها داخل العراق، بدلاً من الاكتفاء بفروع تجارية، فضلاً عن تشغيل الأيدي العاملة وأصحاب الشاحنات وتنشيط الأنشطة التجارية والخدمية على الطرق التي تستخدمها حركة البضائع.

اتفاقية عمرها 14 عاماً.. فما الجديد؟

وبخلاف الانطباع الذي قد يوحي بأن الاتفاقية مشروع عربي مستحدث، فإن أصلها يعود إلى 5 أيلول 2012، عندما أقرها مجلس جامعة الدول العربية بهدف تسهيل نقل البضائع براً، وإزالة القيود والمعوقات وتوحيد القواعد المنظمة للنقل الدولي، ولا سيما وثائق النقل ومسؤوليات الناقلين وآليات التأمين وتسوية المنازعات.

لكنها لم تدخل حيز النفاذ إلا في آب 2025، بعد اكتمال العدد المطلوب من وثائق التصديق. وفي تشرين الثاني 2025، أحاط مجلس وزراء النقل العرب علماً بدخولها حيز التنفيذ اعتباراً من 15 آب من ذلك العام، ودعا بقية الدول العربية إلى الانضمام إليها.

أما عراقياً، فلم يبدأ التعامل مع الملف من نقطة الصفر؛ إذ أقر مجلس الوزراء في 23 أيلول 2025 توصيات اجتماع تشاوري خاص بمشروع الاتفاقية، وشملت دراسة جوانبها المختلفة ودرجة تعارضها أو تداخلها مع مشروع طريق التنمية، مع اعتماد الملاحظات العراقية المثبتة في الاجتماع، وهو ما يفسر استمرار النقاشات والتحفظات التي تتحدث عنها وزارة النقل حالياً.

وتنظم الاتفاقية عمل الناقلين المرخصين ووثائق النقل والتأمين والمسؤوليات القانونية، كما تشجع تبادل المعلومات إلكترونياً وتوحيد الأوزان والأبعاد وقواعد ممارسة نشاط النقل.

لكن ثمة تفصيلاً مهماً: النقل بالعبور "الترانزيت" مستثنى من نطاقها المباشر عندما يكون خاضعاً لاتفاقية تنظيم النقل بالعبور بين دول الجامعة العربية أو لأي اتفاقية أخرى تحل محلها. وبالتالي، فإن تحويل العراق إلى ممر ضخم لشاحنات الترانزيت يحتاج إلى تكامل هذه الاتفاقية مع ترتيبات العبور والكمارك وطريق التنمية، وليس الاتفاقية وحدها.

لماذا يحتاج العراق إلى "اقتصاد الموقع"؟

الخبير في الشأن الاقتصادي سيف الحلفي يرى أن أهمية الاتفاقية تتجاوز الشأن الفني المرتبط بالمنافذ والشاحنات، لتدخل في إطار "إعادة تعريف أهمية موقع العراق الاستراتيجي في الاقتصاد الإقليمي".

ويقول الحلفي لـ"الاقتصاد نيوز" إن العراق الذي ظل لعقود يبيع النفط إلى العالم يمتلك فرصة لبيع خدمة أخرى تقوم على موقعه الجغرافي وشبكات النقل، موضحاً أن موقع البلاد بين الخليج وتركيا وإيران وبلاد الشام يسمح له بأن يتحول إلى عقدة لنقل وتخزين ومعالجة البضائع إذا توفرت البنية التحتية والقواعد التنظيمية الملائمة.

وتدعم الأرقام الحاجة إلى هذا التحول؛ فالبنك الدولي قدر أن النفط شكّل خلال 2023 نحو 58% من الناتج المحلي الإجمالي و95% من صادرات العراق و92% من إيرادات الحكومة، وهي نسب تجعل المالية العامة شديدة الحساسية لتقلبات الإنتاج والأسعار ومسارات التصدير.

كما أظهر صندوق النقد الدولي في تقريره لعام 2025 استمرار الاختلال؛ إذ قدر إيرادات النفط الحكومية بنحو 33.3% من الناتج المحلي الإجمالي في 2025 مقابل إيرادات حكومية إجمالية تبلغ 36.9%، بما يعكس استمرار هيمنة النفط على موارد الخزينة.

من هنا، يرى الحلفي أن "كل شاحنة تعبر العراق يجب ألا تمر مجاناً اقتصادياً"، وإنما تترك وراءها دخلاً وفرصة عمل ونشاطاً للقطاع الخاص، من خلال الرسوم والتخزين والصيانة والتأمين والنقل والخدمات المساندة.

الترانزيت وحده لا يصنع اقتصاداً

غير أن إيرادات عبور الشاحنات تبقى الحلقة الأبسط والأقل قيمة في اقتصاد النقل.

