
استوقفتني خلال حديث رئيس مجلس الوزراء في مؤتمر حوار بغداد الثامن فكرة أراها أهم من كثير من الأرقام والمشاريع التي طُرحت: أن بناء الدولة والاقتصاد يحتاج إلى إصلاحات قد لا تظهر نتائجها في عمر الحكومة الحالية.
هذا الطرح يضع اليد على مشكلة رافقت العراق طويلاً: عمر الحكومة أربع سنوات، بينما بناء الدولة يحتاج إلى عقود.
الحكومات تتغير، وهذا طبيعي. المشكلة أن تتغير معها وجهة الدولة، فتبدأ الأولويات من جديد قبل أن تنضج نتائج ما سبق.
فالتعليم، والصناعة، والزراعة، والطاقة، والمياه، والجمارك، والمصارف، وسوق العمل، والبنية التحتية، والتحول الرقمي؛ كلها ملفات لا يمكن إصلاحها ضمن دورة حكومية واحدة، بل تحتاج إلى عمل مستمر يُبنى فيه على ما تحقق.
وقد أطلق العراق الإطار العام لرؤية العراق 2050، وهنا لم يعد السؤال الأهم: هل لدينا رؤية؟
بل: كيف نجعلها تتجاوز الحكومات؟
برأيي، يبدأ الجواب من قاعدة واضحة: أن تعمل الحكومة ضمن مشروع دولة، لا أن تتحول الدولة إلى مشروع حكومة.
الخطوة التالية هي تحويل رؤية العراق 2050 من توجه طويل الأمد إلى مسار مؤسسي ثابت، تُترجم أهدافه الكبرى إلى مراحل واضحة، وترتبط به الخطط الحكومية والموازنات والاستراتيجيات القطاعية.
هذا لا يعني أن تلتزم الحكومات المقبلة بأدوات حكومة سبقتها؛ فلكل حكومة برامجها وأولوياتها ووسائلها. المطلوب هو ثبات الوجهة مع مرونة الأدوات، كي تتغير السياسات عند الحاجة من دون أن يتغير المسار الوطني مع كل دورة حكومية.
وتحتاج الرؤية أيضاً إلى منظومة واضحة للمتابعة والقياس، بمؤشرات معلنة وتقارير دورية تبيّن ما تحقق، وما تأخر، وما يحتاج إلى تصحيح.
فقيمة الرؤية لا تأتي من امتدادها حتى عام 2050، بل من حضورها في القرار اليومي للدولة.
عندها يتغير معيار تقييم الحكومات؛ فلا نسأل فقط: ماذا أنجزت الحكومة خلال أربع سنوات؟ بل نسأل أيضاً: كم قرّبت العراق، خلال هذه السنوات، من أهدافه في 2050؟
بهذا المعنى، تصبح كل حكومة حلقة في مسار وطني مستمر، لا بداية منفصلة عمّا سبقها. تتغير الحكومات وتتغير أدواتها، لكن الدولة التي تعرف إلى أين تريد أن تصل لا تبدأ طريقها من جديد مع كل حكومة.
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام