
في خطوة يقرؤها الإيرانيون افتتاحا لجولة أوسع من الحرب الاقتصادية على بلادهم، تعتزم الخزانة الأمريكية إعلان تفاصيل الجولة الجديدة من عقوباتها على طهران، غير أن الرسالة الأهم تكمن في وعيد الرئيس دونالد ترامب بـ”إنزال اقتصادي خارق” يتجاوز حدود إيران ليشمل كل دولة أو جهة تقدم لها دعما اقتصاديا، ما يرسم علامة استفهام عن القطاعات الأكثر هشاشة أمام الموجة الجديدة من الضغط الاقتصادي.
وتأتي هذه العقوبات بعد مضي نحو 6 أشهر من وعود واشنطن بـ”نصر سريع” على إيران، قبل وصول خيارها العسكري إلى طريق مسدود وتراجع احتمالات التوصل إلى اتفاق يوما بعد يوم، ما يكشف عن تحول في مسار المواجهة: انتقال بؤرة التهديد من التقابل العسكري الصلب إلى الضغط الاقتصادي الناعم.
“لا تدخلوا في حرب اقتصادية ضد إيران”
لم يكن الرد الإيراني على موجة العقوبات الجديدة أقل حدة من سابقاتها، فقد حذر أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، اللواء محسن رضائي في مقابلة تلفزيونية: “نقول لكل دول الجوار: لا تدخلوا في حرب اقتصادية ضد إيران. ومن يدخلها سنعتبره عدوا”، مضيفا بلهجة تصعيدية: “لم نستهدف المصالح الاقتصادية الأمريكية حتى الآن، لكنْ إذا تواصلت الأعمال العدائية، فهذا الخيار مطروح أمامنا”.
أما وزير الخارجية عباس عراقجي، فاختار لغة السخرية التاريخية، حيث كتب على حسابه بمنصة إكس: “هذا الفيلم المكرر محكوم بالفشل. قبل 14 عاما: فرضوا ‘أشد العقوبات إحداثا للشلل في التاريخ’.. وفشلت. قبل 8 أعوام مارسوا ‘الضغط الأقصى’.. وفشل. قبل 5 أشهر: طرحوا ‘الاستسلام غير المشروط’.. وفشل. واليوم تأتي ‘أكثر العمليات الاقتصادية سحقا في التاريخ’.. هذه أيضا محكومة بالفشل. لقد رأينا هذا الفيلم من قبل؛ القصة نفسها، لكنْ بمتنمرين مختلفين”.
لكنْ خلف هذه الثقة الظاهرة، يحمل تحليل الخبراء في طهران نبرة مختلفة. فالدكتور مهيار رمضانخاني، أستاذ الاقتصاد بجامعة طهران، يرى أن ثمة ما يميز هذه الجولة عن سابقاتها، موضحا أن “المشكلة في الوقت الراهن هي أن مدى مرونة الاقتصاد الإيراني التي سمحت له بالالتفاف على العقوبات حتى الآن بدأت تنفد، لأن الجولة الجديدة من العقوبات لا تستهدف إيران وحدها، بل تستهدف كل من يتعامل معها. وهذا ما يجعلها مختلفة وأخطر من سابقاتها”.
وفي حديث للجزيرة نت يفصل رمضانخاني ثلاثية اختلاف العقوبات الجديدة مع سابقاتها كالتالي:
الحصار البحري المفروض منذ أشهر يضاعف من أثر أي عقوبات جديدة.
العقوبات الجديدة تستهدف أي دولة تتبادل تجاريا مع إيران ما يهدد بقطع شركاء طهران التجاريين علاقاتهم التجارية معها.
العقوبات تستهدف حتى الأشخاص والوسطاء والسماسرة الذين يساعدون طهران في الالتفاف على العقوبات.
ويشدد رمضانخاني على أن هذا المثلث هو ما يجعل الجولة الحالية استثنائية.
قطاعات إيرانية هشة
وعند سؤاله عن القطاعات الأكثر هشاشة، يرسم رمضانخاني خريطة قاتمة بقوله “القلق الأكبر هو أن يقطع شركاؤنا الرئيسيون، مثل الصين والإمارات، علاقاتهم التجارية والمالية معنا خوفا من العقوبات الأمريكية. وإذا حدث ذلك، فالتأثير سيكون مدمرا”.
وتابع: “سلسلة إنتاج الدواء ستكون الأكثر تضررا، يليها قطاع المواد الغذائية”، موضحا أن إيران تستورد نحو 80% من الأعلاف الحيوانية ومواد أولية لمصانع الأغذية من دول أخرى، وجميع مدفوعاتها بالعملة الصعبة وفي ظل العقوبات الجديدة، سنواجه صعوبات هائلة في توفير المواد الأولية لصناعاتنا الغذائية الأساسية”.
ويشير رمضانخاني إلى أن قطاع صناعة السيارات سيكون ضمن القطاعات المتضررة على نطاق واسع لأن كثيرا من قطع الغيار يأتي من الخارج، مضيفا “في القطاع الطبي ستكون المعدات المخبرية التي نستوردها نقطة ضعفنا الكبرى”، فضلا عن قطاعات السياحة والطاقة، وورش الأعمال الصغيرة وشركات الصرافة وشبكات تحويل الأموال، وكذلك أساطيل الظل التي ستواجه ضغوطا هائلة خلال الفترة المقبلة.