فإذا دخلت الشاحنة من منفذ حدودي وغادرت عبر منفذ آخر، فإن ما يحصل عليه العراق يتركز في الرسوم وخدمات الطريق والنقل، أما القيمة الاقتصادية الأكبر فتبدأ عندما تتوقف البضاعة داخل العراق لتخزينها أو فرزها أو إعادة تغليفها وتجميعها، وتدخل معها شركات التأمين والمصارف والنقل والمخازن والمناطق الصناعية والتجارة الإلكترونية.

ويصف الحلفي ذلك بأنه الفارق بين "دولة تعبرها التجارة ودولة تصنع اقتصاداً من التجارة"، داعياً إلى ربط الاتفاقية بالمناطق اللوجستية والمخازن والمناطق الصناعية والحرة والموانئ والسكك الحديدية.

وهذه الرؤية تتطابق إلى حد بعيد مع ما يطرحه البنك الدولي بشأن طريق التنمية؛ إذ يعتبر أن المشروع يمكن أن يساعد العراق على تنويع الاقتصاد، ليس عبر حركة الترانزيت فقط، وإنما من خلال الصناعات التي تضيف قيمة إلى السلع العابرة ورفع كفاءة الاستيراد والتصدير.

أرقام ضخمة.. إذا اكتمل الربط

وتظهر تقديرات البنك الدولي حجم السوق الممكنة في حال نجاح العراق بإنشاء شبكة نقل متكاملة وربطها بتركيا وأوروبا.

فبحسب وثائق البنك، يمكن لطريق التنمية، عند اكتمال الربط السككي مع تركيا وأوروبا، أن يستقطب بحلول عام 2040 ما يصل إلى 14 مليون طن من الشحن الدولي و20 مليون طن من الشحن الإقليمي سنوياً.

وفي حزيران 2025 وافق البنك الدولي على تمويل بقيمة 930 مليون دولار لتحديث وتأهيل 1,047 كيلومتراً من السكك الحديدية بين ميناء أم قصر والموصل، مع إنشاء بيئة تساعد القطاع الخاص على الاستثمار في الموانئ الجافة والمراكز اللوجستية.

ويتوقع البنك أن ينقل الخط بحلول 2037 نحو 6.3 ملايين طن من الشحن المحلي و1.1 مليون طن من بضائع الاستيراد والتصدير سنوياً، فضلاً عن 2.85 مليون مسافر، وأن يوفر المشروع أكثر من 3 آلاف وظيفة إنشائية، وصولاً إلى نحو 21,900 وظيفة سنوياً بحلول 2040 مع توسع النشاط السككي.

ثم جاءت خطوة أخرى في حزيران 2026، حين أقر البنك الدولي تمويلاً إضافياً بقيمة 900 مليون دولار لمشروع الممرات الاقتصادية للنقل في العراق، ويركز على محورين رئيسين: محور شمال–جنوب يربط بغداد بالحدود التركية عبر الطريق السريع E2، ومحور شرق–غرب عبر E1 باتجاه سوريا والأردن. ويتوقع أن يستفيد من المشروع نحو 7.9 ملايين شخص في المناطق الواقعة على امتداد الطرق الجديدة أو المؤهلة.

وفي مشروع طريق التنمية نفسه، أعلنت وزارة النقل في آب الجاري أن طول المسار يبلغ نحو 1,200 كيلومتر، وأن نسبة إنجاز مخططات السكك الحديدية بلغت نحو 95% مقابل 85% لمخططات الطرق البرية.

وهنا تلتقي اتفاقية النقل العربية مع طريق التنمية: الأولى توفر جزءاً من البيئة القانونية والتنظيمية لحركة الناقلين والبضائع، والثاني يوفر الممر والبنية الأساسية اللازمة لتحويل تلك الحركة إلى تجارة واسعة النطاق.

الطريق ما يزال طويلاً لكن الموقع وحده لا يكفي.

فالبنك الدولي يضع العراق في المرتبة 115 من أصل 139 دولة في مؤشر الأداء اللوجستي لعام 2023، ويشير إلى تحديات تشمل ضعف البنى التحتية وتأخر التخليص والإجراءات الحدودية ونقص الخدمات اللوجستية المتطورة، كما أن النقل البري يستحوذ على أكثر من 90% من نشاط النقل داخل العراق.

وتكشف أرقام أحدث للبنك أن نحو 85% من شبكة الطرق العراقية معبدة، لكن قرابة 65% منها تندرج ضمن حالة متوسطة إلى سيئة، كما تشير تقديرات المشروع إلى أن رحلة شاحنة لمسافة نحو 580 كيلومتراً بين بغداد وأم قصر قد تستغرق قرابة 24 ساعة، وهو زمن مرتفع إذا كان العراق يريد المنافسة كممر إقليمي سريع.