وفي قطاع الإسكان، يحذر الأكاديمي الإيراني من أزمة مزدوجة تضغط على المعروض وترفع كلفة البناء، تتمثل في نقص الفولاذ بعد تضرر الطاقة الإنتاجية جراء الحرب الأخيرة، إلى جانب العجز الحاد في الطاقة الذي ينعكس على إنتاج مواد البناء، وفي مقدمتها الأسمنت.
ويضيف أن استمرار هذه الضغوط قد يؤدي إلى تراجع بناء المساكن وارتفاع أسعارها، خصوصا مع اعتماد القطاع على استيراد عدد من التجهيزات والأنظمة الخدمية، مثل المصاعد وأنظمة التدفئة والتبريد وقطع غيارها، مما يجعلها بدورها عرضة لتداعيات العقوبات الجديدة.
توقيت الموجة الجديدة من الضغط الاقتصادي
أما عالم الاقتصاد الإيراني ألبرت بغزيان، فيقدم قراءة لافتة لأسباب توقيت الموجة الجديدة من الضغط الاقتصادي، مشيرا إلى أن الرئيس ترامب سبق وجرّب سياسة أقسى الضغوط على إيران دون جدوى قبل لجوئه للخيار العسكري، لكنه الآن يعتقد أن الظروف تغيرت مقارنة بما قبل الحرب، حيث كان التضخم حينها أقل حدة، وطرق الالتفاف على العقوبات مفتوحة بوجه طهران، ومضيق هرمز لم يكن مغلقا، والعلاقات مع الدول الخليجية لم تكن متوترة والتجارة عبر بوابتها كانت تمضي على قدم وساق، بيد أن كل هذه العوامل انقلبت.
وفي تصريحه للجزيرة نت، يرى بغزيان أن بعض القرارات الاقتصادية الداخلية ساعدت، من وجهة نظره، في تعزيز اعتقاد إدارة ترامب أن الضغوط قد تكون أكثر تأثيرا هذه المرة، وفي مقدمتها إلغاء العملة الأجنبية المدعومة المخصصة لاستيراد السلع الأساسية، إلى جانب تغيير شخصيات اقتصادية بارزة في خضم الاحتجاجات الشعبية خلال الشتاء الماضي، بينها وزير الاقتصاد السابق، وهي عوامل يقول إنها أسهمت في مضاعفة الأسعار.
الوضع المعيشي في إيران
وبرأي بغزيان فإن الأضرار التي لحقت بقطاعي الفولاذ والبتروكيميائيات جراء الحرب الأخيرة، جعلت التضخم يلتهم ما تبقى من القدرة الشرائية لدى المواطن الإيراني ويقضي على استقرار وضعه المعيشي، ما أفضى إلى إرسال إشارة إلى واشنطن مفادها: “الآن يمكن للضغط أن يؤتي أكله”.
ويوجز بغزيان المشهد بالقول: “هذه المرة، لم يأتِ ترامب وحيدا. الحصار البحري مستمر، والإمارات قطعت علاقاتها المالية والتجارية معنا، ويبدو أن الجانب الأمريكي يرسم لوحة عقوبات أكبر ضدنا. لم نواجه مثل هذا الوضع من قبل حيث كانت لدينا شبكات من أجل الالتفاف على العقوبات والتحويلات المالية لكنْ عقب توتر علاقات طهران مع الدول الخليجية يسعى ترامب لاستغلال الوضع الجديد لقطع شرايين الاقتصاد الإيراني”.
وفي ختام حديثه، وجه بغزيان رسالة إلى صناع القرار الاقتصادي في طهران، داعيا إلى تجنب أي خطوات قد تضيف ضغوطا جديدة على المواطنين في المرحلة الراهنة.
وقال “الآن ليس وقت تكرار الأخطاء، فالتوقيت غير مناسب لرفع أسعار السلع الأساسية، أو إلغاء العملة المدعومة عن سلع أخرى مثل الوقود، كما أنه ليس ملائما لرفع أسعار البنزين. يجب التحلي بحذر شديد وتجنب أي قرار قد يفاقم الأوضاع”.
ويشدد بغزيان على أن الموجة الجديدة من العقوبات، وإن كانت تستهدف قطاعات مختلفة من الاقتصاد الإيراني، فإن هدفها الأبعد -وفق قراءته- قد يتمثل في إضعاف القدرات الاقتصادية لطهران قبل أي جولة جديدة محتملة من المواجهة العسكرية.
ومع حلول الاثنين، تترقب طهران إعلان وزير الخزانة الأمريكي خلال الساعات المقبلة تفاصيل ما وصفته واشنطن بـ”العملية الاقتصادية الساحقة”، وسط مزيج من التحدي والقلق.
ففي حين تتوعد السلطات الإيرانية بمواجهة الحرب الاقتصادية، تتجه أنظار الإيرانيين إلى سوق الصرف، بعدما تجاوز الدولار مليوني ريال حتى مساء الأحد. في حين يطرح مراقبون تساؤلا عنوانه “من سيدفع فاتورة هذه الحرب الاقتصادية أولا، ومن سينكسر أولا؟”.
وفي طهران، يدرك الجميع أن الإجابة قد لا تكون بعيدة.
ليصلك المزيد من الأخبار اشترك بقناتنا على التيليكرام