كما سبق للبنك الدولي أن أشار إلى أن التخليص الكمركي للواردات كان يستغرق في المتوسط نحو 20 يوماً وفق مسح المؤسسات لعام 2022، فضلاً عن تسجيل تأخيرات في بعض المنافذ الرئيسة، بينها منفذ إبراهيم الخليل مع تركيا.

ولهذا فإن توقيع الاتفاقية بحد ذاته لن يجعل العراق مركزاً لوجستياً إذا بقيت الشاحنة تواجه طوابير طويلة وطرقاً متضررة وإجراءات متعددة عند كل منفذ.

الأتمتة تبدأ بتحويل المنافذ إلى مورد

في المقابل، شهد ملف الجمارك خلال العامين الأخيرين تحولاً قد يشكل قاعدة مهمة لأي توسع في النقل الإقليمي.

ففي حزيران 2026 أعلنت الهيئة العامة للجمارك إكمال أتمتة 25 مركزاً جمركياً برياً وبحرياً وجوياً من خلال نظام "أسيكودا"، والاستعداد لإطلاق "النافذة الواحدة" وربطها إلكترونياً بـ15 وزارة ودائرة، فضلاً عن تبادل البيانات مع دول الجوار.

ووفق الهيئة، ارتفعت الإيرادات الجمركية من أقل من تريليون دينار سنوياً قبل الأتمتة إلى تريليوني دينار في 2024 ثم 2.6 تريليون دينار في 2025، مع توقع تجاوز 3 تريليونات دينار خلال 2026.

وتشير أحدث أرقام معلنة في آب إلى وصول الإيرادات إلى نحو 2.5 تريليون دينار خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026، بينها 560 مليار دينار في تموز وحده، مع توقعات بتجاوز 3.5 تريليون دينار بنهاية العام.

وهذه الأرقام تقدم نموذجاً مصغراً لما يتحدث عنه الحلفي والكربلائي: حركة التجارة لا تصبح مورداً فعلياً بمجرد وجود منفذ جغرافي، وإنما عندما تكون هناك منظومة قادرة على تسجيل الحركة وضبطها وتقديم الخدمات واستيفاء العوائد بصورة إلكترونية ومنظمة.

من الميناء إلى المصنع

المعادلة التي يواجهها العراق في النهاية ليست بين النفط والنقل، بقدر ما هي بين اقتصاد يعتمد على مورد طبيعي واحد واقتصاد يستثمر الجغرافيا والخدمات وسلاسل القيمة.

فميناء الفاو من دون طرق وسكك ومناطق صناعية سيبقى ميناءً، وطريق التنمية من دون موانئ جافة ومخازن وتأمين وتمويل وخدمات لوجستية قد يتحول إلى مجرد ممر، واتفاقية النقل العربية من دون إجراءات حدودية سريعة وبنية تحتية موثوقة لن تكون أكثر من إطار قانوني.

أما إذا جرى جمع هذه الملفات ضمن استراتيجية واحدة، فإن الصورة تختلف: تدخل البضاعة من الميناء أو الحدود، وتنقلها شركات عراقية، وتخزن في مخازن عراقية، ويؤمّن عليها قطاع عراقي، وتمولها مصارف، ويعاد تغليفها أو تصنيع أجزاء منها داخل مناطق اقتصادية، ثم تتحرك نحو سوق أخرى.

عندها فقط يصبح الموقع الجغرافي منتجاً اقتصادياً قائماً بذاته.

وبذلك، قد لا تكون الأهمية الحقيقية لاتفاقية النقل البري في عدد الشاحنات التي ستدخل العراق بعد توقيعها، وإنما في مقدار القيمة التي يستطيع الاقتصاد العراقي انتزاعها من كل شاحنة وكل طن من البضائع وكل كيلومتر من طرق العبور.

فالفرصة موجودة بالفعل: الخليج جنوباً، وتركيا وأوروبا شمالاً، وإيران شرقاً، والأردن وسوريا غرباً، وميناء ضخم يتشكل في الفاو، ومشروعات طرق وسكك بمليارات الدولارات.

لكن الامتحان الحقيقي سيكون في قدرة العراق على الانتقال من امتلاك الموقع إلى إدارة الموقع، ومن تحصيل رسوم العبور إلى بناء صناعة للنقل والخدمات اللوجستية؛ عندها فقط يمكن الحديث فعلياً عن انتقال تدريجي من اقتصاد النفط إلى اقتصاد الموقع.


ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام


مشاهدات 102
أضيف 2026/08/25 - 11:49 AM